إرث مالكوم إكس

لم يكن التمييز العنصري قانونًا شمال الولايات المتحدة في أعقاب الحرب الأهلية، لكنه كان الحقيقة الواقعة. وفي جميع جوانب الحياة تقريبا، عانى السود الشماليون العنصرية والفصل العنصري.

ووجد السود الذين تركوا الجنوب أنفسهم مرغمين على العيش في جيتوهات ضخمة (أحياء أقليات) وتعليم أطفالهم في مدارس متدنية المستوى. وكانت الوظائف المهنية أو تلك التي تتطلب مهارات محجوزة للبيض أما السود فكانوا خاضعين باستمرار للسلطة البيضاء لاسيما مضايقات من الشرطة.

وقال ربع السود إنهم تعرضوا لسوء المعاملة من قبل الشرطة، بينما قال 40% منهم إنهم شاهدوا سودًا آخرين يتعرضون لاعتداءات الشرطة. ومهما كانت الأوهام التي احتفظ بها السود الجنوبيون عن الشمال الليبرالي فهي أوهام لم يحتفظ بها سوى من عاشوا بالشمال فعليا.

وبينما كان السود الشماليون متأثرين بالنضالات في الجنوب، فإن ظروفهم جعلتهم يتقبلون وجود حركة مستقلة ومختلفة تماما عن «مجلس القيادة المسيحية الجنوبية» التي قادها مارتن لوثر كينج.

في الأعوام الأولى للنضال من أجل الحقوق المدنية، كان التعبير التنظيمي الأكثر تأثيرا للحركة الجديدة التي أنشأها مالكوم إكس هو حركة «أمة الإسلام». وفي أواخر خمسينيات القرن الماضي، وصل عدد الأعضاء المسجلين بالحركة إلى 100 ألف مع وجود مالكوم إكس كأبرز الأعضاء.

من الناحية الرسمية، كانت أفكار أمة الإسلام محافظة بشكل كبير. لقد جمعت الحركة بين عناصر الإسلام المتشدد وأفكار نشأتها، ودعت لعقيدة العمل الشاق وحسن التدبير والطاعة والتواضع.

ورأت الحركة أيضا أن الاستقلال الاقتصادي عن مجتمع البيض له أهمية حاسمة، لذا شجعت الحركة أعضاءها على الشراء من السود. وأسست حركة أمة 

الإسلام العشرات من المشاريع وامتلكت أراض زراعية وشيدت مساجد في غالبية المدن الشمالية الكبرى.

ولم تستنكر الحركة الرأسمالية، بل أدانت البيض فقط. في الواقع، لقد أراد الكثير من المسلمين السود محاكاة نجاح الرأسماليين البيض.

ودعا قائد حركة «أمة الإسلام» إليجاه محمد لإنشاء دولة مستقلة للسود في الولايات المتحدة أو أي مكان آخر. لكن عدا الضغط طيلة عقود أو الدفاع عن مصالحها، كانت الحركة في حالة عداء ضد المشاركة السياسية.

إن أية طائفة دينية متقوقعة على نفسها تستطيع تحقيق النمو الكبير، فإن ذلك يعد دليلًا على الشعور بالمرارة لعدد كبير من السود في المناطق الحضرية. وبالنسبة لمئات من الشباب المنضمين، فقد مثّلت حركة الإسلام الاحترام والاعتزاز بالذات. وأصبح مالكوم إكس الجريء فصيح اللسان بمثابة قوة جاذبة لمزيد من النشطاء المنضمين لحركة أمة الإسلام، مع 

وجود نداءات جاءت بغرض تسليط الضوء على نفاق نُخب البيض.

وردا على اتهام الحركة بالعنصرية قال مالكوم إكس: «في حال استجبنا لعنصرية البيض برد فعل عنيف، فبالنسبة لي ليست عنصرية للسود. إذا جئتم لتضعوا حول عنقي لتشنقوني، فبالنسبة لي ليس تلك عنصرية، ردود أفعالكم هي العنصرية، لكن رد فعلي لا علاقة له بالعنصرية».

ورفض مالكوم إكس الرأي القائل بأن الاندماج في المجتمع الأمريكي كان ممكنًا أو مرغوبًا ولم يرّ أن الحكومة الفيدرالية والحزب الديمقراطي حلفاء، لكنهم جزء من المشكلة.

وانتقد مالكوم إكس بشدة الليبراليين الذين تحدثوا عن وجود عنصرية في الجنوب ولم يتحدثوا عن الأحوال المعيشية في الشمال قائلا: «سأنزع الهالة الموضوعة حول الليبرالي، والتي بذل جهدًا لتهذيبها».

وانتقد مالكوم إكس بشدة قادة حركة الحقوق المدنية، حيث رأى أنهم بعيدون عن قيادة النضال، حيث إنهم قاموا باحتوائه.

وهاجم مالكوم إكس أيضا فكرة اللاعنف وهي الأساس الذي قامت عليه حركة إنهاء الفصل العنصري في الجنوب. وبدلاج من ذلك، دعا السود للدفاع عن النفس قائلا:

«كن مسالما، كن مهذبا، أطِع القانون، احترم الجميع، لكن إن مد أحدهم يده عليك، أرسله إلى المقبرة».

«في الواقع، هذا هو الدين القيم ؛ حافظ على حياتك، فهي أفضل ما لديك، وإذا كان عليك خسارتها، تأكد من أن من سيجعلك تخسرها يخسر حياته».

لم يكن مالكوم إكس سوى موسع لتعاليم إيليجاه محمد، وبالفعل كان دائما يستهل خطاباته بالجملة التالية «يعلمنا إيليجاه محمد ..». لكن مالكوم إكس 

لكن مالكوم إكس حوّل تلك الأفكار لاتهام للنظام، وفك نفسه من قيود حركة أمة الإسلام.

وبينما كان إيليجاه محمد ينتقد السياسات، أصبح مالكوم سياسيًا بشكل أكبر. واشتكى منه أحد المسلمين قائلا:

إن مالكوم هو من أدخل مفهوم القومية السوداء في حركة المسلمين السود، والتي كانت دينية في جوهرها.

وكان إيليجاه محمد على دراية بأن التسييس المتنامي للمنظمة كان لديه أثر على أمة الإسلام، بما في ذلك متحدثها الرئيسي مالكوم إكس، لذا اتخذ محمد إجراءات لإعادة بسط سيطرته على الحركة

لقد اتضح إفلاس سياسات حركة الإسلام من خلال هجوم للشرطة في لوس أنجلوس عام 1962. في أبريل عام 1962، قُتِل مسلم أسود وجرح العشرات من قبل قسم شرطة لوس أنجلوس.

ثم سافر مالكوم إكس مباشرة إلى لوس أنجلوس لتوجيه رد الحركة على الهجوم. دعت أمة الإسلام للدفاع عن النفس حيث إن القتل الذي قامت به الشرطة تطلب عملًا انتقاميًا. لكن إيليجاه محمد منع أتباعه من تنظيم حملة مستديمة للدفاع عن النفس.

كانت الراديكالية اللفظية، والتي كثيرا ما تتصف بالتطرف في إدانتها للبيض، مقبولة في فترة سابقة عندما كان أعضاء حركة الإسلام يؤسسون لسمعتهم كمعارضين للنظام. لكن انفجار الغضب بين السود كان يتطلب أكثر من الكلمات، كان يتطلب فعلا وهو ما لم يؤيده إيليجاه محمد.

خروج مالكوم إكس من أمة الإسلام

جاء انفصال مالكوم إكس عن حركة أمة الإسلام أخيرًا في ديسمبر عام 1963. وردًا على سؤال من الجمهور خلال لقاء في مدينة نيويورك، عزا مالكوم اغتيال الرئيس جون كينيدي إلى الكراهية والعنف الذين خرجا عن مجتمع صنعه البيض بأنفسهم.

على الرغم من أن التصريح كان متسقا مع العداء الذي عبر عنه الوزراء المسلمون السود تجاه الإدارة الأمريكية في الماضي، فإن إليجاه محمد أخبر مالكوم أنه سيتم إيقافه لـ 90 يوما حتى لا يتم ربط المسلمين في كل مكان بهذا الخطأ. وسرعان ما بدا واضحًا أن الإيقاف هو فصل لمالكوم إكس.

في 8 من مارس عام 1964، أعلن مالكوم إكس رسميا انفصاله عن أمة الإسلام، وقال إن حركة المسلمين السود ذهبت لأبعد ما تستطيع لأنها تتسم بالطائفية الشديدة وتقيد نفسها بشكل مفرط.

ودعا مالكوم إكس لمشاركة أكبر في نضالات السود التي تفجرت في جميع أنحاء البلاد، محذرا المسلمين السود من أنهم قد يجدوا أنفسهم «يوما ما فجأة منفصلين عن جبهة نضال الزنوج».

ولكي يكون مشاركًا في حكة الحقوق المدنية، خلص مالكوم إلى ضرورة أن يفصل السياسة عن الدين قائلا: «إننا لا نخلط بين ديننا وسياستنا واقتصادنا وأنشطتنا الاجتماعية والمدنية – ليس بعد الآن – يجب أن نشارك مع أي شخص في أي مكان وأي وقت وأية طريقة مهيأة للقضاء على الشرور ومنها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي يعاني منها الناس في مجتمعنا».

وفي الخطاب ذاته، وصف مالكوم إكس نفسه بنصير القومية السوداء.

المناهضة الناشئة للإمبريالية

بعد فترة قصيرة، بدأ مالكوم إكس أول رحلتيه إلى قارة إفريقيا. كان لهاتين الرحلتين أثر مهم على أفكاره. والتقى مع عدد من رؤساء الدول الإفريقية ومنهم كوامي نكروما رئيس غانا وجمال عبدالناصر رئيس مصر وتأثر بأفكار «العالم ثالثية».

بشكل عام، كانت تلك هي الرؤية التي تشير إلى أن العالم تهيمن عليه قوتان عظمتان – الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي – وأن الدول النامية في العالم تمثل بديلًا مستقلًا.

وعندما عاد مالكوم إكس إلى نيويورك، أعلن إنشاء منظمة الوحدة الأفرو – أمريكية، والتي صممت على غرار منظمة الوحدة الإفريقية، والتي تجمع رؤساء دول إفريقية. وكانت منظمة الوحدة الأفرو – أمريكية منظمة قومية سوداء تصبو لتأسيس منظمات مجتمعية ومدارس ومشاريع للسود وحملات تسجيل انتخابية لضمان السيطرة على المجتمع للساسة السود

وبعد زيارته لإفريقيا، بدأ مالكوم أن يجادل بأن نضال السود في الولايات المتحدة هو جزء من نضال دولي، والذي ربطه بالنضال ضد الرأسمالية والإمبريالية.

وبدأ أيضا يجادل في صالح الاشتراكية. ومشيرًا إلى الدول الإفريقية، قال «إن جميع الدول التي تخرج اليوم من أغلال الاستعمارية تتوجه صوب الاشتراكية».

ولم يعد مالكوم إكس يضع تعريفا للنضال لتحرر السود كصراع عرقي. وقال: «نحن نعيش في عصر ثورة، وثورة الزنوج الأمريكيين هي جزء من التمرد ضد الظلم والاستعمار الذي ميّز هذا العصر».

وتابع

لم يعد مالكوم يؤمن بأن البيض هم الأعداء، لكنه ظل على يقين بالحاجة إلى تنظيم يجمع السود وقال: «البيض يمكنهم مساعدتنا، لكن لا يمكنهم الانضمام 

إلينا. لا يمكن أن تكون هناك وحدة بين السود والبيض حتى تكون هناك أولا وحدة بين السود. لا يمكن أن يكون هناك تضامن بين العمال حتى يكون هناك أولا تضامن عرقي. لا يمكن أن نفكر في الوحدة مع الآخرين، حتى نوحد أنفسنا أولا».

لكن المفهوم الجديد لمالكوم إكس حول النضال آل به أيضا إلى للتشكيك في فهمه السابق حول قومية السود. في يناير عام 1965، اعترف مالكوم إكس بأن فهمه السابق لقومية السود عمل على إبعاد أناس كانوا ثوريين حقيقيين مخلصين لإسقاط نظام الاستغلال الذي يوجد على الأرض بأية وسيلة ضرورية.

الوعد الضائع

ليس صحيحًا أن نصنف ثورة الزنوج كصراع عرقي للسود ضد البيض أو أنه مشكلة أمريكية بحتة. إن ما نراه اليوم هو تمرد عالمي من المظلومين ضد الظالمين ومن المستغَلين ضد المستغِلين.

خلال هذه الفترة، كانت أفكار مالكوم السياسية تتطور بسرعة، وهو التطور الذي توقف بوفاته. وبحلول ذلك الوقت، كان مالكوم إكس قد أصبح فعليًا واحدًا من أهم شخصيات السود الراديكالية في الولايات المتحدة، وكان تأثيره يتنامى لاسيما بين النشطاء الشباب.

لقد اغتيل مالكوم إكس فقط لأنه بدأ يفكر بنفسه كما كان يقول، ولأنه أيضا عبر عن برنامج راديكالي لتحرر السود. إن وفاته السابقة لأوانها وما تبعها من قمع وانهيار حركة السود جميعها عوامل سهلت أن يزعم الإصلاحيون من الدرجة الثانية أن إرث مالكوم إكس ملكهم.

لكن أي شخص يستمع إلى خطابات أو يقرأ كتابات 

مالكوم إكس ألا يشك حيال توجهاته التي يمكن تلخصيها في خطاب «صناديق الاقتراع أو الرصاص» والذي ألقاه في 3 من أبريل عام 1964 في كليفلاند وقال فيه:

لا، لست أمريكيا. أنا واحد من 22 مليون أسود ضحايا للأمريكانية، واحد من 22 مليون أسود ضحايا للديمقراطية، والتي ليست إلا نفاق مقنع. حسنا، أنا لا أقف هنا لأتحدث لكم كأمريكي أو وطني أو محيي للعلم أو ملوح للعلم، لا أنا لست كذلك. أحدثكم كضحية للنظام الأمريكي، وأنا أنظر لأمريكا من عيون الضحية، لا أرى أي حلم أمريكي، إنني أرى كابوسًا أمريكًا.

مالكوم لو كان حيًا. لقد اعتنق أفكارًا وضعته بشكل صريح على يسار الحركة القومية السوداء. إن عداءه للنظام والحزبين الرأسماليين والتزامه بإنهاء العنصرية وهويته المناهضة للإمبريالية، جميعها أشياء عبرت عن مساهمة ضخمة للسياسات الراديكالية.

يستحيل توقع الكيفية التي تطورت بها سياسات 

.

.

ﺑﻮﺭﻛﻴﻨﺎ ﻓﺎﺳﻮ : تصفية 80 ﺇﺭﻫﺎﺑﻴﺎ ﻓﻲ بلدة أربيندا

ﺑﻮﺭﻛﻴﻨﺎ ﻓﺎﺳﻮ : تصفية 80 ﺇﺭﻫﺎﺑﻴﺎ ﻓﻲ بلدة أربيندا.

ﺃﻋﻠﻨﺖ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ البوركينابية في بيان صادر اليوم الثلاثاء عن ﻣﻘﺘﻞ 80 إرهابيا ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗﻞ ﺑﻌﺪﻣﺎ ﺷﻦ ﻣﺴﻠﺤﻮﻥ اليوم هجوما على ﺑﻠﺪﺓ ﺃﺭﺑﻴﻨﺪﺍ ﺑﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﺳﻮﻡ.
وقد ﺗﻢ ﻣﺼﺎﺩﺭﺓ الأسلحة التي كانت بحوزتهم إضافة إلى ﺍﻟﻌﺸﺮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﺭﺍﺟﺎﺕ ﺍﻟﻨﺎﺭﻳﺔ التي كانوا يستقلونها، ﻭﺃﺿﺎﻑ البيان ﺃﻥ 7 ﺟﻨﻮﺩ ﻗﺘﻠﻮﺍ ﻭﺃﺻﻴﺐ ﺁﺧﺮﻭﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺣﺪﺍﺙ.

د/ أبكر آدم إسماعيل : ذاع الخبر وعم القرى والحضر

د/ابكر ادم إسماعيل


أبكر آدم إسماعيل





اشترك في: 25 نوفمبر 2005
مشاركات: 17


ارسل: الاحد يناير 08, 2006 8:20 am    موضوع الرسالة: إتحاد الكتاب الشاقية


ذاع الخبر وعم القرى والحضر 
في مركز عبد الكريم ميرغني إجتمع عدد من كتاب الداخل وتفاكروا حول «عودة» «إتحاد الكتاب السودانيين» 
في الصور كان في كمال الجزولي والياس فتح الرحمن – وربما آخرين – من الناس الكانوا في اللجنة التنفيذية للإتحاد المغتصب. 
ولإنو رئيس الإتحاد ونائبه: علي المك وعبد الهادي الصديق، أخذهما الرب إلى جواره، تم إختيار البرفسير يوسف فضل وتاج السر الحسن ليمثلا الرئيس ونائبه علي التوالي. 
كما ورد في الكلمة التي ألقاها كمال الجزولي بعض الإشارات التاريخية المتعلقة بتكوين الإتحاد. 
رد أخونا عبد اللطيف علي الفكي مصوبا بعض المعلومات 
ونشر الصادق الرضي الكلمة التي ألقاها كمال الجزولي 
تداخل الكثيرين (طبعا ناس العربي حيقول ليك الكثيرون) معبيرين (دي زي كثيرون) عن فرحتهم بعودة هذا الجسم/الكيان. 
أها وبعدين؟ 
بعدين كنت بتكلم في التلفون مع صديقي محسن طه – الكاتب المقيم في مونتريال، وجاء ذكر إتحاد الكتاب السودانيين وتنصيب «الشابين» يوسف فضل وتاج السر الحسن الشاقيين المشلخين في المناصب المذكورة، فعلق صديقي ساخراً بأن ناس الكتاب الأسود مفروض يضيفوا الإتنين ديل لـ«اللستة» بتاعتهم. وحصلت فذلكات حول الموضوع: إشمعني يعني الشاقية ديل؟ مفيش كتاب تانيين؟ أيوة، ممكن يكون مفيش. لكن يا ربي مفيش ليه؟ لا، في: في فرنسيس دينق وإبراهيم إسحق مثلا. بس ديل مفيش واحد فيهم قاعد في السودان عشان يتنصّب، دة إذا الجماعة فكروا فيهم من أصله – من باب الموازنة أو الترميز التضليلي الموجود ضمن تكنيكات الترميزات المستعملة في «التحركات الجمعية السودانية» – عشان صفة قومية يعني. طيب. لا دينق لا إسحق متواجدين، نعمل ليكم شنو؟ طيب ليه ما يتوفر إلا الجماعة الشاقية ديل؟ شنو يعني البخلي بس الجماعة ديل بس هم المتوفرين؟ وليه مفيش حد سأل نفسه أسئلة زي دي؟ 
يسألوها كيف ياخي، ما الشغلانة فيها سيستيمات وبنيات تاريخية كمان ومربوطة بـ«الهوية» السايدة/المسيّدة في البلد. شوف حتى ناس الحداثة زي ناس الخواض وعبد اللطيف لما فكروا في «إتحاد الكتاب السودانيين» قاموا إستناروا بتجارب الكتاب العرب «الفلسطينين» و«المغاربة»، وما ذكروا لينا سيرة إتحادات أفريقية أو عالمية – أنا شخصيا ما عندي علم بإتحادات من النوع الأخير دة لكن أكيد هي موجودة (بالعقل كدة)، طيب ليه ما نكون عارفين إنها موجودة ولا غير موجودة بينما نكون حافظين صم عُدلائها الفلسطينيين والمغاربة!؟ إشمعني يعني؟ هسي القصة دي لو عايزين نكون جادين مع الفقرات المكتوبة في دستور الإتحاد إياه البتشير لـ«أفريقيا» و«العالم» – زي الإشارات البتتخت في موجهات سياسات الدولة «السودانية» ذاتا ديكتاتورية كانت أم ديمقراطية – مش مفروض نكون عارفنها زي معرفتنا بالشغلانات العربية دي؟ مجرد معرفة بس! لكن فلنقول إنو العبد لله جاهل فحسب، وكمان صاحبه، وعلي هذا الأساس لا يحق للجاهل أن يحاسب اصحاب العلم بما لم يعلم، طيب، إشمعني يعني إتحاد الكتاب السودانيين (بالله ركزوا معانا في الكلمة الأخيرة دي) كان جل عمله «مكرس» في الإطار العربي: محمود درويش، أدونيس، الأبنودي، أحمد عبد المعطي حجازي، مظفر النواب، وآخرين، ثم بعد داك جاء بند «إفريقيا» و«والعالم»، الإتنين الكبار ديل، ليأخذا ما يقل عن خمس (على أعلي تقدير) ما نالته «العروبة». طيب هسي الفرق بين توجهات وممارسات الإتحاد دة وتوجهات وممارسات الدولة في المجال الثقافي شنو؟ والفرق شنو بين إكليشيهات الإتحاد دة العملية وإكليشيهات عمر الجزلي الما بفكر لامن يقولها في الإذاعة والتلفزيون «أمتنا العربية والإسلامية»؟ وكمان ما ننسى إنو الكلام دة حصل في زمن الدمقراطية. غايتو «إتحاد الكتاب الشاقية» دة لو يعني «إطوّر» ورجع لأصله (رغم التناقض الظاهري في رجع دي) حيبقى شنو؟ «إتحاد الكتاب الإسلاموعروبيين»؟ طيب إحنا دخلنا شنو؟ سر أناي؟ إستيلا قاتيانو؟ أبكر آدم إسماعيل؟ يعني شنو؟ خلاص يعني الشغلانة بقت «قومية»؟ قومية منو وقومية شنو؟ ولا بقت «سودانية»؟ سودانية ناس منو؟ ولا المحتوى/المضمون حاجات ثانوية في الحالة دي؟ أم أن قانون الأمر الواقع «العادل» و«المقنع» هو إنو «الأقلية» مفروض تخضع لـ«الأغلبية» – على الأقل على مستوى الظرف؟ يعني مفيش ميتافيزيقيا تخلينا نسأل إنو ليه الأغلبية دي بقت أغلبية والأقلية بقت أقلية؟. أها؟ الأغلبية دي بتمثل كم من الكائنات المضمّنة في «السوداني» دي؟ والأقلية دي بتمثل كم برضو في «السوداني» دي؟ 
ممكن القصة تكون ما قصة كم. والكاتب ممكن يكون نوع ما يتصنف بـ«الأسس» الكمية المفترضة في التصنيف إياه، باعتباره كيان قابل للتجريد أو التعالي Transendent. لكن برضو إشمعني يعني الأخرين ديل مش قادرين يكونوا كتاب (نرجع للكم من الشباك) وبالتالي ما عندهم بطاقة الإستثناءات والتجريد والتعالي دي بما يوازي كمّهم (الداخل من الشباك دة) عشان يخُشُّوا الإتحاد ويقدروا يوازنوا مصالحهم (أو قول رؤاهم بالبارد) في الأطر المجردة/المتعالية/الـ.. إلخ. ولما المسألة ممكن تكون بتتحسم «بدون حساسيات» عبر الديمقراطية، العليها بـ«الكائن» الموجود، اللي هو في الحالة دي، رضينا أم أبينا ببقى الكائن المعياري، بكونه نتاج علاقات الـdomination/subordination 
يبقى كيف يعني ناس قريعتي راحت ديل يعملوا ليهم وزن إستثنائي/قابل للتجريد في ظل وضعية الـdomination/subordination كيف؟الواقع الأنا عارفه بقول إنو قدامهم حل واحد – أنا غايتو ما عارف حلول أخرى – إنهم يجتازوا كل الـStructural barriers البتأسس ليها الدولة بجلالة قدرها، البتنتج غلبة ناس كمال ويوسف وتاج السر، عشان ينضموا للنادي دة، وطبعا واضح إنو في ناس لا مكتوب عليهم يجتازوا عقبات ولا يحزنون، ولو المسألة إستمرت بالمنطق دة، طوالي حنلقى ناس كمال الجزولي الصغير ويوسف فضل الصغير وتاج السر الحسن الصغير وآحفادهم وآحفاد أحفادهم ممشين «حالهم» – حالهم دي ممكن تعادل «رؤيتهم للعالم» – في الجسم دة إلى أن يأذن الرب بمشيئة أخرى. ممكن يكون العبد لله Cynical. فليه ما يقوموا ناس كمال ويوسف والحسن الصغير ديل يتطوروا ويمتلكوا رؤية تخليهم ينتبهوا للضيزى القائمة في الأمر، طيب لحدي الوكت داك ناس قريعتي راحت يسووا شنو؟ وتحت قريعتم دي حتفنى كم «هامش» وكم «هامشة» صغيرة؟ وديل زكاة ولا شنو؟ ولو زكاة، الأجر ببقى بتاع مين يا ربي؟ ثم إنو القصة دي من أساسها مش فيها عدم مساواة بين كائنات يتم التعامل – زيفاً – علي أساس أنها متساوية؟ ولامن أنا أقعد أنتظرك لحدي ما إنت «تتطور» عشان تديني فرقة في الأفق الجابك وتسوي لينا أفق سوا، أبقى أنا كاتب في شنو؟ ولو قلت لي (رمزياً، رمزيا دي بمنطق الـsubtilty) أنا سيدك هسي أدافع عن نفسي كيف؟ والمقولات بتاعة بيير بورديو بتاعة رأس المال الرمزي أحاججها كيف؟ 

بردعة: 
يراعي إتحاد الكتاب «السودانيين» في توزيعه لفرص التلاقي مع «الآخر»، الآخر دي تعني – في عرفنا – أي حاجة ما داخلة في «السوداني» دي بحرفية المعني، بالتساوي أو قول التكافؤ، واحد عربي، واحد إفريقي، وواحد عالمي. جبنا كاظم جهاد، مفيش مشكلة في الترتيب، بعديه ندي الفرصة لـ«شنوا أشيبي»، جبنا أشيبي، بعديه ندي الفرصة لرسول حمزاتوف، وهكذا تدور الدوائر. 
أما كاظم جهاد، درويش، أدونيس، حجازي أبنودي، ثم تسي تسي دامقاريمقا (روائية من زمبابوي)، ثم بلة ثم عبدالله ثم فتح الله ثم جلال الدين، ثم نيبول، وهكذا دواليك: تلك إذا قسمة ضيزى. 
وبعدين؟ 

أبكر آدم إسماعيل

بشري الفاضل



ارسل: الثلاثاء يناير 10, 2006 2:13 pm    موضوع الرسالة: الأخ أبكر 
أولاً دعني أرحب بحضرك للمنبر. قرأت منذ فترة روايتك الضفة الأخرى سعدت بقرائتها ولدي أفكار دونتهاأرجو أن تتاح لي فرصة لمناقشتك فيها. 
في مداخلتك الحالية تجدني لا أتفق معك في الكثير من النقاط ودعني اولا اطالبك بأن تنظر في عبارة (الشابين) التي أوردتها بين قوسين في الإشارة للأستاذين يوسف فضل وتاج السر الحسن ألا تحس بان فيها غلظة؟ 
وماذا تقصد بالشاقية هل هي كلمة من قبلك للتهكم على الشايقية؟ وماذنب الشايقية فيما يخص هذين الاستاذين الذين لاينتميان للشايقية .الشلوخ التي هي أصلاً افريقية تشير إلى انهما من قبائل أخرى أعتقد ان الاستاذين المذكورين نسياها. 
أحس بحرقة شديدة في حديثك عن عودة إتحاد الكتاب . 
كنت في سفر لشمال السودان أثناء إجازتي السنوية حيث اهلي حين عدت ووجدت أن ذلك الاجتماع تم بغيابي والذين حضروا كانوا غددا من الكتاب وهذا لم يكن جمعية عمومية فيما علمنا لاحقاً حين دعانا كمال الجزولي لمنزله العامر شخصي وفضيلي جماع وطلال والياس ومجموعة أخرى من الشباب. 
حقيقة لو كان فرانسيس دينق أو ابراهيم اسحاق موجودين في السودان ولم تتم دعوتهما أو إدخالهما في مواقع متنفذة باللجنة الحالية التي هي فيما بدا لي لجنة تسيير لحين إنعقاد الجمعية العمومية لقلنا ان معك حق. لكن هذا مالدينا من أشخاص لم يذهبوا للجانب الآخر وأعني إتحاد الكتاب والأدباء الذي تشكل مواكباً لمشروع الخرطوم عاصمة الثقافة. تحدثت عن الأغلبية السودانية التي لها أقلية كتاب وأتمنى ان تتم مناقشة هذه النقطة الهامة بموضوعية أكثر بمناقشة غضوية المنبر وإسهاماتهم وحبذا لو تلقينا ردوداص من الآخرين. 
لا أعتقد ان كاتباً مثل كمال الجزولي يمثل العروبيين الإسلاميين مهما حاول البعض ان يدمغه بهذه الصفة . هو كاتب سوداني فحسب. 
الصراع في إتحاد الكتاب بهذه الكيفية التي ظهرت في نقاشات الإنترنيت لا يروقني بحال ولا يشبه سريرات الكاتبين وعليه بيني وبين نفسي قلت إنني مستقبلاً سأكون عضواً فحسب في اتحاد الكتاب ممن سيجلسون في آخر المقاعدمهما تصارع المتصارعون لكنني في كل معركة سأقول ما أعتقد انه الحق..

الحسن بكري


ارسل: الثلاثاء يناير 10, 2006 7:35 pm    موضوع الرسالة: تحيات ومودة لأبكر ولبشرى، 

أظن أن فظائع الحرب، في الجنوب وفي بقاع السودان الأخرى، إضافة إلى سوء الإدارة السياسية والإقتصادية في المركز تقترب من أن تتحول إلى مسئولية إخلاقية تخص قطاع سكان الوسط والشمال. أعتقد أنه فيما يخصني، وربما فيما يخص كثيرين ممن تداولوا مفردة “عربسلامية”، فإن المصطلح يتعلق بالتحديد بآيديلوجيا بعينها ولا يتعلق بأقوام بعينهم. في هذا “الخيط” الذي إبتدره دكتور أبكر، يبدو كما لو أنه، أى أبكر، يمضي في اتجاه أدجلة القبيلة، والعشيرة أو المجموعة العرقية في أفضل الأحوال. من قبيل إهتمامي بمصيري كمواطن من الشمال، وجدتني أتساءل إن كانت ردوود الفعل الإثنية المحمومة التي تمثلها وجهات نظر كهذه يمكن موازاتها بالتشدد القومي الذي تتبناه تيارات اليمين بمختلف أشكالها وخلفياتها، عندنا في العالم الثالث أو في أوروبا – نموذج لوبان في فرنسا مثلاً – لا تخفى عليّ طبعا مفارقة ارتكاز الأدلجة عند أبكر على مبررات تختص بحقوق الأقليات، كما يشير هنا.  

إن لم يكن منطقيا ل”شاقي” علماني وشاعر تقدمي التصدي لنيابة رئاسة إتحاد كتاب بائس، ومشرد، إذن أين يجد هذا الشايقي، الذي ما عاد أصلا يعبأ بأصوله الإثنية، كما أشار بشرى، موضعا له في خريطة الأدلجة “العرقية” التي يتبناها أبكر؟ مؤسف أيضا أن يتم تنميط الإبداع الإنساني على نحو “قوموي” وتتم معايرته على ضوء ممحاكات الهوية الناشبة الآن. 

مودتي

عادل عثمان

ارسل: الاربعاء يناير 11, 2006 7:19 pm    موضوع الرسالة: أبكر ادم إسماعيل 
يفكر 
بصوت 
عالى.. 
مونولوج ابكر ادم اسماعيل مثير للتأمل intriguing. 
و 
جميل أن يتحول هذا المونولوج الى ديالوج، وترايالوج، وصخب.. صخب الاسئلة المقلقة.. الاسئلة التى تهز المرء بعنف كى يصحو من هناءات اوهام الوطن السعيد، الواحد، المتحد. 

لا ننسى أن إتحاد الكتاب، منظمة اهلية طوعية. ينتمى اليها الناس المشتغلين بالكتابة. الناس الذين يكتبون بالعربية، وبغيرها من اللغات. 
إتحاد الكتاب ليس دولة.. وليس مؤسسة تابعة للدولة.. صحيح الدولة السودانية الحالية فيها غلط هيكلى، وتاريخى، مما أدى الى نشوء هذه الاوضاع الاقتصادية والسياسية التى يسميها بعض الاكاديميين وبعض الساسة صراع الهامش والمركز. 
ولكن من المسئول عن هذه الاوضاع؟ 
من؟ 
وهل كونى انا عادل، على سبيل المثال، من المستفيدين من هذه الاوضاع بالوجود فى مكان فيه روضة ومدرسة ابتدائية ومتوسطة وثانوية وجامعة ومستشفى ومكتبة ودار رياضة وسينما، علىّ تحمل مسئولية المظالم والجرائم الراهنة والتاريخية؟ 
هل انا مسئول عن غياب العدل فى توزيع السلطة والثروة؟ 
وهل الوعى الذى اكتسبته فى حياتى والذى حملنى على رفع صوتى ضد الظلم والاقصاء والتهميش والاستغلال، لا يمنحنى شرف ان اضع يدى فى يد من عانوا تاريخيآ من هذا الظلم، ومن التكوين التاريخى للدولة السودانية؟
_________________
There are no people who are quite so vulgar as the over-refined. 
Mark Twain

د/ابكر ادم إسماعيل

رسل: الاربعاء يناير 11, 2006 10:19 pm    موضوع الرسالة: إتحاد الكتاب الشاقية
بشرى الفاضل والحسن بكري 
تحياتي، وكل سنة وأنتم بخير 
وشكرا يا أصدقائي على افتتاح المفاكرات 

——————————– 
مدخل عمومي: 
الثيمة الأساسية لهذا البوست هي محاولة مناقشة «التفاوتات الإجتماعية» social inequalities من خلال معاينة توجهات وأداء جسم – «ما ساهل» – ذو طبيعة جمعة في تحركاته في حلبة الصراع. 
الطريقة التي تم بها الطرح هي محاولة لنقل مضمون وموود (mood) نقاش عفوي تم بين كاتبين لهما اختلافهما مع توجهات «إتحاد الكتاب السودانيين» وهي هكذا محاولة للمكاشفة. 
نقاط الإختلاف مع توجهات وأداء هذا الجسم المعني (زمان وهسي) هي أنه: 
معمّش عمريا أو جيلياً 
ومعمّش جندرياً 
ومعمّش هامشياً (نسبة لما نسميه بالهامش). 
وقد تم التركيز على النقطة الأخيرة لأنها تأتي في مقدمة أولوياتنا، إذ أنها تحوي في داخلها أعمار وآجيال وجندر محاصرين بأسيجة تاريخية وبنيوية. يترتب عليها سيادة توجهات معينه في حلبة الصراع في السودان. 
أتمنى أن تكون المسألة قد زادت وضوحا، ولو قليلا. 
—————————————— 
أوكي، 
نجي لمداخلة الصديق بشري الفاضل 
«الشابين» – الغلظة 
أيوة الكلمة دي، ومن خلال ما تحمله من سخرية يمكن أن يكون فيها غلظة لو انحصرت سخريتها في الشخصين، ولكن الحقيقة هي أنها في الأساس سخرية من توجهات وأداء الجسم الذي قام بالتنصيب، لاحظ إنو واقعة اختيار هذين الشخصين (الموصوفين بالشاقيين المشلخين) كانت تماشيا مع الـ common sense – المعمّش عمريا/جيليا، جندريا، إثنيا، ومن قولة تيت في الجولة الثانية «العودة». يعني الجسم دة من محاولتو الأولي في إعادة تكوينو واقع في نفس الـ track بتاع الأبوية/سلطة الكبير/وما شاكل ذلك. 

هل هي محاولة للتهكم من الشاقية؟ 
no, you missed my point. 
إنها محاولة للإشارة – بوضوح – إلي ممارسة الجسم محل النقاش وعمشه تجاه التفاوتات الإجتماعية التاريخية/البنيوية ذات الطبيعة الإثنية. 
أما كون الأستاذين «نسياها»، أي القبيلة، فهي لم تنساهما. (حنجي لقصة القبايل دي ودورها الإيديولوجي لاحقا). 

فرانسيس وإسحق من باب المثل: 
here also you missed my point 
يا صديقي، جوهر محاججتي مش في مسألة دعوتهم من عدمها، وإنما ليه من أصله مفيش جماعة زيهم موجودين، وأنا برمي للإشكالات التاريخية البتخلق «أمر واقع» إنو حتي بمنطق وجد ولم يوجد، في تفضيل social privilegeلجهات معينة، في حلبة صراع بخليها تكون متوفرة دون الآخرين، وفي نفس الوكت بتم التعامل مع القضية دي كأنها مسألة عادية وبتم تمرير توجهات من خلال هذه الوضعية. ودي واحدة من مدخلات إنتاج علاقات الـdomination/subordination – رضينا أم أبينا – وإن كانت على خفية من أمرها (subtle). 

كمال الجزولي – الكرم والإسلاموعروبية: 
كرم كمال الجزولي دة أنا ما عندي فيهو أي شك. ولو قدر لي الذهاب إلى البلاد حأجتهد لأن يكون من أوائل الناس الحأسعى للقائهم، لكن دي مش القضية، القضية هي توجهاته الإيديولوجية البتكشف عنها أطروحاته. 
وكونه كمال الجزولي لا «يمثل» من أسميههم بالإسلاموعروبيين، فليس في ذلك حجة، فكمال الجزولي – بكل تأكيد – يمثل نفسه، وفي نفسه هكذا هو في تصنيفي كاتب إسلاموعروبي، يسلم بالإطار الإيديلوجي الأشمل (الإسلاموعروبية كأساس لإعادة إنتاج الآخرين) وإنت اختلفت تكتيكاته مع تكتيكات آخرين ضمن هذا الفضاء الإيديولوجي ويتجلى ذلك في موقفه المتمترس حول المغالطة في مقولة «الإقصاء المضاد» وعلى حسب رواية يحيى فضل الله عنه: «إستعلاء الهامش». وكونك تصفه بأنه “كاتب سوداني فحسب” دة ما بحل المشكلة، المسألة بتبقى زي لما يحاججك بعض الناس بمقولة «كلكم لآدم وأدم من تراب» أو مقولة «سواسية كأسنان المشط» في الفضاءات المصاحبة ليها. وعلي هذا الأساس، فوجهة نظري هي إنو دي مقولة مضللة، فلا أنا ولا أنت ولا كمال الجزولي «كاتب سوداني فحسب»، فلكل توجهاته في حلبة الصراع. 


نجي لمداخلة الأخ الصديق الحسن بكرى 
كدة نعاين لحاجتين متعلقات بمداخلته: 
أدلجة القبيلة. 
وتقدمية الكاتب. 
ونربط الكلام دة بدور الأفضلية (social privilege) على ضوء علاقات الـdomination/subordiantiuon وآثارها الخفية على عموم الناس، المممتدة تاريخيا. 

هل القبيلة في السودان كائن غير أيديولوجي حتي يستقيم لـ«أبكر آدم إسماعيل» أن يكون في طليعة المؤدلجين لها؟ 

أجابتي هي أن القبيلة مؤدلجة من زمان، بل هي من «أخطر» الكائنات الإيديولوجية في السودان – يا صديقي الحسن، وحتى لو نسيها الكاتب، بتعبير بشرى الفاضل، فهي لم تنسه، بل وتتداخل ولو بشكل خفي في تحديد موقعه أو خدمة توجهاته في حلبة الصراع، وإن كان ذلك عبر ما هو رمزي. يا صديقي الحسن، السودان دة فيهو tribal heirarchy يعتلي قمته الجعليين والشاقية، أما قاعدته وين دي أنا ما قادر أحددها بالضبط، والمسألة دي العقل الجمعي في السودان بعبر عنها بوضوح، ولو في شاكلة النكات التي تحكى عن «جعلتي» بتاعة الإريتري، و «الـ T- Silent» بتاعة الفلاتي، ومفيش heirarchy في الدنيا دي بتعمل بدون إيديولوجيا. 

الكاتب التقدمي والقبيلة المؤدلجة: 
القضية محل الاختلاف – يا صديقي الحسن – مش في منطقية أو حق “شاقي علماني التصدي لنيابة رئاسة إتحاد كتاب” فدي مسألة بديهية بالنسبة لي، وإنما القضية في الطريقة التي يقوم بها الجسم المسمى «إتحاد الكتاب السودانيين» في توزيع الفرص من خلال قاعدة الـCommon sense – وإنت عارف إنو مفيش كمون سنس بخلق نفسه بنفسة خارج إطار الإيديولوجيا – وما يشكل هذا الأساس وما يترتب عليه من توزيع من معاني ولو رمزية تجافي مبدأ التكافؤ وترتبط – في نفس الوقت – بإشكالات الصراع في السودان: تقدم هذا وتؤخر ذاك إستنادا علي واقع يجعل من هذا الـ”شاقي علماني” هو الأكثر توفرا دون غيره من الكائنات، والتعامل مع القضية دي وكأنها «طبيعية» وما يترتب علي هذا النوع من الأحكام من نتائج تخدم بنية قائمة وممتدة تاريخيا. ودة الممكن يكون جاب التعليق الساخر لصديقي ونصيحته لناس الكتاب الأسود بإضافة الإسمين ديل لـ«اللستة» بتاعتهم. 

تاني، وللتذكير: جوهر القضية بنالسبة لي هي توجهات «إتحاد الكتاب السودانيين» – بكل تقدمييه – المتحيزة عروبيا في وضعية بقت ما بتقبل كلامات زي دي – على الأقل على مستوى ما أنا متأكد منه، وهو موقفنا: صديقي وأنا. 

وأختم هذه المداخلة بقولي لبشري الفاضل: بالعكس، الحقيقة أنا أكتب عن هذا الموضوع بدافع العشم، ولإحساسي بأهمية هذا الجسم وقربه مني دون سائر سائر الأجسام الأخري في السودان، وأرجو يتقبل أعضاءه نقدنا لتوجهاته وطرائق أدائه، من البداية، لكي لا يكون «إتحاد الكتاب السودانيين» مجرد social agency لتسليك التوجهات السائدة في الدولة السودانية المتحيزة إثنيا وثقافيا (مع إنو إثنيا دي من وجهة نظر الأنثروبولوجيا بتشمل «ثقافيا» لكننا مضطرين للفصل على سبيل التوكيد ومنع الإلتباس). 

أها وبعدين؟ 

أبكر آدم سماعيل
الأخ الصديق عادل عثمان 
تحياتي الطيبات 
صادف في آن إني بكتب وأعمل بوست لمفاكراتي مع الصديقين بشرى الفاضل والحسن بكري أن جاءت مداخلتك – وأشكرك مقدما على اهتمامك، وسنعود، لاحقا لمفاكرات ممتدة. وأرجو أن تجد في مفاكرتي للصديقين المذكورين بعض من الإجابات إلى حين «عودة». 

——————————- 
أبكر آدم إسماعيل

عصام جبرالله


ارسل: الاربعاء يناير 11, 2006 10:34 pm    موضوع الرسالة: 


مرحب بالمفاكرة و الاسئلة المثيرة لاسئلة تانية 
اتمنى نمرق من الحوارات المازومة و الخندقة
_________________
Some people think they are thinking, while 
they are merely rearranging their prejudices


صلاح شعيب

ارسل: الخميس يناير 12, 2006 6:44 pm    موضوع الرسالة
الصديق أبكر 

فهمت مداخلتك جيداً منذ بدايتها وقرأتها وفي ذهني المنجز الذي إشتغلته علي مستوي التعبير عن صوت الهامش في فضاءات أثيرية أخري ولا زلت أراك تجدف في هذا البحر الداخلي اللجي والمملح بأنهار فرعية إقليمية ودولتية… كوني أقرأك هنا..إذن أنا ملتبس بالضرورة بقراءات ذلك المنجز, وإلا سيكون حديثي بناءً علي ماقاله الدكتور بشري وأستاذنا الحسن.. طبعاً لدينا خلافات جوهرية أنا وأنت حول مراءة المركز القريب أو البعيد وربما بدا ذلك من خلال تواجدنا في القاهرة ونشرنا جزء من ذلك الخلاف في مجلة كتابات سودانية.. أنت تنظر للمركز بوصفه ترميزاً قبائلياً أو بالاحق أن تراه (دوغما) عربسلاموية متأدلجة بالضرورة , وأنا أنظر للمركز علي أنه مراكز ,السلطوي فيها يغطي علي نضالات المراكز الاخري ولايتواني في قمعها, الرصيد السلطوي للمركز إنما هو يقوم علي بناءات من الهامش..وكان رموز الهامش أصلاء في رفد المركز..الدكتورين يوسف فضل وتاج السر أبناء هامش جهوي ..وأبناء هامش ثقافي وسياسي, إذا كانا تاريخيا يعبران في فكرهما ودراساتهما (ومشاويرهما) عن (عربسلاموية) فتلك قناعاتهما وأحرار بولادة امهاتهما, ولعلنا نقتل إمكانية الاختلاف إذا ظننا أن الانتماء للعربسلاموية جريمة أو سبة أو كذا..في حالة يوسف فضل وتاجر السر إنني أفضلهما لو كانا يسهمان إدارياً بأفضل من عالم عباس أو النور عثمان أبكر أو فرانسيس دينق.. بهذه الدرجة تجدني أقرب إلي مصطفي سيد أحمد (الشايقي )من عمر إحساس أو عبدالقادر سالم, وإما لو كان هذا الاتحاد ليس مهنياً وإنما هو (منظومة حيكومة) يجوز أولا البحث عن جهة قبيلة رئيسه أو نائبه أو الناس التحت البمسكو الارضي, ففي هذه الحالة أنا معك في كل ما ذكرت هادفاً الدفاع عن الهامش.. 
أذا كنت تري أن هناك سطوة لأثنيات شايقية وجعلوية في قمة الجهاز الاداري والتوظيفي للسلطة لإذاك أمر لاخلاف حوله.. يا أخي اولاد الغرب الان يسيطرون علي لجنة اتحاد الفنانين ليس بسبب لانهم من الغرب وإنما لان، أغلبية الاتحاد أعادت إنتخابهم ووصل الامر بقاعدة الجمعية العمومية لترجية عبدالقادر سالم للترشيح للرئاسة ولكنه رفضها. 
ثم ماهي المشكلة ياصديقي أبكر في عربسلاموية الجزولي إذا كانت صحيحة.. .؟..في ظني إنك تزج به زجاً في هذا الامر.. كمال من أنبل وأرفع الكتاب السودانيين وعياً وموقفاً..ولم أر مايشين لوبقي إسلاموياً أو عربسلاموياً طالما أننا لانستطيع أن نجرمه أوندينه لمجرد أنه يضع تصوراته عن الدين أو العروبة..ثم هل نحن بالضرورة سواء كنا أنتلجنسية يسار أو معارضة ياأبكر أنقي في مواقفنا الحياتية من (العربسلامويين) أمثال محمود محمد طه أوالشيخ الفاتح قريب الله أو البرعي أوالشيخ الصابونابي.. 
أخشي يا أبكر أن تجرفنا مظالم الهامش وبالتالي نجوس في مثل هذه الاتحادات الاهلية باحثين عن شخص القبيلة قبل شخص الكفاءة..هذا طريق يقود إلي ما إنتهت إليه (الجبهة) التي صنفت الناس إلي جبهجية وغير جبهجية وعزلتهم عن المرافق العامة وبقي السودان , عليه, قطر الفساد الاول عربياً..

مصطفي مدثر

ارسل: الخميس يناير 12, 2006 8:32 pm    موضوع الرسالة: 
سلام يا أستاذ أبكر 
سلام يا أساتذة كلكم 
حزنت جدا يا أبكر لكلماتك كلها في هذا الصدد وبخاصة الأجزاء التي 
تقدح في رؤية ( من؟ ) من غير المصنفين قبليا في قوي الهامش من نوع: 
إقتباس: 
” ولامن أنا أقعد أنتظرك لحدي ما إنت «تتطور» عشان تديني فرقة 
في الأفق الجابك وتسوي لينا أفق سوا، أبقى أنا كاتب في شنو؟” 

تأمل أقعد أنتظرك و ما فيها من تعالي وليس تجاوز (أراك ترجمت تجاوز 
الانجليزية إلى تعالي وأعتقد أنك أخطأت في ذلك) 
يعني نسوي شنو أنحنا الما من الهامش أكثر من أن نعترف بالظلم وبالتعددية وبأهمية 
الديمقراطية؟ دا كله ما تطوٌر يخليك تقعد تكتب كتابتك وانت مطمئن 
أو على الأقل متقائل بسبب وجيه؟ 
أو كلماتك من نوع: 
إقتباس: 
” ولو قلت لي (رمزياً، رمزيا دي بمنطق الـsubtilty) أنا سيدك هسي أدافع عن نفسي كيف؟ ” 

حزنت لغياب الSubtility 
التي تتحدث أنت عنها في نفس موضع نقضك لها وأنت تملك الحساسية 
الكافية روائي. 
أو كتابتك من نوع: 
إقتباس: 
” الآخر دي تعني – في عرفنا – أي حاجة ما داخلة في «السوداني» دي بحرفية المعني،” 

إلخ…كلامك. 
فحرفية المعنى التي أفهمها من عبارتك أعلاه تحيلني لمفهوم إستعلاء الهامش. أتأمله 
مستعيدا النقاط الصحيحة المتعلقة به التي أوردها المتداخلون قبلي. 
وأتمنى أن لا أتبناه يوما. 
وأخيرا أدهشني جدا كلامك في كمال الجزولي. فالرجل علماني وأعلن ذلك 
في مقالاته الأخيرة و بوضوح وفي غيرها. وغير ذلك أعرف أنا علمانية كمال تماما 
وهي زي علمانيتي أنا ذاتي التي يمكن أن يشرحها لك الصديق يحيى فضل الله 
وهي ليست رؤية تكتيكية وإنما رؤية للعالم تبذل دونها المهج وليست تمشية 
حال كما وصفتها أنت. 
ولك الود و سأعود 
مصطفى مدثر

د/ابكر ادم إسماعيل

ارسل: الجمعة يناير 13, 2006 9:41 pm    موضوع الرسالة: 


أخواني وأصدقائي: عادل عثمان، مصطفي مدثر، وصلاح شعيب: 
صباحاتكم أو مساءاتكم خير – حسب تواقيت البلاد التي أنتم فيها. 
منظمات أهلية – دولة 
أنا طبعا عارف – يا صديقي عادل عثمان – إنو إتحاد الكتاب السودانيين دة “منظمة طوعية أهلية” على حد تعبيرك. لكن يا صديقي لو حاولنا نعمل من الكلام دة حجة بنكون فقط بنهرب من جوهر المسألة عبر بوابة الإجراءات (escape through technicalities). بل كونه الإتحاد دة منظمة طوعية أهلية لكائنات مستنيرة جدا دة في تقديري بلقي عليهو قدر إضافي من المسئولية. كيف الكلام دة!؟ أيوة لأنك مستنير وتقوم طائع مختار تمشي في إتجاهات وتمارس ممارسات مشابهة أو مماثلة لتوجهات وممارسات الدولة (المافي خلاف حول أسسها القمعية). 

اقتباس:

وهل كونى انا عادل، على سبيل المثال، من المستفيدين من هذه الاوضاع بالوجود فى مكان فيه روضة ومدرسة ابتدائية ومتوسطة وثانوية وجامعة ومستشفى ومكتبة ودار رياضة وسينما، علىّ تحمل مسئولية المظالم والجرائم الراهنة والتاريخية؟ 
هل انا مسئول عن غياب العدل فى توزيع السلطة والثروة؟ 


يا صديقي، في ناس كتار في الدنيا الوسيعة دي ممكن يحاججوك بالطريقة دي، ممكن فلاح بريطاني أو هيومانيست فرنسي يقول ليك نفس الكلام عن علاقات الـdomination/subordination القائمة بينهم وبينا. لكن الفارق إنو هم عندهم مفكرين أمينين زي ناس جان بول سارتر بقولوا ليهم زي الكلام الفي اللينك أدناه: 

http://www.marxists.org/reference/archive/sartre/1961/preface.htm 
وإجابتي أنا على كلامك: نعم مسئول إذا كنت بتعتقد إنك مش مسئول. 

اقتباس:

وهل الوعى الذى اكتسبته فى حياتى والذى حملنى على رفع صوتى ضد الظلم والاقصاء والتهميش والاستغلال، لا يمنحنى شرف ان اضع يدى فى يد من عانوا تاريخيآ من هذا الظلم، ومن التكوين التاريخى للدولة السودانية؟ 


الكلام دة عنده علاقة بالجزء المتعلق بمداخلة أخونا مصطفى مدثر أدناه (سلامات يا صديق مصطفى مدثر): 
اقتباس:

يعني نسوي شنو أنحنا الما من الهامش أكثر من أن نعترف بالظلم وبالتعددية وبأهمية 
الديمقراطية؟ دا كله ما تطوٌر يخليك تقعد تكتب كتابتك وانت مطمئن 


ليكم الشرف طبعا بقدر وعيكم ومواقفكم، لكن برضو دة ما بخليني أقعد أكتب كتابتي مطمئن بدون ما أسائل توجهات وأداء/ممارسات «إتحاد الكتاب السودانيين» الكرست، وما يزال الإحتمال قائما في أن تكرّس للتوجهات العروبية (بنسميها نحن الإسلاموعروبية) في السودان بالرغم من استنارة وعلمانية وتقدمية الكثيرين من الكتاب. 
ومنو القال إنو مجرد إني كاتب علماني أو تقدمي دي بتبرئني من التوجهات الإسلاموعروبية في حلبة الصراع في السودان؟ طيب، ما في علمانيين وتقدميين إسلاموعروبيين؟ وناس البعث والناصرية ديل – كأمثلة واضحة وضوح الشمس – نوديهم وين يا جماعة؟؟ 
ماركسيين؟ ليبراليين؟ حداثيين؟ أكاديميين؟ محايدين؟ 
طيب معمّشين (أو ساكتين أو بتتحايلوا) ليه تجاه أهم الأسسس الإتبنت عليها علاقات الـdomination/subordiantion في السودان؟ أنا طبعا عندي كلام في الحتة دي حأقوله لاحقا، بس فكروا معانا يا جماعة. 

الإسلاموعروبي الجاي من الهامش – صلاح شعيب نموذجا 

الأخ الصديق صلاح شعيب، تحياتي الطيبات 
ويا زول مع إنو كلامي دة ممكن يزّعل، بس طول بالك مع أخوك – وأظنك عارف إنو المسائل الفكرية ما بتجوز فيها المجاملات. 
مدخل: 
———————– 
زي ما في المركز ناس عندهم مواقف واضحة من الإسلاموعربية في السودان، اللي هي من أهم الأسس البتتبني عليها علاقات الـdomination/subordination زي ناس عبد الله بولا، صاحب “شجرة نسب الغول” وياسر عرمان، وجيل من الشباب الممكن يكون في ناس «هنا» ما سمعوا بيهم ويمكن يكون في ناس تانين أنا ما سمعت بيهم (على سبيل المثال)، وفي ناس تانيين، إثنيا وثقافيا، جايين من الهامش وبتبنوا الإيديلوجيا الإسلاموعروبية، زي صديقي صلاح شعيب. 
إنتهى المدخل 
——————— 
صلاح شعيب بفتكر (دة تأويلي أنا) إنو لو عينوني أنا (العبد الفقير: أبكر آدم إسماعيل) رئيس لإتحاد الكتاب، خلاص المشكلة إتحلت! ومفيش structural barriers، ومفيش ترميزات مضللة بتأدي في نهاية المطاف إلى خدمة الإيديلوجيا السائدة وتدعيم بنياتها بالسماح لها بالتمدد أكثر فأكثر، بنفس القدر الممكن يساهم فيهو «خروج» أفراد آخرين من داخل عباية الإسلاموعروبية في تدعيم المقاومة لخلق التوازن المطلوب. طيب الأخيرة دي مش ممكن تأدي لهيمنة مضادة أو إستعلاء مضاد؟ سؤال وجيه والله. والإجابة: ممكن طبعا، لكن دي زي إمكانية إنو تحرير المرأة يؤدي لأن يكون «للأنثى مثل حظ الذكرين». وأظنكم فاهمين مؤدي محاججتي دي. 
صديقي صلاح شعيب براهن على “مالو؟” 
مالو دي يا صلاح يا صديقي لمن نبقى كلنا تلاميذ في المدرسة، لكن لامن تكون القصة فيها ناظر المدرسة والمدرسين بتبقى الحكاية فيها مغالطة – ممكن تكون ما واضحة للكتيرين من الناس، لكنها مغالطة مهما حاولنا إخفاء ما تستبطنه – حتى لو ما كان في «تلاميذ» شوافين. 

ضرب الأمثلة – محمود محمد طه وآخرين: 
مفيش مشكلة يا صديقي شعيب ممكن أقنع ليك صديقي محسن طه يقوم ينصح ناس «الكتاب الأسود» يضيفوا الجماعة ديل لقائمة الإستثناءات التي تؤكد القاعدة، لكنه ممكن يديك لستة من مليون إسم مدجج/مدججة بالعتاد الإسلاموعروبي، وتروح حجتك شمار في مرقة. 
يا صلاح يا خوي، في زول هامش genuine بتباكى علي زنجبار – أكبر قاعدة «عربية إسلامية» لتصدير الرقيق الأفريقي يتم في مشارعها الكشف على أطياز الشفّع للتأكد خلوهم من الأمراض لرفع سعرهم كسلعة!؟ 
إنتو مصادر معرفتكم كتابات ناس حسن مكي ولا شنو؟ يا زول بجيب ليك مصادر تانية لو دايرها. 

ولسة يا جماعة عندنا كلامات كتيرة، بس طولوا بالكم معانا وساعدونا بالمفاكرات، ومفيش حساسية من جهتنا في أن يصفنا أي زول بالعرقية والجهوية والإثنية وأي حاجة من النوع دة. 

وما ننسى إنو الثيمة الأساسية لهذا البوست هي علاقات الـdomination/subordination وتجلياتها في توجهات وممارسات (الكانت والمحتملة) «إتحاد الكتاب السودانيين». 
———————– 
هامش: 
يا جماعة أنا فرحان إني قدرت أتغلب على صعوبات تكنيكية في إنجاز الإقتباسات بس لسة ما قادر علي تلوين الخط، بالله ساعدونا يا جماعة. اللون البتنزل بيهو مداخلاتي دة ما عاجبني. دي رغبة ما عندها أسس موضوعية، يعني حاجة subjective ساي. 
ثم معليش صديقي بشري الفاضل نسيت في مداخلتي السابقة أقول ليك أنا سعيد مقدما بملاحظاتك حول روايتي “الضفة الأخرى” أرجو أن تكتبها لكيما تضاف إلى ما أسماه أخونا عادل عبد العاطي – جزاه الله عني كل خير – بـ«مقاربات» في صفحتي في الإنترنت الموجودة في اللينك: 
http://abbakaradam.com/ 

أبكر آدم إسماعيل

صلاح شعيب

ارسل: السبت يناير 14, 2006 4:35 am    موضوع الرسالة: 
[[size=18]color=blue] 
الصديق أبكر 

لقد ضحكت كثيراً لكونك وضعتني نموذجاً هامشياً للعربسلاموية 
وياخي دي لا بتخوف ولابتكتل ولابتقنعني أنك صوبت( رشاشاً جيداً) لقمع الآخر بأدوات , كلما فعلت أنك أنتجت ذات أدوات العربسلاموية لدمغ الآخر بماتراه عيباً ربما.. أو خيانة ربما.. أو جهلاً ربما.. أو زي قصة ياخي المصادر بتاعتك دي ضعيفة, وأنا عندي أفضل منها أو قرقريبتي دي بتعوس أحسن من حقتكم الملونة دي.. أو (المسلاية) دي بتكوفت أحسن زي (الورد)..أما مسلايتكم دي ما ليها حيل شان تركب راس عروسة البحر..أخي أبكر أربأ بك أن تمارس نقداً مدرسياً فناناً للعربسلاموية ثم في النزوع إلي الحوار مع (المختلف معك ) تستخدم واحدة من معاول هذه العربسلاموية الفتاكة لزجره بالاتهام الذي رأيته يأتي بلا سند ولا مصطفي من الروية ورجاحة التحليل.. بيد وإن كان مساري في عمل الصحافة الذي تجاوز العشرين عاماً عديته نتاج عربسلاموية فيا أخي شكراً لهذه البصارة فربما أتحسس يوماً أنني كنت جاهل صغير مغرور وعندها سأثمن جهدكم عالياً ..وصدقني يا أبكر أنا ما زعلان من تهمتك ولا منك وزي ما قلت ليك ضحكت وشر البلية ما يضحك, ولكن فقط قلت أن مداخلتي دفعتني ثمناً غالياً وجابت ليها عربسلاموية كمان في موضوع حتيته صغيرة, وقلت أيضاً ما الفرق بين أن تختلف مع النظام فيتهمك بالقول: أنت شيوعي ياخي أو تتحاور مع صديق شيوعي فيقول ليك عن فلان :لا لا لا ده كوز بنت مليون كوز ..وتيب مالازم يكون في كوز وجردل وحمام وحاجات بالشكل ده شان الدنيا تتوازن, والغريب شنو إنو العربسلاموية تتساكن مع البعثوية أو تسريجات سليمان أبو داؤود..الشئ الثاني الذي لاحظته يا صديق من قناعاتك إنو زول الهامش ده مفترض يسكت لامن يكون الحديث ضد المركز, وياصديقي أحب أقول ليك إنو حكاية تصنيف الناس لهامش ومركز دي أنا ما أنتجتها, وعليه من حقي القانوني والديمقراطي أن أكون ضد التصنيف من أساسو لناس بشتغلوا في قضايا جوهرية لا تلتبس بالجغرافيا وإنما تتلبس بوعيي المكتسب من المسألة والمساءلات الذهنية والاخلاقية وعشان كده لامن قلت ليك مسألة تصنيف الجزولي لعربسلاموي وغيره من الكلام القلتو أنا كنت أنا صلاح شعيب البتكلم من حتة وعي ولو دراب وليس الهامش هو المتحدث.. قصة إنو تحصرني إنو أنا زول هامش ونموذج للهامش لاني من دارفور ما عارف أقول ليك فيها شنو من الكلام الكتير, ولكن قليلو إنو كأني ما عندي حجة في كل (ما أغني بيهو) إلا حجة إنو ده سلم سباعي أو بالضرورة يفترض أن يكون زي ما كان في موسي أبا البغني (الجنزير التقيل البقلا ياتو) أما حتة إنو عمر إحساس يلحن حاجة من حاجات يوسف الخال أو سيف الرحبي فدي تعتبر عندكم قلة أدب عربسلاموية من ولاد الهامش (ولاد أم زق).. لا ياأخي خلينا نتأثر شوية بالموية الباردة البتخلي الاحساس يفوت حده ويكون إنساني .. ليه لا.. ما الوطن الكون والجنسية إنسان وفي الإطار ده خلينا نتمرمغ في مسائل إتحاد الكتاب أو في أي إتحاد نسائي ..شان برضو نشوف منو الاحسن بتديرو , أم سلمة سعيد ولا ستنا شيبون ولا حاجة كاشف ولو في (بت مرة) من جبل مرة قادرة إنها تدي شوية دفعة ماتجي ..أما والحال مربوط بمسألة السودان الجديد الفيهو الناس بالضرورة تتساوي علي مستوي مؤسسات السلطة ف( ديفينتلي) الحق ياخد مجراو ولو أبي لازم نخلقو من مافي وفي دي يمكن الواحد يموت فيها زاتو..دي الاسس المعرفية والاخلاقية ياصاحبي التي أنطلق منها ليس لرؤية إلتباساتنا الدولتية ـ الحكومية أو الهويويوية فحسب وإنما لرؤية علاقة (ندي ما بفراش ما في الزمن البعيد) أو علاقة إتفاقية كيوتو الحرارية ب (الأسيد ريين) البهطل في كندا أو علاقة ريتشارد بيرل بإنتاج الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية, ولو دي برضو بتجيب ليها عربسلاموية فمرحب بيها, وزي ما قلت ليك دي مابتخوف ولابتكتل ليها زول, ولا حتي بتحدد إستطيقيا سقوف وعيي ووعيك ولو إستخدمتها ناحية ضبطي متلبساً أو خواناً كفوراً لمشوار الهامش لانجاز العدالة الاجتماعية ماني مستخدمها والسبب إنها بضللني وتورثني الهم والوهم في الوقت الذي أبحث فيه معك ومع غيرك وغيرهن وغيرهم خطوط التماس الفكري الممكنة أو نقاط المفارقة في فرص الدرس والتحصيل أونقاط خيبات التأمل والاستنتاج والتصور.. وجلابية العربسلاموية اللبستني ليها دي لا بتكون (ليبل) زي ما أخوانا الامريكان برضو بستخدموا التغبيش الحزبي في حالاتهم التاريخية والآنية لتحويل أبصار بعضهم البعض عن مكمن الخطأ والصواب في الفكرة.. قال ليبرال قال ..وقال ريببليكان قال..وكمان بستخدموها في مسألة إنو ده شخص أو دي حكومة معتدلة وده أو دي أخري شريرة ..وأخشي أن يأتي يوماً ونجد الناس تصنف كتاباتنا ويقولو إنو ده كاتب هامش.. وده كاتب مركز.. وفي الحقيقة لا الهامش نبي ولا المركز إله.. 
لا.. لا دعنا نفحص عناصر 
التناص البرئ داخل صدفة 
الثيما العقلانية,  
أو لنغوص في أرخبيل المناخ 
بإحساس البحث عن 
أرهاصات المطر 
ورائحة الدعاش 
ولسعات الرزاز 
دعنا نتوكأ علي مهادات 
النحن 
لنكشف النشاز 
ونولد ثمرة الحياة ليكون 
الانسان, 
ولايهم لونه, 
أو…أو.. 
أو موضوعة جهته 
ويا صديقي أبكر أوليس من الجميل أن يكون الحوار بالشكل ده ولاحظ إنو لغاية اللحظة دي ما (أفحمتك جهوياً ولا ايديلوجياً) وقلت ليك إنك إنتا كده ولاكده..لا قلت ليك إنتا صوفي أو قطني أو حريري معدل أو زول هامشنجي ولا خلافو, ومن حقي إنو أقول ليك إنتا أبكر آدم إسماعيل – نموذجاً, وبالتالي الحوار معاك بكون بالافق ده ولا ينبغي ألا يكون ونفي النفي (…..)وعشان كده أنا ما زعلان منك ووالله بحبك جداً وإلا إنتا تكون زعلان مني دي حاجة تانية..ودمتم.[/size][/color]

د/ابكر ادم إسماعيل

ارسل: الاحد يناير 15, 2006 5:49 pm    موضوع الرسالة: الأخ ابكرآدم إسماعيل 
هذه الأزمة حقيقية. لم لا تقر بالمأساة وليدة المأساة؟ 
لقد انهد واقع كان حقيقيا في بلادنا. فنحن فى الحقبة الطفيلية, وفلاسفتها الطفيليون ونجمها الساطع حسن الترابي. 
أكتوبر أبريل هو المشروع الذي دمر. ولكن ما هو ذلك المشروع؟ 
أكتوبر إبريل هو الطرف في الصراع الذي قصد أن يدفع بمعطيات الحداثة للوجهة البناءة للبناء الاقتصادي الاجتماعي الثقافي. 
المعطيات كانت مؤسسات إنتاجية من ميراث الحقبة الاستعمارية: 
إنتاج يقارب مقاييس العمل المقبولة في عائد الإنتاج وانضباط العمل- مشروع الجزيرة, السكة الحديد, الخدمة المدنية ,جامعة الخرطوم, انتاج السمسم… الخ 
لكن الطرف الآخر المشروع الحضاري انتصر, و تدمر أساس الحداثة و تدمر مشروعها. 
دعنا نقول إن أكتوبر إبريل طموح يغلب علي من تبناه الدم العربي. ذلك لان من بين ميراث الحقبة الاستعمارية خطوط طول و خطوط عرض تحدد رقعة الاستنارة. 
بمعني أن المركز موروث. ولا اعتقد انه اكتشف خاصيته المركزية إلا حين نبهه الهامش لذاته. 
اقصد انه موروث كسلطة قابضة وملك عضوض يتعدي بالتأكيد علي حقوق الهامش. 
لكن الحقيقة الهامة-في نظري- هي ان الهامش لم يكن دائرة جغرافية جهوية فقط. فالطبقة العاملة وشرائح واسعة جدا كانت هامشية. لكن هذا الهامش بفضل التنظيم المؤسسي تمكن من إنجاز انتفاضة أكتوبر و إبريل. وبلغت شأوا خطرا واصبح ممثل الطبقة في مركز القرار. فتكالب العداء وتصرم دهر من السنين وكان تدمير الثورة يتطلب تدمير أساس الإنتاج نفسه. وهذا هو الحصاد أمامنا. 
كمال الجزولي ليس عروبيا إسلاميا متعديا.ليس عنصريا. ولكنه, وانا معه تلوح مزايانا الحسنة معتمة عبر ضباب ذكريات بعيدة. 
نحن نتحدث عن الخريطة السودانية التي نشأت بالمصادفة. ولم تنجذب أطرافه إلى بعضها البعض إلا بمنجز التعديات و النهب و المظالم. 
عن الهامش الذي اكتشف المركز ليكتشف نفسه نلاحظ: 
ليس لانتفاضات الهامش ايقاع منتظم- 
الجنوب اشد قوة و سابق. 
يليه الغرب والشرق. 
يليه الشمال. 
هذا التفاوت والاشتراك في ضعف البنية وحتى قابلية سرقة الثورات وقابلية خيانة القيادات وارد ومصدر للقلق المبرر. 
المشهد ليكون أوضح, ننظر في كل خريطة البلاد السياسية. فهناك توازي غير مبرر بين انتفاضات الهامش الجهوية وبين انتفاضة أكتوبرمارس المؤسسية. 
وفي رائي كل منهما في خطر شديد.-انظر المشهد البائس لممثلي اليسار في البرلمان الطفيلي. 
وانظر تلاعب الانقاذ بمفاوضي دارفور و الشرق. 
والمخرج هو التحام الانتفاضتين المؤسسية و الجهوية. 
و الالتحام يكون بالحوار بينهما. ومن هنا نشتق دور المثقفين في الجانب الثقافي. 
اعتقد ان قيام اتحاد الكتاب الحالي هو استنساخ للتراث. اجترار الصورة من الذاكرة ومحاولة إعادتها. لم يكن في الماضي اتحاد للكتاب وكفي. لكن شروطا متكاملة توفرت و مجدولا معها نشا اتحاد الكتاب. وهي شروط وواقع وبرامج اكتوبر ابريل. 
فالوضع في نظري اخطر من ان يتحمل تبعته الاستاذ كمال الجزولي والدكاترة الإجلاء. 
إذن الحوار هو المفتاح, هو النقطة المركزية في كلامنا هنا. 
لكن الخطأ هنا مشترك كل انتفاضة هامش منغلقة علي نفسها وكذلك الأكتوبريين. 
فالحركة الشعبية استحوذ حوارها مع المركز علي كامل استراجييتها. 
وقس علي ذلك, انتفاضة الغرب تكسر رقبتها في جدال ابوجا . لكن من الجهة الأخرى حوارها يعادل صفرا كبيرا مع الشرق والجنوب الخ. 
السلطة نفسها مزدوجة. قسم منها هو الانقاذي الانقلابي المتعدي المثقل بالجرائم.والقسم الآخر ثوري محق في مكاسبه. 
بناء علي هذا الوضع الملتبس , لا اعتقد ان تنوع عضوية اتحاد الكتاب هي المعالجة الثورية الصائبة. 
العمل الثوري في نظري يتوقف علي ترتيب لمهمات محددة.وهي: 
1- حوار الاكتوبريين مع بعضهم, و ابراز البرنامج الوطني(اكتوبر ابريل مقررات اسمرا). تحديد الجانب الثقافي منها. وضع التصور لمؤسسات التنوع الثقافي. 
2- الانتقال للحوار مع انتفاضات الهامش حول هذه الاجندة. 
3- التنسيق و التحالف معها لمواجهة المركز. 
4- يتم بناء اتحاد الكتاب من ضمن هذه المعركة للتحالف مع الهامشيين الجهويين. 

طبعا العكس أيضا صحيح وهو أن تبادر انتفاضات الهامش بترتيب هذا الحوار. 
هنا تنتهي مساهمتي بخصوص اتحاد الكتاب. 

لدي تقطة اخري لا تتصل مباشرة بالموضوع المطروح. 
اعتقد أن هناك عنصر اسمه النوبة, ومنطقة اسمها جبال النوبة. وهي ارض تنتج فصيلا محددا من الشجر و البشر الإنسان.وهو مهمش . مهمش تعني الاغتراب عن ارضه. الاغتراب هو (الالينة).  
و الاغتراب هو عرقلة تنامي العلاقة الخلاقة للبشر مع الأرض تحت أقدامهم. 

وفرضيتي هنا تقول: إن كل الأفق الإنساني ينفتح لو انتزع هذا المهمش الحق في اكتشاف الأرض تحت أقدامه. 
أي لو انه انتزع حق الحوار والصراع مع بيئته الطبيعية و الثقافية. 

الفاضل البشير

د/محمد جلال هاشم


ارسل: الاحد يناير 15, 2006 11:19 pm    موضوع الرسالة:
الإخوة والأخوات المتداخلين في هذا البوست؛ لكم جميعا التحية. أعتقد بأن الجميع يتكلمون عن مسألة التهميش دون أن يشفعوا كلامهم بأي تعريف للمصطلح. فهل التهميش يقوم في أساسه المفهومي على العرق؟ أم على الجغرافيا؟ أم على الثقافة؟ أم على جميع هذه الأشياء؟ أم على ماذا تحديدا؟ الحقيقة إن الكثير من المثقفين يتكلمون عن “المركز” والهامش” في الوقت الذي ربما لا يتفقون فيه على ما هو المعني بالمركز أو المعني بالهامش. في هذه المداخلة سأقتبس فقرتين من بحث لي حول المسألة بعوان “الأسس الفكرية لتحقيق السودان الجديد (كوش) وصناعة الاستقلال” قدّمته في يوم 7-1-2006 بلندن في يوم التضامن مع نضال القوى المهمّشة وعمليات الإبادة ومرور عام على مذبحة بورتسودان ثم مذبحة القاهرة للاجئين السودانيين عشية الاعيد الذهبي لاستقلال السودان. وكنت قد أرسلتُ هذا البحث للإخوة مشرفي هذا المنتدى لوضعه ضمن قائمة المقالات ولكن ربما لم يستلموه لخلل في عملية التوزيع. 

مفهوم المركز: 
المركز ليس إلاّ مجموعة من الصفوة المعاد إنتاجها ثقافياً داخل حقل الثقافة العربية الإسلامية عبر عملية من الأدلجة تفضي في النهاية إلى شيئ لا علاقة له بإنسانية هذه الثقافة نفسها وبذلك ينسفها. هذا القول يحتاج إلى مزيدٍ من الشرح، ذلك لأن المركز ليس مرتبطاً بعرقٍ ما، أو جهةٍ ما، وما تصويره على أنه كذلك إلا مجرد خدعة. فالمركز مركز صفوي يحتكر السلطة والثروة، وفي سبيل تأمين مصالحه يسخّر الثقافة والعرق والدين والجغرافيا. بهذا أصبح هناك طريق واضحة للطامحين للسلطة إذا ركبوها وصلوا إليها: الأسلمة والاستعراب، أي تبنّي الأيديولوجيا الإسلاموعروبية. وهكذا تكوّن المركز من صفوة متباينة الأعراق والثقافات، متلاقية في الأهداف المتمثّلة في الثروة والسلطة. هنا لا يهمّ من أي مجموعة ثقافية أو عرقية ترجع أصول المرء، طالما كان مستعدّاً للتضحية بأهله تحت شعار الإسلام أو العروبة، وكلاهما بريئ من ذلك. في الواقع فإن أغلب الرموز القيادية التي قام عليها المركز من أبناء المجموعات الموغلة في التهميش إلى حد التعريض بها ثقافياً وعرقياً. هذا هو المركز الذي يسيطر على مؤسسة الدولة في السودان، مهمّشاً في ذلك جميع السودانيين. دعونا الآن نستعرض بعض الأسماء التي حكمت السودان لنرى صحة هذا الكلام. ونشير بدءاً أننا لن نقبل بالحجج التي تُساق في مثل هذه الحالات، من قبيل الزعم بعدم حصافة التعرّض للنماذج والاستشهاد بها من خلال ذكر الناس بأسمائهم. فهؤلاء شخصيات عامة، منهم من أتى إلى السلطة بالحق ثم انحرف بها فشلاً وقصور رؤيةٍ، ومنهم من انحرف بها إلى الباطل فساداً زاخماً، ومنهم من أتى إليها بالباطل ولا يزال يتمرّغ فيه كما يتمرّغ الخنزير في قاذوراته. لهذا لا مشاحة من ذكرهم بالاسم، إذ إن القول بأنه لا داعي لذكر الأسماء هو نفسه عبارة عن تكتيك للتعمية والتمويه. 
ونبدأ بالخليفة عبدالله التعايشي والذي تتفق المصادر في أنه ينتمي أصلاً إلى بعض القبائل المهاجرة من غرب أفريقيا ثم استقرّ جدُّه بدارفور. وهذا هو الحال أيضاً مع إسماعيل الأزهري، ثم محمد أحمد المحجوب، ثم الترابي، ثم عمر البشير. وهذا الأخير في الواقع من قرية الحُوارة وليس من حوش ود بانّقا؛ وقد كانت الحوارة من أكبر مناطق تجمّع الفولاني بمنطقة شندي أدنى حوش ود بانّقا على شاطئ النيل حتّى جرفها فيضان 1946م. ثمّ دعونا ننظر كيف تعرّض هؤلاء إلى عملية إعادة الإنتاج عبر تنزّلات الأبناء والأحفاد بنفس الطريقة التي جعلت أبناء و أحفاد عمارة دُنقس لا يعرفون شيئاً عن لغته الفونجاوية وهو الذي ـ أي عمار دُونقس ـ لم يكن يجيد التحدّث بالعربية. فجميع هؤلاء الناس بحث له عن موقع قدم بين المجموعات القبلية المستعربة بوسط السودان وقطعوا أي وشيجة أو ذاكرة بعيدة تصلهم بأصلهم الأفريقي الذي انبتّوا عنه في رحلة بحثهم عن السلطة والثروة والتي فعلاً نالوها على حساب هويّاتهم الحقّة. هذا بينما نجد أن القبائل التي انحدروا منها (ونشير هنا إلى أنها قبائل سودانية أصيلة) في مجمل حالاتها لا تزال تعاني الأمرّين في سبيل أن تثبت سودانيّتها الأمر الذي جعلها تحتلّ موقع هامش المهمّشين حتّى أصبح مجرّد التّعرّض لواقعها بمثابة التابوهات الثقافية والفكرية في السودان. 
ثم فلننظر إلى حالة خاصة هي أسرة عبد الرحمن المهدي، فأبوه دنقلاوي وأمّه من الفور وكانت سرّية. الآن في تنزّلاتها الأسرية عبر سلسلة الأبناء والأحفاد نلاحظ أنه لم تنبتّ صلتُهم بأهلهم الدناقلة والفور فحسب، بل علينا أن نعقد المقارنة بين وضاعة المكانة الاجتماعية التي عليها أبناء السراري عامةً في المجتمع السوداني وبين العز والجاه والسلطة التي حُظيت بها أسرة عبد الرحمن المهدي بينما هو نفسه ابن لسّريّة. وما هذا في رأينا إلاّ لأنهم ـ أي آل المهدي ـ قد انبتّوا في وعي هويّتهم الأسرية عن تلك الأصول. ونشير هنا إلى أننا في تناولنا الجراحي لهذه المسألة نقوم علانيّةً بتشريح واقع جميعنا يعلمه دون أن يجرؤ أحد على ذكره. وكما قال فرانسيس دينق إن أكثر ما يفرّقنا هو ما لا نجرؤ على ذكره. فقولنا هذا ليس تعييراً لأحد بقدر ما هو رد اعتبار لهامش المهمّشين الذين أوقعهم غياب العدل الاجتماعي والشجاعة الفكرية تحت طائلة التابوهات. 
هكذا تكوّن المركز من أمشاج إثنية منبتّة عن أصولها. وهو مركز غير وطني بالمرّة ولا همّ له غير أن يحوز على السلطة والثروة. وهو مركز على استعداد أن يبيع السودان بالقطّاعي وبالجملة طالما كان ذلك سيُؤمّن له احتياز السلطة والثروة. فمثلاً بالنسبة لعمر البشير لا يهمّه لو لم يبقَ من السودان غير قرية ود بانّقا طالما أن ذلك سيؤمّن له السلطة والثروة. لكن لماذا ينظر الكثير من الناس إلى المركز باعتباره المجموعات القبلية التي تسكن بوسط وشمال السودان؟ نعم هذا خطأ، بيد أنه ليس خطأً مطلقاً. فالمركز بوصفه الصفوة المتناسلة عن تلك الأمشاج الإثنية الهاربة من هويّاتها ما كان يمكن له أن يستأثر بالسلطة والثروة لو لم يتّبع حيلة اتّخاذ الثقافة العربية الإسلامية بوسط السودان وغيره كظهير أيديولوجي. فهذه الصفوة تمارس التمركز والتهميش عبر أجندة الثقافة العربية الإسلامية، ليس تحييداً لحملة هذه الثقافة فحسب بل تجييراً لهم حتّى يتمترسوا معها في خندقها. لكن ما الذي نالته المجموعات المستعربة بوسط السودان بتواطئهم هذا مع المركز وهم لا يزالون يعانون من التهميش التنموي كباقي مناطق السودان؟ لقد نالوا تكريماً زائفاً تمثّل في إيهامهم بأنهم بوصفهم العرب الأُصلاء عرقٌ سامٍ بين أجناسٍ منحطّة في أفضل الأحوال وفي أسوئها أجناس من العبيد نالوا “شرف” العبودية بالمجّان دون أن يشتريهم أو يبيعهم أحد. وعلم الله قد انطلت الخدعة على غالبية العامة والخاصّة من أبناء المجموعات المستعربة بوسط السودان. ولكنهم في خاتمة أمرهم سيكتشفون أن المركز جازاهم بأسوأ من جزاء سنّمار، كما سيتبيّن أدناه. 

مفهوم الهامش: 
ينظر الكثير من المثقفين إلى الهامش باعتباره المنطقة الجغرافية الواقعة في أقصى الغرب والشرق والجنوب بخلاف وسط السودان وشماله الوسيط، كما يربطون فهمهم هذا بالمجموعات المستعربة التي تعيش بهذه المنطقة ثمّ بالنوبيين في أقصى الشمال. ولكنّا نرى أن هذا الفهم يتقاصر عن الإحاطة بظاهرة التمركز والتهميش وارتباطها بعملية تداول السلطة. أكثر من ذلك فإن هؤلاء الناس يقعون في شركٍ نصبه لهم المركز الذي يريد أن يصوّر الأمور وكأنها تجري هذا المجرى. ذلك لأن ابتناء رؤية كهذه من شأنه أن يجيّر أبناء هذه المناطق ـ والتي هي أيضاً مهمّشة ـ لمصلحة المركز وهو تجيير قد حدث فعلاً واستمرّ ولا يزال يستمرّ. إن هذا لا ينفي بأي حال من الأحوال الامتيازات الوهمية التي أضفاها المركز على أبناء هذه المناطق من حيث إيهامهم بأنهم عرق متفوّق ذو ثقافة متميّزة، فضلاً عن إيهامهم بأنهم هم سادة البلاد الأصليين مقابل مجموعات ثقافية أخري منها ما هو وافد ومنها ما هو أقلّ شأناً لا يعبأ الله بهم ـ حسب زعم المركز. 
لقد توالى قولنا في الكثير من البحوث بأن الهامش ليس في جهة جغرافية بعينها (شمالاً كانت أو جنوباً، شرقاً أو غرباً أو وسطاً) دون غيرها، بل هو في كل مكان، ومن يغالط في هذا عليه أن يخرج مما يسمّى بالمناطق الحضرية عدة كيلومترات فقط ليرى التهميش بأم عينه. كما لا يصبح الهامش وقفاً على مجموعات إثنية بعينها دون أخرى. وهذا هو مناط القول بأن الهامش ليس جغرافياً كما ليس عرقياً، بل هو سلطوي. إلاّ أن التهميش يجري على نوعين: بسيط ومركّب. التهميش البسيط ذلك الذي ينحصر في الحرمان التنموي والاقتصادي. في هذا يتساوى جميع السودانيين بمختلف ثقافاتهم وأقاليمهم باستثناء صفوةٍ منهم يشكلون المركز وينتمون إليه. أمّا التهميش المركّب، فذلك الذي يجمع بين الحرمان التنموي والحرمان الثقافي ممثّلاً في توجّهات الدولة الأيديولوجية لإعلاء ثقافة بعينها على حساب ثقافات أخرى. إن النظرة الأولية لواقعنا المعاش تكشف بوضوح انحياز الدولة للثقافة العربية إزراءً وتحقيراً للثقافات غير العربية بالسودان، أي الثقافات الأفريقية. في هذا كان التهميش الثقافي مدخلاً للتهميش التنموي، إذ جعلت مؤسسة الدولة الاستعراب مقابلاً للأفرقة، ومن ثمّ قامت بإعلاء الهوية العربية وإزراء الهوية الأفريقية. وقد كان من أثر هذه التكتيكات الأيديولوجية أن وجدت المجموعات الأفريقية (التي تعاني من التهميش المزدوج تنموياً وثقافياً) نفسها في الدرك الأسفل عرقياً، وثقافياً، واجتماعياً وسياسياً، الأمر الذي يستوجب منها عملاً موحداً، ولو تفاوتت درجات تهميشهم وتعرّضهم للاضطهاد. 
لكننا نرتكب جريرة التسطيح الفكري إذا ما قفزنا من هذه المقدّمة (انحياز الدولة الظاهر للثقافة العربية على حساب الثقافات الأفريقية) إلى استنتاج أن الدولة بذلك تنحاز لحملة الثقافة العربية. إن حلقة التهميش الثقافي والتنموي الموجّهة ضد الثقافات الأفريقية إذا ما اكتملت، ستكشف عن أن الأمر قد انتهى بحملة الثقافة العربية إلى نفس المصير، ألا وهو التهميش المزدوج؛ ذلك لأن آليات التمركز والتهميش في مآلاتها النهائية تعمل على تهميش الشعب السوداني في مجمله ـ عرباً وأفارقة، عرقاً وثقافةً ـ بالنسبة إلى المركز العربي الكبير (العرب العاربة). إن نظرة متفحصّة للفضائيات والبرامج التلفزيونية التي يشاهدها عموم السودانيين وبالأخصّ من ينتمي للثقافة العربية تكشف عمّا نقصده بالتهميش المزدوج الذي يحيق بالمجموعات ذات الثقافة العربية. إن من يُعدّ ويخطط ويُخرج برامج محطّة تلفزيونية بعينها إنما يفعل ذلك بالنظر إلى الجمهور المستهدف استقراءً لما يريد. إن الذين يُعدّون برامج هذه الفضائيات لا يدور في مؤخّرة ذهنهم شيئ اسمه “الشعب السوداني”. فمثلاً في الماضي القريب كان مما يميّز السودانيين بالمقارنة إلى العرب نظامهم التعليمي العالي ضمن العديد من الامتيازات الأخرى. الآن ها نحن ننتظر من الدول العربية أن تتكرّم بمدّنا بالكتب المترجمة إلى العربية فضلاً عن التكرّم بابتعاث الأساتذة للتدريس في جامعاتنا. لكل هذا يأتي قولنا بأن التهميش المزدوج (ثقافي وتنموي) يحيق بكل فئات الشعب السوداني، من استعرب منها ومن تأفرق، وما ابتدار المركز باستهداف المجموعات الأفريقية إلاّ مجرّد تكتيك باعتبار ذلك مرحلة أولى ستعقبها حتماً المرحلة الثانية ألا وهي استهداف المجموعات العربية بالسودان بتهميشها هي نفسها وذلك بجعلهم عرباً من الدرجة الثانية إن لم تكن الثالثة. إن هذا يقتضي من القطاعات الذكيّة لهذه المجموعات أن تستشفّ حُجُبَ المستقبل القريب فتعمل علي تلافي الكارثة. وتبدأ مثل هذه الخطوة الذكية بالانخراط في صفوف القوى المهمّشة التي تناضل لتفكيك ماكينة التمركز والتهميش ليس من منطلق النضال بالوكالة تعاطفاً وإنسانيةً مع المجموعات الأفريقية في مآسيها ومحنها، بل من منطلق النضال بالأصالة إنقاذاً لذاتها ضمن نضال قوى السودان الجديد لإنقاذ الإنسان السوداني من الذّل والهوان والتبعية ومن ثمّ تحقيق دولة السودان الجديد (كوش) وصنع الاستقلال. 
للحيلولة دون أن يتبلور وعي وطني متقدّم كهذا، اتّبعت الصفوة المهيمنة على المركز العديد من الحيل تأميناً لتحكّمها على مؤسسة الدولة وعلى رقاب العباد. من ذلك ما أسمّيه بمرحلة الاستقطاب الأولى حيث تتنافر الهوية العروبية ضد الهوية الأفريقية. في هذه المرحلة يتمّ تقسيم السودانيين إلى مجموعات خطية متقابلة: الأفارقة السود العبيد مقابل العرب الشرفاء؛ ثم العرب نفسهم يتم تقسيمهم إلى عدة مجموعات متقابلة، مثل الأشراف وأبناء القبائل المستعربة مقابل الأعراب البدو. هذه التقسيمات الخطية القائمة على العرق تقابلها تقسيمات أخرى قائمة على الجغرافيا بتحميلات عرقية لا تخفى: الشمال (عربي، مسلم) ضد الجنوب (أفريقي، مسيحي)، أولاد الغرب (الغرّابة) ضد أولاد البحر (أولاد البلد، أي أولاد العرب). ومع هذا لم يفز الدينكا والنوير والشلك، مع أنهم قبائل نيلية، بشرف الانتماء لنادي “أولاد البحر” السامي زيفاً وبهتاناً. روّج المركز الذي سيطر على مؤسسة الدولة لهذه التقسيمات حتى أصبحت بمثابة مفاهيم نمطية فكان أن انطلت على الكثيرين ومن ثمّ فشت في ثقافة وسط السودان النيلي وشماله مستصحبةً معها كمّّاً هائلاً من التسطيح الفكري والعنجهية البليدة. إن الغرض من هذه التقسيمات هو تحييد أكبر قدر من المجموعات المهمّشة، ريثما يتمكن المركز من احتواء مجموعات بعينها تشكّل تهديداً مباشراً، مثل الجنوب الذي لا يتغالط إثنان في أفريقيته الطاغية من عدم استعرابٍ ومزاحمةٍ نصرانية فيه للإسلام. إن التقسيم الأيديولوجي الحقيقي الذي يعكس هذا الوضع هو تقسيم دائري: مركز يحيط به هامش، وليس التقسيم الخطي. وهذا ما أسمّيه بمرحلة الاستقطاب الثانية حيث يتجلّى أن ميكانيزمات التمركز والتهميش تستهدف حتّى حملة الهوية العروبية في السودان وذلك بتحويلهم إلى هامش للمركز العربي العارب. إن كسر طوق هذه التكتيكات هو مسئولية جميع القوى المهمّشة وذلك بترفيع الوعي بمسألة التهميش وتعقيداته، إلاّ أن مناط التغيير فيما يخصّ المجموعات العربية بالسودان وانخراطها في هذا النضال النبيل يقع على عاتقها وحدها. إلى أن يتمّ هذا لا مناص من التعويل على تحالف المجموعات المهمّشة من حقل الثقافة السودانوأفريقية فيما سيبدو ظاهرياً أنه استقطاب أيديولوجي ضد المجموعات السودانوعروبية، ولكن إلى حين.
_________________

حسن موسى



الفن أفريقانية السوداءنية 

أبّكر يا أخانا في أفريقيا .. 
سلام جاك 
و هاك: 
أولا بالتبادي حكاية الترحيب بالاعضاء “الجدد” دي ما واقعة لي، لأني اعتبر الموقع دا منتدى للحوار ودفع المفاكرة في القضايا العامة ذات الأولوية في مشهد اهل السودان. قضايا الديموقراطية و التنمية، يعني لا هو مقهى شعبي عام و لا هو بيت خاص لمن تملّكوه بالتقادم. وكون زيد اكتسب عضوية المنتدى قبل عبيد فذلك لا يسوّغ له بأية حال اتخاذ وضعية المرحّب المريبة التي يكسب لنفسه بذريعتها حظوة رمزية غير مبررة، حظوة “سيد البيت” الذي يستضيف القادمين الجدد و يحسن وفادتهم حسب أسطورة الكرم السوداني الاصيل ، و”الدين في الكتوف و الاصل معروف” كما تقول حكمة مولانا ود اب زهانة. وهذا يا صاحبي ضرب من” تكفين الميتات” الاسافيرية ينتفع به داجنة الكتاب من صنف هذا البرنس الأمُّور الذي يجري بثرثراته بين المواقع الاسفيرية و لا يضيره أن ” يبخّر” سجيمان في سودانيز أونلاين تارة و يدافع عن كمال الجزولي طورا، قبل أن يهرول للترحيب بك في سودان للجميع ترتارة. واذا في زول ممكن يرحّب او ما يرحّب، فمن باب اولى يكون هو الشخص المسئول عن الادارة في الموقع المعني. والادارة في ما أرى منفعة تنظيم لا تعود على القائم عليها باي حظوة تشريفية بخلاف “أجر المناولة” (وقد تعود عليه أحيانا بمنفعة “الشرة في القندول” ونجاة أدرى). 

القراءة الكاتبة 

أقول: جعلني هذا الموقف اتجنب النظر في بوستات الترحيب كون أغلبها عامر بأدب المجاملات السودانية “الخُسوسية” التي تقع في حيّز الكلام الشخصي الذي لا يهم القراء، أو العمومية التي تتصنّف في باب الـ “بوليتكلي كوريكت” كون الناس في مقام الترحيب لا يطيقون حديثا غير حديث التطييب. 
وقد دفعتني قراءة حديثك في شأن “اتحاد الكتاب الشاقية” الي النظر في بوست الاخ مصطفى آدم “رحبوا معي بالانسان أبكر..” بتارخ 26 نوفمبر 2005، بعد أن تجنبته زمنا، خوفا من تبعة العادات الادبية الاسفيرية لصفة “الانسان” التي منحك اياها مصطفى كخصوصية تميزك عن سائر بني الانسان الآخرين، كما يميز “الاخوان المسلمون” أنفسهم عن سائر المسلمين بصفة “المسلمين”، التي تضمر أن بقية الخلق “أخوان ساكت”، ما مسلمين. أو كما يميز اصحاب التشاشات الطفيلية البيزنس بتاعهم بالحاقه بصفة” الاسلامية” ، من نوع : “الجمهورية الاسلامية” و”الاشتراكية الاسلامية” و”الديموقراطية الاسلامية “و “البنوك الاسلامية” و “البقالة الاسلامية ” لغاية” البيرة الاسلامية بدون كحول ” و ما خفي أزرط. 
أقول : تأملت في بوست الترحيب الذي افتتحه الاخ مصطفى آدم بعنوان : “رحبوا معي بالانسان أبكر..”.وما تلاه من بوستات للأصدقاء من أيمان شقاق لحسن النور ، لخضر حسن خليل ،لأحمد المرضي ، لنجاة وللحسن بكري (وما كان من أمر” حياءك” و “غضبك” الخ)، لغاية بوست عائشة المبارك التي اختلست لنا قصيدتك “صوت الوتر السادس”. وقد شحذ فضولي الاطراء الذي بذله في حقك الصحاب المرحبون اعلاه كما تعجّبت من قراءتي الثانية لقصيدتك : “صوت الوتر السادس”، العامرة بأيقونات السودانوية التي تداهن ذاكرة القاريء العربسلامي( بلقيات بلاغية مستعارة من المجذوب ومحمد المكي ابراهيم وعبد الحي و آخرين) ثم تُؤثّمه على ذنب تاريخي تورّثه اياه، بغير وجه حق، بقرينتي العرق و الدين. أقول: “من قراءتي الثانية” لقصيدتك الغميسة “صوت الوتر السادس” ( في موقعك الالكتروني) ـ لأني قرأتها اول مرة في 1999 ، حين نشرتها أنت في مجلة “كتابات سودانية” (العدد العاشر 1999)، التي كانت تصدر عن مركز الدراسات السودانية بالقاهرة ـ تبدّت لي فيها خوافي لم انتبه لها عند القراءة الاولى. وهذا باب في أدب القراءة عجيب، كون البصيرة القارءة تعيد كتابة النص على ضوء متغيرات الزمان والمكان . وقد لاحظت أنك اخضعتها لقراءة ثانية، قراءة كاتبة، رفعت عنها بعض مقاطعها التي لابد أنها لم تعد ترق لك ضمن ظروف تحوّلات المشهد الجيوبوليتيكي. 
في النسخة المنشورة في موقعك الالكتروني اختفت عبارة “لعرسها” من مقطع “القلب زكّته الخيول لعرسها يوم الرحيل فكان ميلاد المطر”. 
و بعدها بسبعة أسطر اختفت عبارة” فنيلتي الشوهاء ” التي كانت بين 
” بكاء أخي الصغير 
فنيلتي الشوهاء، 
سروالي الممزّق من مطاردة السحالي و الورل .” 
و في نهاية النص اختفت الاسطر الثلاثة التالية: 
“و لوجه سلمى و النهارات الصبية ما سيأتي من غناء 
شكرا لكم يا سيدي.. 
و غدا نعود .” 
و لا تظنّن اني آخذ عليك تعديلك لنصك، حاشا، فمن جهة أولى، فالكاتب كائن حر، بل هو في أكثر حالات حريته اكتمالا حين يتحقق في حميمية فعل الكتابة، ومن جهة ثانية فالنص كائن حي، يحيا و يموت، وقد يبعث حيا من بعد موت، بفضل تباين القراءات الكواتب وتعدد النظر الجديد وتبدل السياق الاجتماعي. وأنا في نهاية تحليلي أحمد لك عكوفك على نصّك، على تواتر الازمنة والامكنة. بيد أن تعدد النصوص المتمخّضة عن النص الابتدائي لا يلغي مسئوليتك عن كل نص جديد صدر عنك. والكاتب مسئول عن كل عبارة وعن كل كلمة وعن كل حرف يكتبه، مثلما الرسام مسئول عن كل لون وعن كل شكل يخطه، مثلما الراقص مسئول عن كل حركة وكل ايماءة تصدر عن جسده في سياق الزمان و المكان و الخ و”شرحه” في فضاءات التعبير الاخرى بما فيها فضاء الفكر السياسي. وبما أنك بين نفر من الكتاب السودانيين الذين يسعون بالنصوص بين أرض الأدب وأرض الفكر السياسي فان قراءتك هنا وهناك لا تفلت من ملابسات تأثير هذا النص هنا على ذاك النص هناك ، و”الحساب ولد” كما تقول حكمة الذكور المريبة. وفي هذا المنظور أقرأ ذلك المقطع من قصيدتك ” صوت الوتر السادس “: 
” الخرطوم (1) 
الدرس الاول : التاريخ 
المهدي نخاس شهير 
شولة 
عبد اللطيف : لم يكن في مسرح الوطن الجميل، 
بل كان منهمكا يخطط لانقلاب عسكري 
كي يعيد الى أمية أصلها القرشي و النسب النبيل 
عبد الفضيل: 
كان نشالا و لصا موغلا في الاحتراف 
نقطة ، سطر جديد 
الخليل: 
كان يسكن فيلا 
و يبيع اغنية تزيف طعم البلاد 
و يقاسم السلطان قعدته الخليعة، و احتمال أن يكون مجندا في الامن.. 
احتمال 
و مهيرة: 
بائعة المريسة، 
أول سلطة للغيب تمتهن الغناء المستغيث دعارة، 
و تمارس التعريص في الليل البهيم 
و نكون أولاد الحرام 
طوبى لنا ” 
و القاريء في مواجهةهذا النص يحال لمتكلم غامض لا أحد يعرف ما اذا كان هو شخص الشاعر نفسه، أعني الشاعر الذي نصّب نفسه ناطقا رسميا باسم المهمشين الزنج من ضحايا الأيديولوجية العربسلامية التي يعلن عليها حربا كاملة شاملة مادية و رمزية، أم هو معلّم متسلّط في مدرسة السلطان المستبد الغاشم يملي على التلاميذ نسخة مزورة من تاريخ المقاومة الوطنية، أم هو مجرد ولد “مشوطن” لسانه فالت من كل قيد و لا يدري ما يقول، وجهل القاريء بنوعية الجهة التي يصدر عنها الخطاب يجعل النص معرضا لمخاطر القراءة المغرضة والتسوّي بايدك يغلب أجاويدك و يتجاوز حدود مسئوليتك الاخلاقية تجاه ما تكتب..و طوبى لـ “أولاد الحرام”، و أي” حرام”؟ حرام المجتمع العربسلامي الذي يشوف الفيل و يُذْعن في ظله؟ أم حرام الايديولوجي الذي ينتفع بوسيلة الشعر في تهريب ما لا تطيقه وسيلة الفكر الى فضاء الحوار الاجتماعي الدائر؟ 
ولا أطيل أكثر من هذا، وكما ترى يا صاح فان فولة “القراءة الكاتبة” تفيض عن سعة مكيالي الحالي، لكني عائد لهذا الامر قطعا قريبا وفي خاطري قراءات لنصوص سودانية مشهودة صارت جزءا أصيلا من أثاث الخطاب السياسي الحديث في السودان. 

الجيل ” الاعتباطي” 

أقول: شحذ اطراء الصحاب في بوست الترحيب فضولي ، فتوكلت على الحي القيوم وحاولت النظر في بقية آدابك المعروضة في موقعك ، فوجدت ما لذ وطاب من أنواع الأدب والتفاكير النقدية السياسية التي تستحق التأنّي، مثلما وجدت تصانيف عجيبة من أدب الضحيّة السوداني الجديد. و ما أسميه بـ “أدب الضحية” السوداني هو نوع أدبي بكائي جديد، برع فيه نفر من كتاب السودان الجدد الذين تمخّضت عنهم تناقضات الآيديولوجية العربسلامية في السودان . و هم قوم متعددو المشارب و المآكل، ينطقون باسم الشعب و يتباكون و يتشاكون في الفجوات الايديولوجية لبُنى اليمين و اليسار في السودان. و قد يتحالفون ـ عند اللزوم ـ باسم مفهوم غامض اسمه” الجيل” أو” الشباب” على قتال الجيل القديم و خلافه. و سأعود لـلمضمر في ” خلافه ” هذي لاحقا لزوم تحليل بعض الحالات و النماذج البارزة التي يمكن أن تسهم في اضاءة المشهد الفكري و الرمزي الذي تتحرك عليه في معية هذه الكائنات السياسية المتذرعة بذريعة السن . 
و قد بذل لك محرر جريدة “الحرية” ، أسامة عباس، مزلقان اسمه :” حوار/حرب” الأجيال الكاتبة في السودان فلم تقاوم اغراء الانزلاق في فخ مريح ،” بوليتيكلي كوريكت”، و تناسيت مقولات مولانا كارل ماركس التي بنيت عليها جزء كبير من بأسك الآيديولوجي.فحين يسألك أسامة عباس:” كيف تنظر الى هذا الجدل: جيل قديم /جيل جديد، كتابة قديمة /كتابة جديدة؟”،تجيب بنفي موضوعة الجيل مبدئيا على أساس أنها موضوعة ” اعتباطية لدرجة لا تسمح للمرء بالخوض معها بجدية”. 
(abbakaradam.com) 
بل أنت تؤكد على الطبيعة” الاعتباطية” لـ ” صيغة الجيل” ثلاث مرات في معرض اجابتك على السؤال ، الا أن ذلك التأكيد لا يعصمك من الالتفاف على اعتباطية موضوعة الجيل فتعاود متسللا من” دريب قش” الكتابة القديمة/ الكتابة الجديدة، الذي بذله لك أسامة عباس.و أسامة مغرض، و غرضه واضح بلا مداورة كما أعلن عنه في مشروع بناء ” ملف كبير حول الاجيال الكاتبة في السودان”.لكن مشروع أسامة كان يتوقف على نوع الاستجابة التي قد تجيء من طرفك. و كان من الممكن ان ترفض الخوض في المسألة الاعتباطية ، فينتهي الامر عند هذا الحد، كما كان من الممكن ان تخوض فيها بما يمكنك من شرح و تحليل اسباب اعتباطيتها و الدوافع التاريخية التي تجعل أسامة يخصها بـ ” ملف كبير”، لكنك اخترت أن تخوض مع التيار.لماذا؟ مندري. 
و كوني لمست في أدبك السياسي جهدا مقدرا في نقد أيديولوجية الانظمة العربسلامية في السودان فهذا شيء محمود و ضروري و منطقي مع طبيعة الواقع السياسي الراهن في السودان و مع طبيعة المسار الذي اتبعته أنت “ابن القرية القصيّة” من الهامش للمركز الحضري.و هو أدب سياسي نقّاد لا يتاح الا لمن واجهته، بشكل واقعي، اسئلة الاستبعاد الطبقي و العرقي التي يكابدها جلّ المهمشين في السودان العربسلامي.و قد لمست ميلك للحديث باسم المهمشين من ضحايا الايديولوجيا العربسلامية في السودان، و لا جناح فالزلابيا للجميع، الا أن الافق العرقي الذي دبّرت عليه استراتيجية المفاكرة الاجتماعية في خصوص تحرير المستضعفين في بلادنا يضيق عن استيعاب المهمشين داخل الفضاء العربسلامي ، و قد يستغني عنهم بذرائع الهيمنة التاريخية لبني الثقافة العربسلامية التي ينتمون اليها، فكأنك تختار عامدا وضعية الناطق الرسمي باسم” الكتلة السوداء” أو” المجموعة الزنجية” أو” التجمع الافريقي” الى آخر الترهات العرقية التي تفتقت عنها قرائح مقاولي الهويولوجيا المعرقنة ، ممن تعودوا على اتخاذ المجموعات العرقية رهائن أو دروعا بشرية في مشهد النزاع السياسي السوداني.غير أن مواجهة أسئلة الاستبعاد، حين تقتصر على البعد السياسي وحده ،لا تؤدّي ، أو قل هي لا تؤدّي الا الى وضعية” الاستبعاد المعاكس” بحيث ينمسخ المستبعد، بنصب العين ، الى نسخة سلبية (” نيقاتيف”)، أبيض و أسود من المستبعد، بكسر العين( و الاستبعاد انما يقوم على” كسر العين” أولا و أخيرا).و قد لمست شيئا من هذا حين تأنّيت عند بعض نصوصك الادبية المعجونة بالفنأفريقانية الباسلة أو بـ ” الغضب المدمر”، حسب عبارة الصديق مصطفى آدم حين أخذ يتعذّر و يتذرّع بصورتك الفتوغرافية عقب ” زرزرة “الحسن بكري في موضوع” الحياء” اياه.( راجع بوست رحبوا معي بالانسان أبكر 5 يناير) . و الكلام عن الصورة فولة تانية تنتظر كياليها.المهم يا زول ، بدت لي الاجابة الابداعية التي تقدمها كأديب لسؤال الاستبعاد المركب، المادي و الرمزي،بدت لي كمثل استجابة شرطية معاكسة يفقرها الانفعال عن مفصلة أسباب الاعتراض و حججه ضمن كيمياء الغضب الخلاق. فأنت في غضبك الادبي كاميكازي ، تفتح النار على جميع العربسلاميين بما فيهم أنت نفسك.( و عربسلاميتك يا أبابكر فولة ثالثة أنا جاييك ليها). 
أقول أنت تفتح النار علي الجميع بدون فرز: يعني من كمال الجزولي ليوسف فضل و تاج السر الحسن، الذين مسختهم عملاء سرّيين للشايقية في اتحاد الكتاب السودانيين، و انت طالع لمحمد احمد المهدي النخاس لعلي عبد اللطيف الانقلابي عميل أميّة، لعبد الفضيل الماظ النشال اللص، لخليل فرح مهرج السلطان، لمهيرة العاهرة المعرّصة لغاية ناس يوسف فضل و تاج السر و آخرين.. شفت كيف ؟ 

غنائم الحرب الثقافية 

أقول : قرأت نص” صوت الوتر السادس” قراءة أولى في نهاية التسعينات في ” كتابات سودانية”.كانت تلك قراءة بريئة، السماحة الجمالية فيها تغلب على النظر الآيديولوجي، و ذلك لأن الثقل الايديولوجي، الذي يلبّك قراءتي الراهنة، كان غائبا عن هذا النص حين قرأته في نهاية التسعينات.و هكذا تخلّقت علاقتي الجديدة بالقصيدة بعد أن قرأتها مرة ثانية على ضوء الفضول الذي أثاره في خاطري بوست” اتحاد الكتاب الشاقية” ـ سيّما و أنا يا صاح شايقي فرنسي من النهود،(على كل حال اذا اتضح انو الشايقية استولوا على اتحاد الكتاب ضمن التقسيم الاخير للسلطة و الثروة في السودان فمن باب أولى نشوف لينا شليّة من دار الأ(د)ب الخربانة ، و من يدري؟ فقد تنفعني شليّة “بيت الادب” السوداني في ترميم “خانة ” الأدب” الفرنسي و كلنا في الهم غرب) ـ أقول: الغرض( و الغرض مرض) الواضح في قراءتي الثانية المتوجّسة لنص” صوت الوتر السادس” يستمد مشروعيته من مداخلة اتحاد الكتاب الشايقية التي تعرّض فيها بعرب أفريقيا( و بزنجها) على نحو لا يليق بالكيد الأيديولوجي التي توسّمته فيك. 
فأنت حين تعارض استنارة الكتاب السودانيين بتجربة” اتحاد الكتاب المغاربة” في السودان، بتجارب اتحادات كتاب ” أفريقية” لا تسميها ،أجدك تتعامى عن كون العرب في أفريقيا هم أفارقة مثلهم مثل غيرهم من أهل القارة الآخرين بما فيهم بيض جنوب افريقيا و هنود كينيا و”ميجراب” السودان.كما أجدك تتجاهل ـ و لا أظنك تجهل ـ بداهة كون اللغة العربية ـ مثلها مثل الانجليزية و الفرنسية ـ هي لغة افريقية خالصة للناطقين بها ، مثلما هي، على حد عبارة كاتب يس ، ” غنيمة حرب” عند الناطقين بغيرها.

شرح العنقريب و شقاء حنّا 

بل أراك تقع في شر أعمالك حين تتساءل:” اتحاد الكتاب الشاقية ده لو يعني اطّوّر و رجع لأصله “..” حيبقى شنو؟” اتحاد الكتاب الاسلاموعروبيين”؟” طيب أنحنا دخلنا شنو؟” ، و تحشر نفسك بين سر أناي و ستيلا قاتيانو و فرانسيس دينج و ابراهيم اسحق الذين يكتبون في لغات افريقية شتى ،(شي عربية عاربة وشي انجليزية و شي عربية دارفورية أما عن انجليزية جمال محجوب و ليلى ابو العلا فحدث)، بينما أنت ، تحت أغلال لغة الضاد الخرطومية ، تنتج أدبا يطرب جمهورك من أولاد و بنات العربسلاميين الذين تتأفّف منهم و لا تطيق تخلّيا( حتى أنك تشرح لهم أن ” العنقريب ” هو” السرير الخشبي في نصك القصصي ” حكاية الولد القروي”)، فتأمّل في” هكذا شقاء” كما يقول كتّاب” الجيل الجديد”، بدلا من ” شقاء كهذا” كما يعبر كتاب الجيل القديم. وهذا الشقاء ، شقاء القسمة بين ما هو حار و ما لا يُنْكَوى به،هو في مشهد الكاتب المعاصر ، قدر أدبي جليل أغبطك عليه بأكثر مما يفعل حاسدو القرد على حظوة الاحمرار في الموضع اياه.و صدّقني، ليس هناك لعنة أنفع للكاتب من ” لعنة حنّا” الذي تفرق دمه بين الاديان، و” لعنة حنّا” يا صديقي حكاية يحكيها أهلنا في النهود عن رجل نصراني رقيق الحال، قالوا أن بعض مسلمي المدينة في اربعينات القرن الماضي اقنعوه بترك المسيحية و اعتناق الاسلام ، و وعدوه بالدعم المادي واصلاح الحال .قالوا أن الرجل قبل و جاء الى المسجد و اشهر اسلامه يوم الجمعة ثم وافته المنيّة يوم السبت، و الأعمار بيد الله.قالوا أن أم حنّا كانت تنوح عند قبره و تردد:” يا حسرتي عليك يا حنا، عيسى غضبان عليك و محمد ما سمع بيك”.و يبدو أن مشكلتك يا صاح تتلخص في كون أهل الهامش الأفريقاني، لم يسمعوا بك، أو قل: لم يقرأونك( مهما كانت اللغة التي قد تتوجه بها اليهم)و ذلك لأنهم ببساطة لا يقرأون ، و معرفة القراءة امتياز طبقي في هذا البلد الجاف المتلاف . و هم ـ أهل الهامش ـ بالتالي لم يسمعوا بدفاعك المحموم عنهم، بينما أنت، في عزّ المسرح العربسلامي ،تناكف جمهوره و تسبّ أيقوناته التاريخية في عربية فصحى تطرب جمهور الصالة أيّما طرب، فيحتفى بك في مقام ” الآخر “، آخر اولاد العرب .و وضعية ” الآخر ” ، لو قبلت بها يا” أبابكر” ـ و أنا أظن آثما أنك تنتفع بمردودها السياسي الآني ـ فالرماد كال حمّاد ، ذلك أن وضعية ” آخر” العربسلاميين هي في الحقيقة هدية مسمومة غايتها صيانة استبعادك كدخيل أزلي على المركز،فضلا عن تكريس القسمة العرقية كأساس للقسمة الاجتماعية، ناهيك عن نكران التداخل المادي و الرمزي البالغ التركيب بين مكونات واقع المجتمعات السودانية. 
و حين أقول : أغبطك على” شقاء حنّا”، ففي خاطري أن مقام الكاتب الحقيقي هو في اختياره الواعي ، بعد القصد و الترصّد ،لأرض الأمور المشتبهات التي يتداخل فيها الحلال و الحرام و وقوفه، منبوذا و متعاليا في آن ، على برزخ حرج بين البيض و السود ، خائنا للعرب وخائنا للزنج ، و منفيا من الغابة ومن الـصحراء .. . هل قلت ” الغابة و الصحراء”؟ لا، عفوا ، فأهل ” الغابة و الصحراء” ، من الافندية السنارويين الذين قنعوا بسكنى صحراء العربسلامية الايديولوجية، استطابوا انتهاك الغابة الزنجية لزوم العربدة و الاستزادة من الدم الافريقي.(و ده الغتّس حجرهم في شبر موية الانقاذ الاسلامجي)، بينما أنت يا صاح تبني البيزنس السياسي بتاعك في الغابة الفنأفريقانية و تنتهز مشهد الصحراء انتهازا، تعربد عليه أمام جمهورك السودانوي، وتهجو رموزه الكبيرة بجرائر تاريخ لم يصنعوه ثم تنتظر الاعتذار. 

و شقاء كمال الجزولي كمان 

أقول: أن الاجابة الابداعية التي تطرحها في نصوصك الادبية لسؤال الاستبعاد، تستحق التأنّي بسبب التعارض بين بساطتها الظاهرة و مستوى التركيب الذي يميز بعض نصوصك السياسية لنفس السؤال.هل يمكن فهم هذا الامر بحداثة عهدك بأدب أولاد العرب المعاصر ،كما نوّهت في المقابلة مع الاستاذ أسامة عباس محرر ” الحرية ” الثقافي الحديث:”..لم أكن وقتها أعرف ما يسمى بالحداثة و الشعر الحديث و رؤيا العالم و ما أدراك( هذا في أوائل الثمانينات)و لكني لما نزلت على الخرطوم “..” تورطت في قراءات عشوائية في كافة مجالات المعرفة(أي انني كنت حاطب ليل).”..” و عبر” مجلة الثقافة السودانية ” التقيت بمحمد محي الدين الذي ساقني الى أسامة الخواض و محمد مدني و بقية الانجم..”. 
و أنا أفهم أنك لم تلتق بالكثيرين من الادباء السودانيين المعاصرين، كون معظمهم في تلك السنوات كان قد هاجر أو طرد أو بقي سنينا في معتقلات النميري زي كمال الجزولي مثلا .تعرف يا أبكر حين كان ناس الخواض و” بقية الانجم” الخرطومية يخوضون في البنيوية المترجمة و غير ذلك من أنواع الكلام المباح، كان كمال الجزولي من داخل المعتقلات يعالج الشعر في أمر الدولة التي تدبّر الكشّات ضد الشماشة و تلاحق فقراء المدينة و 
“تركض خلف نشال صغير لتحفظ الأمان، 
و حلف صبية صأوا .. 
كما القرود 
كرّا و فرّا في محطة الوقود 
بنَشَق يجود العامل الليليُّ ..ربما، 
أو.. لا يجود 
و خلف باعة زُُغب تقافرزا 
في زحمة السوق الكبير .. كالجرذان، 
و بعد كل غزوة 
رأيتها 
ـ الدولة ـ 
تقبض جُعلها المرصود 
من سادة السُّحت ذوي الزنود، 
يحلفون باسم الله، 
من دغش الصبح للمساء يحلفون، 
يذهبون للحجاز كل عام 
ـ كل عام يذهبون ـ 
و يرجعون حشفا و سوء كيل 
مثلما ذهبوا 
يطفّفون في الميزان 
…… 
….. 
بالسياط ، 
و بالألسن الحداد كالسياط ، 
رأيت العَسَسَ الوعّاظَ .. 
يحلبون التيس جهرة ، 
و يدخلون 
الجمل 
في 
سَم 
الخياط ” 
(1984)” تركية ، الكراسة الاولى من دفتر يوميات أم درمان” 
(أم درمان تأتي في قطار الثامنة، نشر دار العلوم ، دار التراث، 2004). 
هذا يا صاحبي بعض تفسيري لكونك لم تتعرف على شاعر من طينة كمال الجزولي” العربسلامي” الذي طاب لك أن ترجمه بالغيب ككاتب “يصدر من موقع آيديولوجي اسلاموعروبي”.. تقول:”و هذا الموقع ليس مجرد موقع حدوده الورق و المنابر الاسفيرية فحسب، و انما هو موقع مهيمن و في يده سلطة الدولة و مؤسساتها في السودان و مسنود بخلفية امبريالية اسمها العالم العربي”(أبكر آدم اسمعيل في بوست عبد الحميد البرنس بموقع سودانيز أونلاين المعنون ” تأملات في عالم سي جي الساخر” بتاريخ 1/1/2006 ). لكن الأدهى و أمر من كل هذا، هو أن شقاء كمال الجزولي لا ينتهي هنا كعميل سري لسلطة الدولة الاسلاموعروبية في السودان المسنودة بأمبريالية العالم العربي كمان. لا ، شقاء كمال الجزولي يمتد حين يتصدى للدفاع عنه عبد الحميد البرنس هيمسيلف، و عبد الحميد البرنس لمن لم يسمعوا به بعد هو حامي/حرامي سجيمان الذي يحسده عصام جبرالله ” على طولة باله” ، أو كما قال: ” أحسد البرنس على طولة باله و أحس كم الانسانية و الرهافة و الحساسية تجاه الآخرين في كل ما يفعله و كل عام و أنتم بخير” ( عصام جبر الله في تعليق بتاريخ 11 يناير على بوست البرنس المعنون ” مساهمات سابقة في بوستات سجيمان ، مبادرة ذاتية توثيقية” سودانيزأونلاين 11/1 )، 
نهايتو، لا تعليق على تعليق عصام جبر الله سوى أن ” حسد الناس مذاهب” و فيهم من يحسد البرنس على سواد وقعته. 
لقد شنّعتما ، يا أبابكر على كمال الجزولي، أنت و أخوك الكاشف البرنس، أسوأ تشنيع حين طاب لكما استخدامه ضمن استعراض أخرق فحواه اقتسام المشهد بين من يدافع عن كمال الجزولي و من يهاجم كمال الجزولي. عشنا و شفنا كمال الجزولي الذي أنفق زهرة العمر يدافع عن الشرفاء في السودان، و في أحلك شروط القهر السياسي، ينمسخ رهينة طيّعة تتنازعها أيدي حماة العربنة و حماة الزنوجة المتحالفين سرا بذريعة الانتماء للجيل” البان جديد”، و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه..
لكن يا” أبابكر”( تزوغ وين من اسم زي ده؟)، ده كلو كوم ،و قولك بأنك لم تقرأ أبراهيم اسحق الاّ في الالفية الجديدة ،كوم تاني. فهذا اعتراف لا يليق بقدر من يتنكب الدفاع عن ابداع أهل الهامش لأن ابراهيم اسحق في المشهد الادبي المعاصر يَمثُل كأحد أنصع ايقونات “ادب الهامش”، ان سلمنا بهذا المصنّف المريب في حق ابراهيم اسحق. تقول :” و كاتب مثل ابراهيم اسحق مثلا فأنا لم أقرأ له الا رواية واحدة في الالفية الجديدة و بحكم عملي في مركز الدراسات السودانية “. 
ترى من أي هامش ” جاء هؤلاء الناس؟” الذين يتأففون من ماركس و ينظّرون في ما بعد الحداثة ثم يجاهرون بجهلهم بأدب السودانيين؟ 
و كيف أوكل اليك حيدر ابراهيم علي ـ الشاقي القح ـ مسئولية التحرير في” كتابات سودانية” و أنت لم تقرأ شيئا لكاتب سوداني في أهمية ابراهيم اسحق؟ 
أبكر يا أخانا الذي في امريكا الشمالية ذات العماد.. 
لعلك لاحظت اني قاومت رغبة عارمة في قفل هذه الفقرة من كلامي بعبارة أمي المفضلة ” يا النبي نوح”، و ما ذلك الا لقناعة خفية من كونك ، مع الزمن ، قمين بتجاوز كل هذه المؤاخذات التي لمستها بين ثنايا نصوصك المبذولة على محاور السياسة و الادب في بلادنا.و أنا في انتظار ما قد يجيء من طرفك و سلام. 
حسن 

بوب مارلي الذي ملأ الدنيا ضجيجاً 3 – (من وحي بوب مارلي)

ب09-06-2013 10:21 PM

ما أسره إلي طيف بوب مارلي
(مانيفستو الراستا)

كيف حالك بوب Wag wan؟
سبقت حديثه تلك الضحكة العفوية التي تحمل في أغوارها أشجاناً وحنيناً وتمرداً؛ ونظر إلى الأفق يستشف منه الخيال.. وأخذ يسامر قرص الضوء المتسلل من النافذة، وداعب ضفائره وقال لي: لكم هي الشمس ساطعة والطقس جميل هذا الصباح، أتفاءل بالصباح، فهو ذلك الوقت الذي أكون حينها قد أتممت فيه رسالتي حين يطير طائري وأسري إلى أرض الميعاد:
One bright morning when my work is over,
Man will fly away home
image
إني أقف في الطريق الصحيح، طريق الحقيقة.. فلنتحد جميعنا ونرفع راية (الراستا) وراية الحب السرمدي؛ فالرستفارية هي ليست مجرد ثقافة، ولكنها الحقيقة البينة التي لا مراء فيها كما النهار لا يحتاج إلى دليل. طال غيابنا من أرض الميعاد، وما زال كاهل ذالك الأصلع القميء يقض مضاجعنا Crazy Baldhead، ولكن هيهات.. فنحن سنغرس الأمل في هذه الدنيا، ونحدث الارتجاج الإيجابي Positive Vibration لأننا لا نريد أن نحيا تلك الحياة السلبية، بل ننشد في سويدائنا دنيا جديدة وإحساساً جديداً.. أطلق العنان لضفائري غير مكترث لحزمة الذئاب (Wolf Pack) والرجرجة والدهماء. أرى أحلامي تبدو جلية، وفألي في الأجيال القادمة وفي أطفالنا.. فلنقل لهم الحقيقة.. فهم وحدهم الذين لم تتسمم أفكارهم بعد.. فالحقيقة مهما تكن مؤلمة، لكنها لم تكن يوماً خطيئة.. والحقيقية ستؤلمك من أي شخص يسديها لك، ولكن عليك تكبد تلك التي تستحق المعاناة .تحرروا يا شعوب الدنيا من أغلال الإمبراطورية البابلية، ومن قبضة ال سي آي إيه، ومن الرجعية والرأسمالية والإمبريالية ، فلنتفقد أي أمة تثأر من الأخرى؟ وما هي الحكاية برمتها، حيث أننا لا نعلم أي الفئتين هي الباغية؟ ومتى تضع الحرب أوزارها ومتى سيخبو أوارها؟ لا أحد يعلم.. كما يبدو أننا بين فكي الرحى، والتدمير واقع لا محالة فليس هناك مفر.

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم….. وما هو عنها بالحديث المرجم

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة……. وتضري إذا ضريتموها فتضرم

فتعرككم عرك الرحى بثفالها ……وتلقح كشافاً ثم تنتج فتئتم

المال لا يعني لي شيئا.. وفي آخر وصية كتبتها لابني (Ziggy) قلت له إن المال ليس باستطاعته جلب الحياة.. ثروتي الحقيقية هي ثروتي الروحية وثروة الحياة والخلود للأبد.. لا أؤمن بالملكية، ولكن أؤمن بكينونتي وبمشاركتي الإيجابية متأصلاً كل ذلك في الحب وسمو القيم الإنسانية على القيم المادية.. إني أرى في نفسي رسالة عليَ إيصالها، فلا تحملوني عبئاً فوق طاقتي.. ذيوع شهرتي قد سئلت عنه مرة، وأجبت بقولي إني أتجاوز نقمة الشهرة بأن لا أكون مشهوراً.. فأنا بالنسبة لنفسي غير مشهور؛ أنا مجرد رجل بسيط، أنا مجرد راستا، مجرد ثوري..
لقد ولدت في ذلك المكان أعلى التل في تلك القرية الريفية شمال جمايكا(St.Ann)

I was born in the country right on top of the hill I still remain, I know I still, I will

وسأظل دوماً ذلك الإنسان القروي؛ وأعلم أنني لن أحيد يوماً عن أصلي.. ويقولون إن اسمي بوب مارلي.. أنا لا أعرف اسمي حتى الآن!! وهل تظنون أنكم تحطون من قدري عند تجريدي من زهدي وبساطتي؟ إنكم ذهبتم بعيداً بانسياقكم للباطل.. نعم لقد أخطأتم السياق وأخطأتم التفسير بخيالكم العبثي.. فخذوا الشمس والقمر وخذوا دنياكم هذي فدنياواتنا كثر.. فشفاه الإنسان النزيه تعلم الكثير؛ والحمقى يموتون كمداً لافتقاد الحكمة.. فلتعوا أن الثراء الحقيقي للإنسان يكمن في موطنه، والثراء الحقيقي للرجل الصالح يكمن في مكانه الأثير. وها أنتم تعودون مجدداً لتنالوا من بساطتي، وتقومون بألاعيبكم القذرة وترمون بالورقة الخاسرة مجدداً. فأنا لا أحكم على الناس، وإن أذنبت فأني سأدفع جريرة ذنبي.. ومن أنت لتحكم عليَ وقبل أن توجه لي ادعاءك حاكم نفسك، و من جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى. ارفع رأسك أيها (الراستا) وانظر حولك هل أنت راض عن نسق الحياة التي تعيشها؟ ولتكن ذلك الإنسان الذي تبحث عنه؛ ولتكن ذاتك.. لأنهم سيرغمون على أن يحبوك على ما أنت عليه.. فأنك إن لذت بالفرار من جميع الناس لا تستطيع الفرار من ذاتك؛ واسمع ذلك الصوت والنداء الداخلي الذي سيهديك سبيل الرشاد.. فهناك نفحة صوفية تغمر المكان
There’s a Natural mystic blowing through the air
وإذا أنصتَ جيداً سيتحتم عليك سماعها.. ونقِب عن ذلك التمثال بين طيات الصخور؛ فأنك لن تفتقد الماء حتى تجف آباره.. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. ومن المرجح أن تكون قد أخطأت فلتقل لي لماذا لم يحالفك القدر للوصول للمكان الذي تنتمي إليه؟ إنهم يضربون عباب الذات، ويبحرون في رحلة الوجود بسفنهم الفضائية، ومع ذلك يبعدون ملايين الأميال من الحقيقة.. وهم لا يعبأون بك ولا بي.

You see man sailing on their ego trip
Blas off on their spaceship
Million miles from reality
No care for you, no care for me

إنك ستجد نفسك غريباً في هذه الدنيا التي انتهت فيها الفضيلة، وتحورت فيها القيم، وأصبح الصدق في عيون الناس مظنة.. ستعتورك الضبابية في ما يملأ ناظريك، وسترى كل الناس المحيطين بك متلبسين بالوحشية.. ولكن لا تيأس فإذا أغلق باب فتحت أبواب أخرى
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها …. فرجت وكنت أظنها لا تفرج
When one door is closed, don’t you know, another is open
كن قنوعاً بما أوتيت؛ وتعلم أن تبحث عن سعادتك بكبت رغباتك وشهواتك، عوضاً عن جعلها تسترسل.. إنك في هذه الدنيا لا تعلم من يمكنك الوثوق بهم.. فأصدقاؤك الحقيقيون هم أعداؤك اللدودون، وأعداؤك اللدودون هم أصدقاؤك الحقيقيون.. (ومِنَ العَـدَاوَةِ مَا يَنَالُكَ نَفْعُهُ ومِنَ الصَّـدَاقَةِ مَا يَضُرُّ ويُؤْلِمُ)؛ فبعضهم يشاركك الخبز والملح ولكن وراء ظهرك يطعنك.. فأصدقاؤك هم الوحيدون العالمون بأسرارك، وهم وحدهم الذين يمكنهم إفشاءها. وبعضهم يغمرك بمعسول كلامه ولكنه يضمر لك الكراهية في نفسه.. (فَلا تَغْـرُرْكَ ألْسِنَةٌ مَّـوَالٍ تُقَلِّبُهُـنَّ أفْئـِدَةٌ أعَـادِي)؛ فإن ألسنتهم تظهر لك الصداقة، وقلوبهم تبطن لك العداوة؛ فلا تغتر بظاهرهم (فإنَّ الجُرْحَ يَنْغـرُ بَعْدَ حِينٍ إذا كَانَ البِنَاءُ عَلَى فَسَـادِ)؛ فإنهم سيبطنون لك العداوة إلى حين تمكنهم الفرصة من القضاء عليك؛ فلا تعبأ بهم، فعندما تغيب القطط تلعب الفئران، وتموت الراستات في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب! وتلك هي الكلاب الحمقى التي تطارد الطيور.. Is the foolish dog, bark at the flying bird
وفي أعين الحمقى أن من بآذانهم صمم هم الحكماء.. وفي أعين الحكماء الحمقى درجات
So through the eyes of the fool, the deaf is wise
And through the eyes of the wise, the fools size

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم
و تعظم في عين الصغير صغارها *** و تصغر في عين العظيم العظائم

اعرف تاريخك واعرف مصيرك فأولئك الحمقى سيظمئون وسط ماء هتن
“in the abundance of water, the fool is thirsty.”
عظمة الإنسان تكمن في صدقه وقدرته على التأثير على الناس إيجابيا.. لا تتنازل عن قضيتك أيها (الراستا).. حافظ على إرثك الثقافي. إنها مجرد خطوة إلى جسر بابل، خطوة رجل واحد ستلهم الملايين؛ ولكن ابدأ بنفسك.. إننا على مرمى حجر من أرض الميعاد، ونحن على بعد أميال من الحقيقة. فاليوم الذي سنكف فيه عن التسابق، نكون قد كسبنا فيه السباق.. والسباق الذي يشق علينا فيه المسير نكون حينها في المقدمة. أعول عليكم يا (راستات) العالم.. فأنتم أملنا الموعود.. أنتم صورة للإنسان الحقيقي المتجرد من المساحيق.. أنتم اتحاد مع الطبيعة واتحاد مع عوالمكم الخلاقة. Man is a universe within himself.
أنتم في مختلف البلدان تملأون الدنيا ضجيجا، وستملأون الدنيا بالسلام كما تملأ المياه المحيطات.. أنتم روح واحدة؛ لا تدعوا التيار يحط من كبريائكم ويقتل رفاقكم؛ ولا تدعوهم يستغفلونكم ويغررون بكم أو يغيروكم أو يعيدوا صياغتكم.. حذار، وابقوا الصمود، ولا تمسوا زيفاً.. هكذا قالها لكم (الحوت) النبيل… فنحن لدينا عقولنا الوقادة والتي سوف نحررها من سلطان الخذلان.. نحن الوحيدون القادرون على تحرير أنفسنا، ونحن القادرون على استئصال الاستعباد الفكري. فليذهبوا إلى الجحيم إذ لم يحكموا الصواب فيما رأوا، نحن لدينا حبنا الذي لن يتركنا؛ فقد تجري الرياح بما لا نشتهي، وقد تأخذ منا ما هو عزيز؛ فلا تتباكوا على ما سلبتم إياه، ولتعلموا أن هبتنا الحقيقية هي الحب، لأن ما هو أصل حق لنا، لا يستطيع أن يتلاشى للأبد.. والحب لن يتركنا وحيدين؛ فلم أسمع بعالم لا يوجد فيه الحب. (أخواني في الحب.. أخواتي في الحب) Brothers in love..Sisters in love
إنهم لا يريدون أن يرونا متحدين.. يريدون لنا الاقتتال في ما بيننا.. فالدماء تسيل، وبلغ السيل الزبى، وقلوبنا ممزقة.. و JOHN قد رأى تلك الحقيقة منذ ذلك الزمن الآبه، ولكن سيأتي يوم يدفعون فيه ثمن هدر تلك الدماء البريئة. وليس هناك سبيل لأن ننسى تجنيهم بحق (ماركوس جارفي)، وتخاذلهم على (بول بوجل).. فسحقاً للأفاقين الذين يقتاتون من أحزاننا ويمشون على أجسادنا.. Woe to the downpressors.
أرهف حواسك لموسيقى الريجي فهي موسيقى روحية، فلتتنسم هواءها، ولتصغي إليها بوجدك وجسمك وروحك؛ فهناك من يشعر بالمطر، وهناك من يصيبه البلل فحسب. فمن يتوطد فيه الشعور، يدرك المقصد؛ ومن يدرك المقصد، ينشد النجاة.. فإن كنت تبغي النجاة، فاسلك عبابها، وأفطن أن السفينة لا تجري على اليبس. فكيف تقول لي إنك تكترث بأمرهم ، وكل يومٍ يتجرع فيه البسطاء العلقم؟ فأنت أيها المدعي لم يعتمل في قلبك الشعور (وَلِلنَّفْسِ أخْـلاقٌ تَدُلُّ عَلَى الفَتَـى أَكَانَ سَـخَاءً مَا أَتَى أَمْ تَسَـاخِيَا) .. (إذَا اشْتَبَهَتْ دُمُوعٌ فِي خُدُودٍ تَبَيَّنَ مَن بَكَى مِمَّن تَبَاكَى).. ولكننا سننجو في هذا العالم الذي تسوده المنافسة (Rat race world) حيث لا يهمنا ماذا يقولون وماذا يؤفكون.. دعهم في ضلالهم القديم، فهم يبنون عالمهم في تخبط ليفرضوا علينا إفك الشيطان، فسيزهقون روحك ويعذبون جسدك، ولتعلم أنك ستبقى حاضراً ملء الغياب؛ فالحجر الذي يرفضه البناءون لطالما كان حجر الزاوية الأمثل للتشييد؛ وكل ما يبرق في ناظريك، فهو نضال شعبنا.. نضال (الراستا).. ولكم الاحترام والتجلة يا أبناء شعبي العظيم (Top ranking) أرهف شعورك لموسيقى الحواري ولتدعها تعصف بعظامك.. وسوف تنقيك من الأدران.. فأفضل شيء في سماع الموسيقى أنها حينما تعصف بك لا تشعر بالألم.. فلتنسى همومك، ولترقص ولتنسى آلامك؛ ولترقص ولتنسى أحزانك ولترقص.. فموسيقاي ستعلمك أن تموت وأن تحيا لأجل مبدأ.. فلتناضل لأجل حريتك عوضاً عن أن تبقى مسجوناً طوال حياتك. ربما يكون في موسيقاي شيء من الشطط، ولكني على يقين بأنها ستخلد للأبد.
من وحي بوب مارلي

بقلم: عمار عبد المنعم خليفة

FactsHistory حضارة نوك – واحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا والعالم [حقائق أثرية


بقلم ليبرتي أدباء إفريقيا- 10 نوفمبر 2019 0 66

ميلادي
نظرًا لكونها واحدة من أقدم الحضارات في القارة الأفريقية ، امتدت ثقافة نوك في زمان العصر الحجري الحديث (العصر الحجري) وصعود العصر الحديدي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وفقًا للبحث الحالي ، فقد سبقت تأسيس روما قبل 500 عام على الأقل وكان مجتمعًا معقدًا ، مع استكمال المستوطنات الدائمة ومناطق الأراضي الزراعية والتصنيع. ومع ذلك ، لا يُعرف سوى القليل عن هوية النوكس ، وكيف تطورت ثقافتهم ، وما حدث لاحقًا للإشارة إلى زوالها.

نوك ديسكفري

حوالي عام 1943 ، تم حفر شظايا من الطين ورأس الطين أثناء عمليات تعدين الصفيح في الوديان الجنوبية والغربية لخوسيه بلاتو في نيجيريا. تم نقل القطع المكسورة من الاكتشافات الأثرية إلى بيرنارد فاج ، عالم الآثار ، الذي اشتبه على الفور أهميتها.

بعد ذلك ، بدأ جمع القطع بعد القطع ، أثناء التنقيب عن المزيد. باستخدام تقنيات جديدة ، اكتشف لاحقًا أن القطع الأثرية كانت في الواقع من مجتمع غربي إفريقي قديم يرجع تاريخه إلى ما قبل 500 عام على الأقل. سميت فاج هذه الثقافة نوك ، بعد قرية بالقرب من المكان الذي تم اكتشافه لأول مرة.

الهنود الحمر يحفرون الطين من الأرض

واصلت Fagg الدراسة والتنقيب عن المزيد من القطع ، وقدم موقعان بحثيان أكثر أهمية في Taruga و Samun Dukiya معلومات أكثر دقة وأهمية عن ثقافة Nok. مع التنقيبات الجديدة ، تم اكتشاف المزيد والمزيد من القطع الأثرية ، بما في ذلك منحوتات الفخار ، والفخار المحلي ، والفؤوس الحجرية ، وغيرها من الأدوات القديمة مثل الأدوات الحديدية.

ومع ذلك ، نظرًا لعدد لا يحصى من الأسباب ، بما في ذلك الفصل الاستعماري للمجتمعات الإفريقية القديمة ، وفي وقت لاحق ، سلسلة المشاكل التي تواجه نيجيريا المستقلة حديثًا ، ظلت المنطقة مهجورة. هناك عقبة أخرى أمام الحصول على مزيد من المعرفة بحضارة نوك وهي النهب الجماعي الذي يتم نيابة عن الجامعين الغربيين ، الذين غالبًا ما يشحنون هذه المجموعات إلى المتاحف الخاصة في الخارج.

عينة من الطين في متحف | AfrikaDey.Org
مجتمع معقد

لم يتم إجراء مزيد من البحوث المنسقة حول ثقافة نوك حتى القرن الحادي والعشرين. عندما أجريت في النهاية ، كانت النتيجة مذهلة ورائعة. تُظهر أحدث النتائج ، التي يرجع تاريخها إلى اختبار التلألؤ الحراري وتاريخ الكربون الراديوي ، أن ثقافة Nok استمرت ما بين 1200 ق.م. و 400 م ، ولكن لم يُعرف الكثير عن الكيفية التي بدأت بها أو ما الذي أنهىها.

تعد الأرقام الهائلة ، وكذلك البراعة الفنية التي شوهدت في منحوتات الطين ، مؤشرا على أن ثقافة نوك كانت مجتمعا معقدا ومتقدما للغاية. ويدعم هذا الادعاء بشكل أكبر وجود المصنوعات الحديدية (وهي مهارة تستغرق وقتًا كبيرًا وتتطلبها كثيرًا من قِبل الخبراء الذين يجب على الآخرين تلبية احتياجاتهم الأساسية من الطعام والملابس) ، وقد أظهرت النتائج الأثرية أن للنووك حياة مستقرة ثابتة. .

يرى بعض الخبراء أن توحيد رؤوس التراكوتا ، وهو مؤشر على مصدر وحيد للطين ، دليل قوي على وجود حالة مركزية جيدة التخطيط ، على الرغم من أنه قد يكون أيضًا مؤشرًا على بنية نقابة معقدة. تشير النقابات إلى مجتمع هرمي ، وليس بالضرورة مجتمعًا جيد التنظيم.

الطين على الشاشة
عصر نحاس خالٍ من النحاس

في حوالي 4-500 قبل الميلاد ، كان النوك يقوم بالفعل بصهر الحديد وتصميم أدوات الحديد. ينقسم علماء الآثار ما إذا كان هذا دليلًا على تطور مستقل أو ما إذا كانت المهارات قد تم استيرادها من الجنوب عبر الصحراء.

مزيج من الأدوات الحجرية والحديدية التي اكتشفت في بعض المواقع تضفي مصداقية على النظرية القائلة بأن مجتمعات غرب أفريقيا تخطت العصر النحاس بشكل ملائم. في بعض أجزاء القارة الأوروبية ، استمر عصر النحاس منذ ما يقرب من ألف عام ، ولكن في غرب إفريقيا ، يبدو أن المجتمعات قد تحولت مباشرة من العصر الحجري الحديث إلى العصر الحديدي ، على الأرجح بقيادة نوك.

تنقيب الطين
يعد رؤساء الطين في ثقافة نوك مؤشرا على الحياة المعقدة والمجتمع في غرب إفريقيا ، حتى في العصور القديمة. لكن الأسئلة باقية حول ما حدث بعد ذلك. إحدى النظريات الممكنة هي أن Nok تطورت في نهاية المطاف إلى مملكة Yoruba في Ife ، على الرغم من عدم إثبات ذلك.

تُظهِر النحاسية والتراكوتا في ثقافتي Ife و Benin أوجه تشابه مذهلة مع تلك المكتشفة في Nok ، لكن ما حدث فنيا في الفجوة التي استمرت 700 عام بين نهاية Nok وصعود مملكة Ife ستظل إلى الأبد لغزًا.

تدفق المهاجرين الأفارقة على إعادة تشكيل التحديات الأمنية في أفريقيا


من مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية
18 ديسمبر 2019

لا تزال ديناميكية تدفقات الهجرة الأفريقية السرية توفر للجماعات الإجرامية والعنيفة فرصًا للاستغلال.
لا يزال المهاجرون الأفارقة في حالة تنقل ، حيث يتم اعتراض ما معدله 78000 مهاجر أفريقي سري في السنة على الشواطئ الجنوبية لأوروبا بين عامي 2014 و 2019.
تدفق الهجرة إلى أوروبا هو مجرد وسيلة للحركة. في المتوسط ​​، ينتقل ما يقرب من مليون مهاجر اقتصادي أفريقي إلى أجزاء أخرى من القارة كل عام خلال نفس الفترة الزمنية.

الطرق الرئيسية للهجرة في أفريقيا
(انقر الصورة للتكبير.)
انتقلت بلدان المنشأ الرئيسية للمهاجرين الأفارقة المتجهين إلى أوروبا إلى شمال إفريقيا في الأعوام الستة الماضية

  • .
  • أفضل دول منشأ الوافدين الأفارقة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط
  • 2019 البيانات حتى 30 نوفمبر 2019
    مصادر البيانات: Frontex و UNHCR
    لا تزال رحلة الهجرة غادرة. كان هناك أكثر من 17000 حالة وفاة مسجلة في البحر الأبيض المتوسط ​​منذ عام 2014. وتعتقد الأمم المتحدة أن الهجرة السرية في أفريقيا هي ضعف عدد القتلى من عبور البحر.
    سواء كانوا يعبرون إلى أوروبا أو أجزاء أخرى من إفريقيا ، فإن المهاجرين الأفارقة الذين لا يستطيعون التنقل عبر القنوات القانونية يسافرون سراً وغالبًا ما لا يتعرضون لأي شكل من أشكال سوء المعاملة في رحلتهم وفي وجهتهم.
    خلقت الهجرة السرية في إفريقيا سوقًا مربحًا لتهريب البشر – تقدر قيمتها بنحو 765 مليون دولار سنويًا على طول طريق عبر الصحراء وحده. يتدفق جزء كبير من هذا إلى الجماعات المتطرفة الإجرامية والعنيفة ، الذين يستخدمون الأموال لتقويض الحكومات وزعزعة استقرارها.
    تشهد إفريقيا تدفقات المهاجرين السرية هذه ، حيث ينتقل عدد سكانها من الشباب والمتزايد إلى المدن وخارجها للبحث عن فرص التعليم والعمل. وبالتالي ، من المحتمل أن تستمر ديناميكية تدفقات الهجرة في المستقبل المنظور.
    يمكن للهجرة أن تحقق فوائد كبيرة – سواء من خلال زيادة توافر العمال الشباب أو التحويلات التي يساهمون بها في التنمية الاقتصادية في بلدانهم الأصلية. أصبحت التحويلات أكبر شكل من أشكال المساعدة المالية للبلدان النامية. في القارة الإفريقية ، كانت تضم 86 مليار دولار في عام 2019 ، بزيادة 4 مليارات دولار عن
  • 2018.

النضال الطويل للسود الأميركيين – نص مفصل – 2015

 Stampa  ترجمة 

النضال الطويل للسود الأميركيين

حلقة ليون تروتسكي – باريس في 19/06/2015

عناوين الفقرات

جذور اضطهاد السود

من العبودية إلى الفصل العنصري

المقاومة الأولى : الجمعية الوطنية لترقية الملونين وماركوس غارفي

الحركة العمالية وقضية السود

الاشتراكيون والشيوعيون

الحرب العالمية الثانية

انتفاضة أعوام 1950 – 1960

1955 : حركة الحقوق المدنية

من الحقوق المدنية إلى الانتفاضة

أمة الإسلام ومالكوم إكس

انتفاضة الغيتوات و السلطة السوداء (البلاك بور)

الفهود السود (البلاك بانتر)

الانتفاضة السوداء، فرصة ضائعة ؟

من تراجع السنوات 1970 إلى اليوم

بين الأزمة الاقتصادية والأزمة الاجتماعية

السجن كأفق

و الآن ؟

ملحق : ثورة الأميركيين السود، أمل للبشرية جمعاء

في 17 يونيو/ حزيران 2015، قتل تسعة أشخاص في كنيسة للسود في مدينة تشارلستون في كارولينا الجنوبية. القاتل شاب عنصري أبيض، 21 عاما، من مؤيدي الهيمنة البيضاء، أولئك الذين يحنون لنظام التفرقة العنصرية والفصل العنصري. وتأتي هذه المذبحة بعد سلسلة من جرائم قتل من قبل الشرطة تذكر بأن اضطهاد السود لم ينته في الولايات المتحدة. حيث قتل مايكل براون، 18 عاما، في فيرجسون من قبل شرطي لم ير القضاء ضرورة تقديمه للمحاكمة. اريك غارنر، 44 عاما، قتل خنقا في نيويورك من قبل شرطي لم يقدم إلى المحاكمة. جون كروفورد، 22 عاما، قتل على يد شرطي في سوبر ماركت في اوهايو، بينما كان يلعب بلعبة، ولم تر السلطات ضرورة لمحاكمته. تامير رايس، 12 عاما، قتل على يد شرطي في كيفلاند بينما كان يلهو بسلاح لعبة. والتر سكوت، 50 عاما، قتل بثماني رصاصات في الظهر، من قبل شرطي في ولاية كارولينا الجنوبية. فريدي غراي،، 25 عاما، عامله بقسوة حتى الموت ستة شرطيون في بالتيمور بعد أن كسروا عموده الفقري. والقائمة طويلة، ففي قلب القوة العالمية الأولى، وفي بلدي يفتخر بأنه موطن الحرية، تقتل الشرطة، أو ممثلين عنها كل عام المئات من الناس – ولا أحد يعرف عددهم بالضبط، فقد أحصت صحيفة بريطانية 500 حالة منذ يناير/ كانون الثاني 2015 ـ وهناك نسبة عالية منهم من السود، وكل ذلك دون مسائلة من العدالة معظم الاحيان.

وإنه لفي ظروف مماثلة، عام 1964، تفجر الوضع في غيتو هارلم، بعد مقتل شاب أسود على يد شرطي. وتبع ذلك سلسلة من الاضطرابات رافقت اندلاع انتفاضة السود. وقد جاءت هذه الهبة بعد عشر سنوات من النضال المستمر في سبيل الحقوق المدنية، وتلتها سنوات من الاضطرابات والحراكات المختلفة. في هذه الفترة ألغيت كافة قوانين الفصل العنصري وتمت الموافقة على الحقوق المدنية كما بدأت إعادة النظر بالتمييز العنصري. ففي السنوات 1970، وبعد عقدين من النضال تمكن الأفارقة الأمريكيون من الالتحاق بالشرطة في المدن الكبرى، وأصبح بعضهم بمرتبة عمدة وشريف وحتى نوابا في الكونغرس أو ضباطا في الجيش. وفي عام 2008 نتخب أسود للرئاسة (بارك أوباما). أليس ذلك – كما يشير بعض المهتمين – أفضل برهان على أن الولايات المتحدة قد تخلصت من اضطهاد السود ؟ ما نراه اليوم هو أن التمييز لا يزال ساريا في أمريكا، وكذلك التفرقة العنصرية وحتى العنصرية نفسها.

عن هذا التاريخ وعن هذه المسألة سوف نتحدث الليلة. أولا بالعودة إلى الجذور التاريخية لاضطهاد السود، ثم عن النضال الذي خاضوه في السنوات من 1950 – 1960 والتقدم الذي آل اليه نضالهم، وأخيرا عن كيف تدهور وضعهم من جديد خلال الأربعين سنة الماضية.

جذور اضطهاد السود

من العبودية إلى الفصل العنصري

كتب ماركس “إن العبودية المباشرة هي محور الصناعة البرجوازية كما الآلات والقروض، الخ. فمن دون العبودية لا يوجد قطن، وبدون القطن لا توجد هناك صناعة حديثة”. فكان لترحيل الأفارقة إلى الأمريكيتين هدفا اقتصاديا ألا وهو تكوين قوة عمل. ذلك لأن القوة العاملة المكونة من البيض والمستخدمة على نطاق واسع في بداية الاستيطان كانت أكثر تكلفة وأقل وفرة. في منطقة البحر الكاريبي، أعادت الرأسمالية ـ لحد ما ـ اكتشاف العبودية، وذلك بدءا من القرن السادس عشر، في مزارع قصب السكر حالتي أصبحت البقرة الحلوب للبرجوازية الأوروبية.

وفي أمريكا الشمالية تم احلال الاستغلال ذاته مع التبغ والقطن. وكان هدفه إثراء البرجوازية البريطانية بشكل خاص. فإن ما بدأ في الإطار الاستيطاني في القرن السابع عشر استمر ابتداء من السنوات 1780 في الولايات المتحدة، المستقلة سياسيا، ولكن حيث كانت المصالح البريطانية لاتزال حاضرة في الجنوب. إنه هذا التراكم البدائي لرأس المال، الذي تحقق بفضل تجارة الرقيق والسكر والقطن عبر الأطلسي، ما مكن البرجوازية من تحقيق ثرائها الخارق.

كانت عبودية الجنوب إذا نظاما اقتصاديا ضمن اللاستغلال الرأسمالي، وذلك لأن الملاك الزراعيين كانوا ينتجون لصالح السوق العالمية التي كانت في طور النشوء. ” ففي نفس الوقت الذي كرست فيه صناعة القطن استعباد الأطفال في بريطانيا”، يشير ماركس في “رأس المال”، “فإنها كانت تحول معاملة السود البطريركية ـ لحد ما ـ إلى نظام استغلال تجاري في الولايات المتحدة… إن رأس المال [قد جاء إلى العالم] وهو يتعرق الدم والطين من كل المسامات”.

كان السود الأمريكيون إذا أساس التنمية الاقتصادية للولايات المتحدة، وكان معظمهم يعيش في الجنوب وقد شكلوا الأغلبية في بعض الولايات. وشكلت بضعة ألاف من العائلات البيضاء برجوازية الملاك الزراعيين. وبالتالي فإن غالبية البيض من غير البرجوازيين لم يكن لديها مصلحة مباشرة في استغلال السود. لكن الملاك الزراعيين كانوا يحرضون فقراء البيض ضد السود، بهدف تمكين هيمنتهم عليهم. وقد أشار إلى ذلك داعية إلغاء العبودية، فريدريك دوغلاس، في قوله : “في كثير من الأحيان، كان دعاة العبودية يروجون لفكرة أن تحرير العبيد ينحو لوضع العامل الأبيض بمساواة الزنجي، محفزين بذلك الاحساس بالاعتزاز لدى الرجل الأبيض. فمكنهم هذا الأسلوب من جعل البيض الفقراء ينسون أنهم، بنظر مالك العبيد، على بعد خطوة حتى يصبحوا نظراء للعبيد”. وحتى في الشمال كان العمال البيض يعارضون إلغاء العبودية وذلك لأنهم كانوا يخشون من أن يؤدي دخول السود المحررين سوق العمل إلى خفض أجورهم.

منذ حرب الاستقلال عام 1776، كانت البرجوازية متكيفة تماما مع العبودية السائدة في الجنوب وذلك لأنها كانت مكملة نوعا ما للاقتصاد ألرأسمالي القائم على العمل المأجور في الشمال. حتى أنهم تمكنوا من إبتكار حل وسط مشين لكيفية تمثيل مالكي العبيد في الجنوب داخل المؤسسات الفيديرالية : فقد أخذ في الاعتبار عدد العبيد في كل ولاية، وبقدر ثلاثة أخماسهم فقط.

ولكن الصراعات بين الشمال والجنوب قد تصاعدت في منتصف القرن التاسع عشر. فمن جهة كانت فكرة إلغاء العبودية تتزايد في الحلقات الليبرالية في الشمال. ومع أن السلطة السياسية لولايات الجنوب كانت راسخة على المسوى الفيديرالي إلا أن الملاك الزراعيين كانوا بحاجة لمساحات جديدة صالحة للزراعة، فكانوا يشعرون بالقلق إزاء وضع الاراضي الجديدة المستوطنة في الغرب : هل سوف تكون أراض “حرة” أم استعبادية ؟ كما كان الصراع اقتصاديا أيضا : كان القطن ينتج في الجنوب لكن النصيب الأكبر من الأرباح كان يعود إلى الرأسماليين في الشمال، من خلال أنشطة النقل والتخزين والصناعة. كما كانت برجوازية الشمال في تنافس مع البرجوازية البريطانية التي كان الملاك الزراعيين في الجنوب مرتبطين بها. إن هذا الصراع ما كان خلف اندلاع الحرب الأهلية، أكثر من مشيئة تحرير العبيد : وبعبارة أخرى، كان ذلك أيضا استمرارا للحرب بين الولايات المتحدة من جهة، ممثلة ببرجوازية الشمال، وبين بريطانيا العظمى المرتبطة بالملاك الزارعيين في الجنوب.

وفتكت هذه الحرب بالبلاد من عام 1861 إلى عام 1865، مخلفة، ففي بلد تعداده 30 مليون نسمة، 600.000 قتيل. وابراهام لينكولن، عندما انتخب في عام 1860، لم يعد بإلغاء العبودية، ولكنه كان معارضا لتوسع العبودية إلى غرب الولايات المتحدة، وبالتالي فإن انتخابه كان يهدد التوازن الفيديرالي. لهذا السبب انفصلت 11 ولاية جنوبية عن الاتحاد الفيديرالي. فجاءت الحرب بهدف الحفاظ على الاتحاد وليس لإلغاء العبودية. وللتمكن من الفوز بالحرب التي كانت نتيجتها متأرجحة، ذهب لينكولن إلى حد بإلغاء العبودية في الولايات الانفصالية في العام 1863، مقوضا بذلك اقتصاد الجنوب مع انضمام 200.000 من العبيد إلى جيش الاتحاد ورحيل 300.000 آخرين إلى الشمال. وبذلك أصبح إلغاء العبودية سلاحا بيد الشمال، وهكذا فان الحرب التي بدأت ضد الانفصال قد تحولت إلى معركة في سبيل تحرير العبيد. ولينكولن لم يتراجع أمام هكذا قرار.

عندما انتهت الحرب في عام 1865، كانت العبودية قد ألغيت لـ4 مليون أسود. لكن حربا جديدة قد بدأت وذلك لمعرفة ما ستؤول إليه ظروفهم. فهم أحرار من الناحية النظرية، وقد غادر العديد منهم حقول القطن وسعوا للاستفادة من الحقوق الجديدة : حق التصويت وحق شغل مختلف الوظائف التمثيلية المنتخبة (قضاة، شرفاء/عمدة، ممثلين في مجالس الولايات وحتى في الكونغرس الفيديرالي) والتمتع بعدالة منصفة وبالتعليم العام المجاني. وقد استفادوا من ذلك في البدء، خلال فترة “إعادة الإعمار الجذري”، وهذه الفترة قد ذكرت في رواية هوارد فاست “طريق الحرية” ـ 1944. وكان السود مسيسين إلى حد كبير خلال هذه الظروف، وغالبا ما تنظموا جنبا إلى جنب مع فقراء الجنوب البيض، كما في نقابات المزارعين المستأجرين والعمال الزراعيين. وكان هذا دليل عن عدم وجود أي طابع وراثي للاختلاف بين السود والبيض، إذ إن هذا التعارض كان من إرادة وصنيعة المالكين.

ولم يتأخر رد فعل الملاك الزارعين والسياسيين العنصريين البيض. وخصوصا في منتصف 1870، بعد أن استقر موطئ قدم رأس المال الكبير في الجنوب عن طريق شراء مساحات كبيرة من الأراضي، ومع إتمام الحكومة الفيديرالية لاتفاق مع ولايات الجنوب. إذ ان الساسة البرجوازيين الشماليين لم يكونوا ينظرون بارتياح إلى تحالف الفقراء البيض والسود. فسحبوا الجيش من الجنوب وتركوا السود دون أي دعم. فنظم الكو كلوكس كلان (Ku Klux Klan)، الذي تشكل عام 1866، حملات إرهاب ضدهم وضد الفقراء البيض الذين كانوا يرفضون الابتعاد عن إخوانهم الطبقيين.

وبدأ تطبيق نظام الفصل العنصري : فأصبح هناك “قواعد سوداء” تكرس دونية السود قانونيا. إن استمرار اضطهادهم بعد العبودية يعود قبل كل شيء إلى كونه أساس اقتصاد الجنوب الذي ارتكز دائما على القطن. فكان الملاك الزراعيون يستغلون العمالة السوداء كما كانت هذه الحالة توفر للبيض وظائف كمشرفين في قوات الأمن وامتيازات صغيرة اخرى. لكن هذا الأمرلم يغير شيئا مهما لغالبية الفلاحين الصغارمن البيض، غير أن هناك دائما من هم أفقر منهم. وكانت الوظائف المخصصة للبيض وسيلة لأرباب العمل للاحتفاظ بولائهم، مع الحفاظ على أدنى الأجور. ففي حال مطالبتهم بزيادة الأجور، كانوا يهددونهم باستبدالهم بعمالة سوداء.

أما بخصوص البرجوازية الشمالية التي باتت مهيمنة، فإنها تآلفت جيدا مع هذا التفاوت. حيث وافق الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين، كما السلطات الفيديرالية وغيرها من مؤسسات السلطة، على الفصل العنصري ودافعوا عنه لعقود. وقامت البرجوازية البيضاء بفعل كل شيء لإحلال هذا الشكل الجديد لهيمنتها معتمدة على الأطر الاجتماعية الموروثة من العبودية. إن جذور اضطهاد السود هي سياسة الطبقات الغنية : الملاك الزراعيين في الجنوب ولكن ايضا البرجوازية بشكل عام.

كرس الفصل العنصري من خلال سلسلة قوانين صدرت في الجنوب والمسماة بـ “جيم كرو” (Jim Crow). فعلى المستوى الفيديرالي، لم يكن هناك تميز قانوني على أساس اللون أو العرق. ولكن في الواقع كان هناك سلسلة من التدابير التمييزية بحق السود. وكان الشكل الأعنف لهذه العنصرية المؤسساتية، ودون أدنى شك، هو الإعدام الغوغائي، أي الإعدام الفوري ودون محاكمة.

فبين عامي 1877 و1950، طال الأعدام الغوغائي 4000 أسود، أي بحدود واحد كل أسبوع. كان ذلك شكل من أشكال الإرهاب : كان على السود البقاء في أماكنهم خشية عقوبة الموت. وهكذا فقد أعدم أسود لأنه لم يقل كلمة “سيدي” (مستر) لشرطي، وآخر لأنه رفض نزع زيه العسكري بعد عودته من الحرب. فلم يكن ممكنا حتى عام 1950 تحدي سيطرة البيض دون التعرض إلى التوقيف أو الضرب أو الاغتيال أو الحرق حيا، الخ. وكان المنفذون لهذه الاعدامات الغوغائية عموما لا يلاحقون قضائيا، إن لم يكونوا أنفسهم من رجال الشرطة أو من القضاة. وبطريقة أخرى، كانت المحاكم نفسها تتبع أسلوب الإعدام الفوري، ففي عام 1945 أعدم بهذا الأسلوب أسود متهم باغتصاب امرأة بيضاء، وذلك بعد مرافعة لدقيقتين ونصف. وقد لاقت هذه الممارسة الدعم من قبل أعلى السلطات. ففي عام 1894، برر أسقف المسيسبي لهذه الإعدامات قائلا : “إن القوانين بطيئة جدا والسجون مليئة للغاية”. كما تعرضت مغنية البلوز بيلي هوليداي (Billy Holliday) للتنكيل طيلة حياتها من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي والعدالة الأمريكية وذلك لأنها استنكرت الإعدام الفوري بأغنية “الفاكهة الغريبة” (Strange Fruit) عام 1939، والتي ألفها الشيوعي هابيل مروبول (Abel Meeropol) وتقول : “أشجار الجنوب تحمل فاكهة غريبة / دم على الأوراق ودم في الجذور / جسد أسود يتأرجح في نسيم الجنوب / فاكهة غريبة تتدلى من أشجار الحور”.

وكان للفصل والاضطهاد العنصري أشكال أخرى مثل الفصل في السكن والمدارس وأماكن العمل ووسائل النقل والحانات ودور السينما والحدائق العامة والمستشفيات وجميع الأماكن العامة بشكل عام. فعلى سبيل المثال، في ولاية ألاباما هناك قانون يذكر ويحدد : “كل مطعم أو أي مكان آخر يقدم به الطعام سيكون غير قانوني إذا لم يوفر صالات منفصلة للبيض وللملونين أو بالأقل عبر فصل المكانين بحاجز سميك يمتد بارتفاع سبعة أقدام كحد أدنى وعلى أن يكون هناك مدخلا منفصلا لكل مكان. كان السود محرومين من كثير من الحقوق، بما فيها حق التصويت الذي، رغم وجوده نظريا، كان نادرا ما يتطبق.

المقاومة الأولى : الجمعية الوطنية لترقية “الملونين” وماركوس غارفي

قبل انتفاضة الأعوام 1950 و1960، أخذت المقاومة أشكالا مختلفة. ففي أعوام 1890، وفي عدة ولايات جنوبية، جمعت “أحزاب الشعب” صغار المزارعين الفقراء، من السود والبيض المتحدين سوية في غالب الاحيان، لمكافحة تدهور ظروفهم المعيشية وخطر الافلاس. وكان العديد منهم يشير إلى أن العنصرية تفرق الفقراء وتعزز الأغنياء. لكن حركتهم هزمت وتراجعت حقوق السود مرة أخرى في ولايات عدة.

ومن جهة أخرى، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، تحرك بعض السود ضد الإعدام الغوغائي وتم تشكيل منظمات سياسية. كان أقدمها “الجمعية الوطنية لترقية الملونين” (NAACP). كانت هذه الجمعية الإصلاحية الهامة، والتي أسست عام 1909 بعد إعدام غوغائي جماعي، تنظم المرافعات أمام القضاء وتقوم بحملات ضد الجوانب الأكثر نفورا للفصل والاضطهاد العنصري. وكانت تضم 50.000 عضوا في عام 1940، و500.000 عضوا في عام 1946 . لكنها كانت منظمة برجوازية على مستوى قيادتها، ومناهضة للحركة العمالية، وترفض استخدام القوة حتى في مجال الحقوق المدنية. ولكن الذين انضموا إليها كانوا بحاجة إلى مقدار من الشجاعة، وإن كان ذلك للقيام بمرافعات قانونية ضد التمييز ولمواجهة الدكتاتورية الشرسة التي كانت تمارس ضدهم.

وبسياسة مختلفة أسس الجامايكي ماركوس غارفي، وبنجاح، “الرابطة العالمية لتطوير الزنوج” (UNIA) في غضون الحرب العالمية الأولى حيث خاض 400.000 جنديا التجربة الصعبة للفصل والاضطهاد العنصري داخل الجيش. فعند عودتهم من الحرب كان الـ “كو كلوس كلان” في خضم التجدد، وقد تميز صيف عام 1919 بأحداث عنف عنصري تمثلت في كثير من الأحيان بهجمات عنيفة من قبل العنصريين البيض ضد السود. اجتماعيا كان غارفي محافظا يدافع عن الرأسمالية وفي صراع ضد النقابات وضد الشيوعية. لكن خطابه كان مسموعا من السود وخاصة في الولايات الشمالية. كان يقول لهم بضرورة الافتخار بلونهم، وبأن الرب اسود، وبأن البيض هم الشياطين. كان يناضل في سبيل اتحاد الـ 400 مليون من السود الأفارقة، وسود الكاريبي وأمريكا، وذلك من أجل العيش في أفريقيا بعد تحريرها من الاستيطان الأوروبي. وكان معظم أتباعه لا يعرفون شيئا عن أفريقيا ولم يطمحوا العيش فيها.

وكما اشار تروتسكي، فإن نجاح غارفي يعبرعن التطلع لإنهاء هيمنة البيض، وأن الرجوع إلى أفريقيا يحقق فكرة أن السود بإمكانهم الإفلات من هذه الهيمنة. فعندما كانت امرأة سوداء تخاطب الامرأة البيضاء التي دفعتها في الحافلة قائلة : “يوم يكون ماركوس في السلطة سوف تنالون المعاملة التي تستحقونها أنتم البيض”، فإنها لم تكن تفكر بإفريقيا ولكن بالولايات المتحدة حيث يعيش السود منذ أجيال. كان تنظيم غارفي يضم عشرات الآلاف من الأعضاء والملايين من المؤيدين.

لم يتخوف أنصار الهيمنة البيضاء من أفكار غارفي لأنه كان مع الفصل العنصري وضد الحقوق المدنية ـ ولكنهم كانوا يتخوفون من الأمل الذي كان يمثله بالنسبة للملايين من السود.

وفي عام 1925، ألقي القبض عليه، وسجن لمدة سنتين بتهمة الاحتيال والتلاعب على القانون، وتم ترحيله إلى جمايكا. فتفكك حزبه وانحل تاركا فراغا مكانه. ولكن، في سنوات الـ 1930، فإن منظمات كأمة الإسلام، والتي سنتناولها لاحقا، كانت قد بدأت تتجذر في مدن مثل ديترويت وشيكاغو، قبل أن تتطورا سريعا. وكانت هذه المنظمات مدفوعة بأفكار مماثلة لأفكار غارفي وكانت أحيانا تضم نفس النشطاء.

الحركة العمالية وقضية السود

أما بالنسبة للحركة العمالية، فإنها قد اصطدمت بمسألة اضطهاد السود منذ تأسيسها في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. كانت هذه الحركة مبنية على أسس فئوية، ضمن كفندرالية نقابية سميت بالفيدرالية الأمريكية للعمل (AFL) والتي هيمنت من العام 1880 إلى العام 1930. كانت هذه الحركة متألفة من نقابات حرفية تسعى بشكل أساسي للدفاع عن مصالح أعضائها، من العمال المهرة، وذلك في إطار الرأسمالية الأمريكية. وكانت هذه النقابات ترفض تنظيم العمال غير المهرة، فكيف الأمر مع السود. وكان كثير من قادتهم يضيفون في نظامهم الأساسي بنودا تمنع السود من الانتماء النقابي. وبالتالي فإنهم كانوا يؤيدون ويساهمون بنشر الاضطهاد العنصري الذي كان يمارس من قبل المجتمع والدولة والمؤسسات التي تحمي امتيازات البرجوازية الكبيرة.

وكان هناك، لحسن الحظ، استثناءات لهذه القاعدة. ففي الجنوب، كانت نقابة عمال المناجم “عمال المناجم المتحدة”، التي تأسست في عام 1890، تضم 20.000 عاملا من السود في صفوفها، وكانت تناضل في بعض الأحيان ضد الفروق في الأجور وفي الرتب بين السود والبيض. ولكن سحق هذا النضال في بداية القرن العشرين. كما شكل السود ثلث منتسبي نقابة عمال الموانئ التي تأسست في عام 1902. وبعد الحرب العالمية الاولى، كانت نقابة ناشري الخشب في لويزيانا مفتوحة أيضا للسود، ولهذا فإنها قمعت بوحشية. وأخيرا، تأسست منظمة “عمال العالم الصناعيين” (IWW)في عام 1905 في معارضة للعمل النقابي المحافظ الذي تقوم به الفيدرالية الامريكية للعمل (AFL). وكانت تضم العديد من الاشتراكيين في صفوفها وتناضل من أجل عمل نقابي “صناعي”، بما معناه أنه يقوم بتنظيم كل العمال بغض النظر عن مهارتهم وجنسهم وأصلهم الوطني ولون بشرتهم. لم توافق هذه النقابة أبدأ على تنظيم فروع نقابية منفصلة. وقد نظموا حملات لكسب العمال السود، وقد يصل عدد المنتسبين اليها من السود الى 100.000 من مجموع المليون منتسب في كل تاريخ النقابة. وبعد أن عارضت هذه النقابة ببسالة مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، فإنها قد انحسرت تحت ضربات القمع.

كان معظم السود يعيشون في الجنوب. ولكن البلاد شهدت تغييرا كبيرا. وذلك منذ الاعوام 1910. فقد خلقت العديد من فرص العمل في الشمال الذي كان يسير بخطى سريعة نحو التصنيع. فغادر نحو مليون أسود الجنوب نحو الشمال، وقد تسارعت هذه الهجرة خلال الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1944 كان ثلث السود يعيشون في الشمال، كما هو الحال في شيكاغو وفي الغرب وفي لوس انجلس. وفي هذه المناطق، كان يمارس التمييز والفصل العنصري بدون غطاء قانوني. فقد كان السود يعيشون بعيدا عن البيض وكانت والدولة نفسها تشجع هذا الفصل والتمييز. ففي سنوات الـ 1930، كانت سياسة الدولة الفيديرالية بتمويل هذا الفصل والتمييز في السكن، فبينما كان المهاجرون من أصول مختلفة مختلطين، تم تشييد مبان محددة للسود بعيدا عن مباني البيض. فمنعت بهذا الشكل سلطات روزفلت الاختلاط بين السود والبيض في الاحياء والمدارس. ومن جهة أخرى، لم تكن العنصرية حكرا على الجنوب. فالروائي ريتشارد رايت (Richard Wright)، الذي نشأ في ولاية الميسيسيبي، روى ما حل بعائلته التي جاءت لتعيش في شيكاغو في عام 1927 : “كانوا يرمون الطوب على نوافذ بيوتنا والقمامة على أطفالنا في سبيلهم إلى المدرسة، إلا أن انتهى الأمر بتفجير القنابل أمام أبوابنا”.

وقام اتحاد النقابات (CIO)، الذي أسس في عام 1935 في سياق موجة من الإضرابات وفي مواجهة فئوية نقابات الفيدرالية الامريكية للعمل (AFL)، بتنظيم السود أيضا. لكن الشركات الشمالية الكبرى كانت تضعهم في موقع المنافسة مع العمال البيض وأحيانا بنجاح. كان السود دائما يحتلون الأعمال الأكثر صعوبة وكانت بعض الشركات تغلق أبوابها تماما أمامهم. أو بالعكس، كانت تستغلهم كجيش احتياطي، فتشغلهم في حالة نقص في اليد العاملة أو في حال نشوب إضراب أو بهدف الضغط على أجور البيض. فوصلت الأمور إلى حدوث حالات غريبة كإضراب خط الترامواي في فيلادلفيا عام 1944 ضد ترقية السود الذين تعلموا القيادة. وفي ديترويت، تعرضت صناعة السيارات لإضرابات مماثلة في عام 1943 وكانت المدينة مسرح أعمال عنف عنصرية رهيبة عندما هاجم البيض الذين وصلوا حديثا من الجنوب السود الذين كانوا قد وصلوا لتوهم أيضا، مما أسفر عن مقتل العشرات.

الاشتراكيون والشيوعيون

وبخصوص الحركة الاشتراكية فقد كان لديها تقليد بمعارضة اضطهاد السود. وبالفعل، ففي عام 1853 عندما شارك جوزيف ودماير، رفيق كارل ماركس، في عصبة العمال الامريكيين في شيكاغو، كانت إحدى قواعدها، الجريئة جدا في ذلك الحين، هي بأن “جميع العمال الذين يعيشون في الولايات المتحدة، ودون تمييز في المهنة واللغة واللون او الجنس، بإمكانهم أن يصبحوا أعضاء”. وكان مناصري الاممية الاولى، والمرتبطين بماركس في اغلب الاحيان، في الاعوام 1860 و1870 يناضلون ضد اضطهاد السود ايضا. وكان هذا حال اجيال الناشطين من بعدهم والذين كانوا يرون بوضوح كيفية استخدام الرأسمالية الامريكية للتفرقة والتميز العنصري بهدف زيادة استغلال كل العمال. في بداية القرن العشرين، من الصحيح أن الحزب الاشتراكي كان يضم جناحا يمينيا عنصريا. ولكن القادة الاخرين في الحزب كانوا يكافحون العنصرية داخل الحركة العمالية، كما كان حال أوجين دبس (Eugène Debs) الذي كان يرفض إلقاء خطاب أمام جمهور مفصول فيه السود عن البيض، وكان ينظم نشاطات ضد محاولات الحزب الديمقراطي للحد من نيل السود لحق الانتخاب.

وقد شكل أيضا الحزب الشيوعي، ومنذ تأسيسه عام 1919، منظمات تناضل ضد اضطهاد السود. وكانت الأممية الشيوعية تشدد على فرعها الأمريكي بضرورة الانتباه للمشاكل الخاصة بالعمال السود وبالنشاط في أوساطهم وبالدفاع عنهم في أوساط العمال البيض. وفي عام 1922 اعتمد المؤتمر الرابع للأممية “المقترحات حول مسألة الزنوج”. وكانت تستبق الدور الرائد الذي سيلعبه بروليتاريا السود الأمريكيين مقارنة مع البيض. فقد أشار البيان “بأن المشاركة الواسعة للزنوج في الصناعة بعد الحرب وروح التمرد التي أيقظتها فيهم الممارسات الوحشية التي كانوا ضحيتها، تضع زنوج امريكا وخصوصا زنوج امريكا الشمالية في طليعة نضال افريقيا ضد الاضطهاد”. لقد أعطت الاممية اولوية لهذا النضال، فقد كان على اعضائها النضال من أجل المساواة السياسية والاجتماعية كما كان عليهم النضال كي توافق النقابات على عضوية السود فيها، وفي حالة رفضها فعليهم مساعدة السود في تشكيل منظمات خاصة بهم. قام الحزب الشيوعي بحملات كما هو الحال في قضية شباب سكوتسبورو (Scottsboro) في عام 1931، وهم ثمانية شباب من السود كانوا ملاحقين في ولاية آلاباما بتهمة اغتصاب شابتين من البيض في حين أنهم كانوا ابرياء من ذلك. وكان قد حكم عليهم بالإعدام بعد محاكمة دامت يوما واحدا، وكانت الجمعية الوطنية لترقية الملونين لا تريد الدفاع عنهم فقام الحزب الشيوعي بحملة عالمية وتمكن من تبرئتهم، الامر الذي اكسبه ثقلا لدى جماهير السود.

وفي بدايات سنوات الـ 1930، طالب الحزب الشيوعي بحق تقرير المصير للسود وإقامة أمة سوداء في “الحزام الاسود” (Black belt) وهي مجموعة من المقاطعات في الجنوب حيث كان السود يشكلون أغلبية السكان. وفي عام 1933، وخلال نقاش مع ناشطين أمريكيين من تياره، شدد تروتسكي على ضرورة الدفاع بقوة عن حق السود في تقرير مصيرهم : كان يقول بأن السود “لهم الحق الكامل في تقرير المصير، إذا رغبوا في ذلك وسوف ندعمهم وندافع عنهم بكل الوسائل المتاحة لنا في سبيل الحصول على هذا الحق، كما ندافع عن كافة الشعوب المضطهدة”. وكان يشدد على مسؤولية العمال البيض “الاوغاد الذين يضطهدون السود والمتعاونين الصفر ويحتقرونهم ويقومون بالإعدامات الغوغائية”. لقد كان تروتسكي يعتقد بأن على ناشطي تياره عدم المطالبة بإنفصال “الأمة السوداء”، كما كان ينادي به الحزب الشيوعي، بل عليهم معارضة ذلك وطرح سياسة أخرى. فإنه كان يعي القوة التفجيرية الكامنة لدى الجماهير السوداء. وكان يقول، متمثلا بثورة عام 1917، بأن الروسيون كانوا بمثابة سود اوروبا. فمن المحتمل جدا أن يصل السود أيضا، عبر مسألة تقرير المصير، إلى دكتاتورية البروليتاريا في بضع خطوات عملاقة، وذلك قبل أن تصل إليها كتلة العمال البيض الكبيرة.” وكان يشدد على ضرورة عمل النشطاء الامريكيين في تياره داخل جماهير السود وعلى أن يناضلوا في كل مكان من أجل التآخي الطبقي.

أما الحزب الشيوعي فسياسته قد تبعت تعرجات سياسة الاممية الشيوعية الموجهة من قبل ستالين. وابتداءا من عام 1935 فإنها تبنت سياسة الجبهة الشعبية المملاة من قبل موسكو والتي كانت تترجم بدعم الحكومات البرجوازية ضد هتلر. وهكذا فإن الحزب الشيوعي أثناء الحرب العالمية الثانية قد دعم الجهود العسكرية الامريكية وعارض مسيرة للسود إلى واشنطن من اجل حقوقهم. وكان يضع كل شيء وراء خدمة مجهود الحرب، بما في ذلك الحق في الإضراب والنضال من أجل الحقوق المدنية. وبينما كان روزفلت يرفض أي تشريع لمكافحة “الاعدام الغوغائي”، فقد كان الحزب الشيوعي يدعمه. وهكذا فقد خسر المئات من الناشطين السود الذين كانوا قد التحقوا به وأربك عددا أكبر أيضا. دفعت هذه السياسة اولئك الأكثر تمردا والأكثر نشاطا من بينهم إلى تنظيم أنفسهم منعزلين وعلى اسس طوائفية /عرقية وساعد ذلك على الحفاظ على هوة بين العمال البيض والسود.

الحرب العالمية الثانية

خلال الحرب العالمية الثانية تم تعبئة ثلاثة ملايين اسود وأرسل 500.000 منهم إلى ما وراء البحار. وعلى حد تعبير الناشط من اقصى اليسار ك. ل. م. جيمس (C.L.R. James) : “في كل مرة يجب أن تهدر الدماء يرى قادة هذا البلد أنه على الزنوج هدر دمائهم […] لقد حرموا [الزنجي] من حق التصويت وقد خصصوا له أسوء الأعمال وأسكنوه في أحياء مزرية فقيرة ثم مورس بحقه الإعدام الغوغائي ولكنهم عندما يريدون أن يموت الناس من أجل “الديمقراطية”، فكونوا متأكدين بأنهم سوف يأتون للبحث عن الزنوج”. رجع العديد من الزنوج مستائين حيال التمييز الذي عانوا منه في الجيش، فحتى شبكة “نقل الدم” كانت تخضع للفصل العنصري ! وبعد القتال من أجل “الحرية” بما في ذلك في البلدان التي كان يختلط فيها السود مع البيض، فعند رجوعهم إلى بيوتهم كانوا معرضين “للإعدام الغوغائي”. ومن جهة أخرى فإن الحرب قد جلبت مئات الآلاف من السود إلى ساحل المحيط الهادي أو إلى الشمال حيث تحولوا إلى عمال. وحتى في الجنوب فقد تناقص عدد السود العاملين في حقول القطن وتكاثر عددهم في المدن. فظهرت العديد من الإشكال الجديدة للمقاومة. فعلا سبيل المثال وفي فبراير/ شباط 1946 في كولومبيا في التينيسي، اندلع نزاع بين أبيض وأسود وكان الأسود متغلبا، وعندما دخل أربعة من رجال شرطة بيض إلى الحي، قام السكان باطلاق النار عليهم. وأظهرت العديد من الحوادث الأخرى بأن السود لم يعودوا قابلين للخضوع.

نظرا للاحتجاجات، اتخذت المؤسسات الفيديرالية بعض الإجراءات التي لم تتحقق غالبا. ففي عام 1944 منعت المحكمة العليا الانتخابات التمهيدية المخصصة للبيض. وفي عام 1954 منعت الفصل العنصري في المدارس وطالبت إنهاء تطبيقه “بكل السرعة اللازمة”. وبعدها بعشر سنوات فإن 2,3% فقط من الأطفال السود كانوا في مدارس مدمجة.

إن حركة الحقوق المدنية لم تنفجر في سماء هادئة. فمقاومة الاضطهاد العنصري التي بدأت في السنوات 1930 و1940 قد تحولت في عام 1955 إلى موجة عميقة ومستمرة، بأشكال وبإيقاعات مختلفة، لمدة حوالي 20 عاما.

انتفاضة أعوام 1950 و1960

1955 : حركة الحقوق المدنية

في صيف عام 1955 في ولاية الميسيسيبي، تم إعدام إيميت تيل بشكل غوغائي، وهو مراهق بالغ من العمر 14 عاما، وذلك لأنه أطلق صفيرا لامرأة بيضاء. خاضت والدته صراعا لاستعادة جثة ابنها للعودة بها إلى شيكاغو، حيث كانت تعيش. فتحت التابوت، وأظهرت للجمهور الجثة المشوهة بفظاعة، حيث نشرت الصحافة الصور، وفي سبتمبر/ أيلول، تمت تبرئة القتلة الاثنين. لقد استمرت المداولات 67 دقيقة، ذلك مع حسبان الوقت الذي أمضته لجنة التحكيم، المؤلفة بأكملها من البيض، في استراحتها لشرب الصودا… وحضر 50.000 شخصا جنازة ايميت تيل في شيكاغو وكانت ملايين أخرى مستاءة من هذه الحالة التي ترمز إلى ما عاشه العديد منهم.

في هذا السياق، في 1 ديسمبر/ كانون الاول 1955، في مونتغمري بولاية ألاباما، ألقي القبض على روزا باركس لرفضها التخلي عن مقعدها لأبيض على متن حافلة. كان هناك بالفعل العديد من الأعمال المماثلة، التي لم ترتئ الجمعية الوطنية لترقية الملونين أن تتابعها، وذلك لأن شخصية الأفراد لم تكن تعتبر مناسبة. وكما أوضح سكرتير قسم مونتغمري، بأن روزا باركس، الناشطة من أجل الحقوق المدنية منذ اثنا عشر عاما، “كانت متزوجة… صافية أخلاقيا، وكانت تربيتها جيدة”. “كنت قد عملت بجد طوال اليوم”، هذا ما أوضحته هذه الخياطة البالغة 43 عاما. “وظيفتي هي خياطة الملابس التي يرتديها البيض”. لقد أصبحت الرمزا الذي اتخذه سود مونتغمري لأنفسهم، ثم رمزا لسود البلاد كلها. وفي فترة مقاطعة حافلات المدينة، كان 50.000 أسود يسير يوميا وفي كثير من الأحيان لمسافة عدة كيلومترات من منازلهم أو كان ينقل بعضهم البعض للذهاب إلى العمل. لم يبقى ذلك لمدة أسبوع أو شهر، بل امتد لفترة 381 يوما. وتم سجن مائة من منظمي حركة المقاطعة، عبثا. وانفجرت أربع قنابل في كنائس السود، عبثا. الامر أدهش بيض مونتغمري، وكذلك النشطاء السود. فانتهى الأمر بأن تقوم المحكمة العليا بحظر الفصل العنصري في وسائل النقل العامة.

إن حركة المقاطعة في مونتغمري لم تكن بداية الصراع، فهو كان جاريا حينها. لكنه كان الدليل على إمكانية فوز السود. وبالتالي فقد أعطى زخما قويا لمعركة الكفاح من أجل الحقوق المدنية طوال عقد من الزمن. وأصبح مارتن لوثر كينغ القائد الأساسي للحركة. وكان لوثر كينغ قسا بروتستانتيا، ذو 26 عاما، وكان ينحدر من البرجوازية الصغيرة السوداء ـ والده كان قسا لأكبر كنيسة معمدانية في أتلانتا ـ وحائزا على دكتوراه. وكان يعتمد على المشاعر الدينية لدى العديد من سود الجنوب. فمنذ العبودية، شكلت كنائس السود المؤسسات الوحيدة لدى السود المعترف بها حقا وقد شكلت المراكز الأساسية لمقاومة الاضطهاد.

وكان لوثر كينغ يقود منظمة مسيحية من أجل الحقوق المدنية اسمها “مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية” وكانت مستندة إلى هذه الكنائس. وكان يرد على العنف باللاعنف والنشاط الجماهيري، متبعا تقاليد غاندي. لقد كان شجاعا من الناحية الجسدية، حتى عندما فخخ الكو كلوكس كلان بيته. لكنه كان إصلاحيا حيث كان يؤمن بالحوار مع السلطة في سبيل تحسين الأمور، وكان يعتقد بأن الدولة، على الرغم من عنصريتها، قد تضطر للدفاع عن مصالح السود.

في الجوهر، لم يكن مارتن لوثر كينغ مختلفا كثيرا عن المدافعين عن قضية السود منذ نصف قرن. إن ما تغير هو أن السود لم يعودوا خائفين إذ كانوا يشاركون في انتفاضة واسعة.

في البداية، وحتى منتصف الأعوام 1960، اتخذت هذه الحراكات أشكالا مماثلة، وكانت تتبع مبدأ اللاعنف السلمي، كمقاطعة الحافلات والمحلات. وفي عام 1960 جلس طلاب في جرينسبورو بولاية كارولينا الشمالية في حانة مخصصة للبيض فقط، وخلال أيام انتشر احتجاجهم وشارك نحو 70.000 طالب أسود في هذه النشاطات. وألقي القبض على 3600 منهم، دون أن يؤثر هذا على إصرارهم.

ثم، وابتداء من عام 1961، اختلط البيض والسود في “سفرات الحرية” (Freedom Rides)، كانوا سوية في نفس الحافلة متوجهين إلى الجنوب واستخدموا قاعات الانتظار والكافيتريات ودور المياه دون التقيد بالقيود العنصرية، وذلك تحديا للفصل العنصري. فتعرضوا لهجوم من قبل مجموعات مرتبطة بالكوكلوكس كلان وذلك باللكم والضرب بالقضبان الحديدية. والشرطة، بدلا من حمايتهم، كانت تتركهم يتعرضون لهذه الأعمال، أو حتى تلقي القبض عليهم، ولكن ذلك لم يمنعهم من الاستمرار. وفي ألباني بولاية جورجيا، كانت المدينة تضم 23.000 أسودا، سجن 700 منهم لمشاركتهم في مقاطعة الحافلات والمكتبة التي كانت هي أيضا تخضع للفصل العنصري. وكان السجناء من الخدم والعمال والأمهات وحتى من أطفال المدارس. وعندما طلب قائد الشرطة – بعد إلقاء القبض على حشد كبير- أسماء المتظاهرين، كان أمامه طفل يبلغ من العمر تسع سنوات، فأجاب الطفل : “حرية حرية”.

ومع ذلك، فقد استلزم الأمر سنوات من النضال قبل أن يبدأ الفصل العنصري في المؤسسات العامة بالانتهاء بين عامي 1963 و1965.

وكان الفصل العنصري نظاما قديما بشكل بالغ، فكان بإمكان البرجوازية تماما أن تتكيف مع إعادة النظر فيه. ولكن الفصل العنصري القانوني كان سيستمر لولا هذه الحركة الجماهيرية. فعلى سبيل المثال، عندما أصبح كندي رئيسا في عام 1961، فإنه كان على استعداد لتمويل كنائس السود ومارتن لوثر كينغ. ولكنه كان يؤكد أن أولويته كانت الحرب الباردة والصراع ضد الشيوعية، وليس العدالة العنصرية. فالحزب الديمقراطي الذي ترأسه كان ولفترة طويلة الحجر الأساس من الناحية السياسية للفصل والتمييز العنصري في الجنوب. وعلى سبيل المثال، في ولاية الميسيسيبي، كان السود المسجلين في القوائم الانتخابية 6% فقط في عام 1963، عندما اغتيل كندي. كان كندي يقوم بالإطراء على قادة الحركة السوداء، وكان يناقش مع هذا وذاك. ولكن ذلك كان للتحكم بهم بشكل أفضل، وليس من أجل تحقيق مطالبهم.

في برمنغهام في ألاباما، تم سجن 3300 شخص خلال شهر أبريل/ نيسان 1963 فقط. وكانت هذه المدينة رمز العنصرية الجنوبية، وأدى الحراك لانطلاق موجة من الاحتجاجات على نطاق مختلف. ففي جميع مناطق الجنوب، نزل السود إلى الشوارع رغم خطر التعرض للضرب ولخراطيم المياه ولكلاب الشرطة والطرد من العمل والاعتقال والموت. كان الناس من مختلف الأعمار وفي جميع المدن منخرطين في الكفاح. في عام 1963، ألقي القبض على 20.000 شخص، أي أربعة أقدار العدد في عام 1960. وفي 28 أغسطس/ آب 1963، تجمع 250.000 شخص في واشنطن احتجاجا على الفصل والتمييز العنصري. وهنا القى مارتن لوثر كينغ خطابه الشهير “لقد حلمت” ( have a dream). وهو لم يتطرق إلى الغضب الذي كان يشعر به العديد من السود، وقد أسكتت كل الانتقادات اللاذعة ضد للحكومة. فأصدر الكونغرس وبسرعة قوانين لصالح الحقوق المدنية. ولكن تنفيذ القوانين استغرق وقتا طويلا، وكان على السود مواصلة النضال خلال متبقي الستينات.

فعلى سبيل المثال، في سيلمى بولاية آلاباما، التي كانت رمزا لاستبعاد السود من التصويت، نجح 335 أسود من أصل 15.000 من البالغين السود في المدينة بتسجيل انفسهم في القوائم الانتخابية، أما البيض الذين كانوا أقل عددا منهم، فكانوا يشكلون 99 % من الناخبين.

كان حاكم ولاية آلاباما، والاس، عنصريا من الحزب الديمقراطي ولم يكن يخفي ذلك بإعلانه : “الفصل والتمييز اليوم. الفصل والتمييز غدا. الفصل والتمييز إلى الأبد “. أما شريف سيلمى، فقد كان يشهر الهراوات والبنادق بوجه السود. وخلال مظاهرة في فبراير/ شباط 1965، قتل شاب أسود على يد الشرطة. وقد فرقت الاحتجاجات التي اندلعت بعنف من قبل الحرس الوطني : فقد تم مطاردة المتظاهرين وضربهم بالهراوات وجلدهم كما في أيام العبودية، ودهسوا بخيول الجنود. أثارت أحداث سيلمى موجة من التمرد في كل البلاد. فصدر قانون جديد يمنع مختلف الاجراءات التي تحول دون تسجيل السود في القوائم الانتخابية، مثل اختبارات القراءة والكتابة واختبارات معرفة الدستور، أو الاختبارات عن الأخلاق الحميدة.

كان الحزب الديمقراطي في السلطة في معظم أعوام 1960، مع كندي ثم جونسون. عمل جونسون كل ما في وسعه لخنق حراك السود. كان يترك مطلق الحرية للحكام الديمقراطيين الذين كانوا يقمعون الحراكات بوحشية في ولايات الجنوب. كما رشح العنصري والاس نفسه إلى الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي وحصل على ثلث الأصوات. إن اعتماد بعض القوانين لصالح الحقوق المدنية في فترة حكم جونسون، مثل حق السود في التصويت عام 1965، لم يتم بفضل تأييد جونسون أو الكونغرس لهذه الحقوق. بل عكس ذلك، فقد كان جونسون يعتمد على مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي كان يديره إدغار هوفر منذ عام 1924، وهو الشرطي العنصري والمعادي اللدود للشيوعية. زكانوا يهددون لوثر كينغ والعديد من الناشطين الآخرين في قضية السود بهدف زعزعتهم. فموافقة الحكومة والكونغرس الأمريكي على تشريعات الحقوق المدنية فذلك ليست إلا نتيجة الضغط الناتج عن الانتفاضة الجماهيرية للسود.

وجاءت أحداث سلمى بعد عشر سنوات من النضال السلمي. فمن ناحية، كان حراكا إضافية؛ ومن ناحية أخرى، كان دليلا على أن حركة الحقوق المدنية كانت في طريق مسدود. فاللاعنف الذي بشر به مارتن لوثر كينغ والجمعية الوطنية لترقية السود وكنائس السود كلها قد فشلت. فانتهت هذه الحركة، لتبدأ بعدها انتفاضة كبيرة وأقل سلمية.

من الحقوق المدنية إلى الانتفاضة

على مدى عدة سنوات كان هناك نشطاء يعارضون نبذ العنف. على سبيل المثال، روبرت ف. وليامز، ناشط أسود من مونرو بولاية كارولينا الشمالية. ففي هذه المدينة، كان المسبح البلدي مغلقا أمام السود، وكان أطفالهم يسبحون في نهر خطير. وبعد غرق طفلين في النهر في عام 1961، بدأ روبرت وليامز اعتصاما وتجمعا على باب المسبح. فسرعان ما تجمع البيض وهم يهتفون “اقتلوا الزنوج ! اقتلوا الزنوج !” (Kill the Niggers). كان وليامز العسكري السابق يشرح بأن على السود الدفاع عن انفسهم بالسلاح. فإنه أفضل وسيلة لحماية النفس، وتجنب التعرض للعنف. فلا ينبغي على السود إعطاء الخد الآخر. وكان يشرح بأن الرجل الأبيض اذا ما خاف من فقدان حياته (التي يعتبرها الأجدر) عند محاولته قتل رجل أسود (الادنى منه، باعتباره)، فإنه لن يقدم على قتله. وقام وليامز بتنظيم السود في مدينته للدفاع عن أنفسهم بالسلاح. فأدانت موقفه الجمعية الوطنية لترقية الملونين وتم تعليق عضويته واضطر لمغادرة المنطقة ومن بعدها البلاد للجوء إلى كوبا حيث قام بإحياء برنامج على الراديو كان يستمع إليه العديد من سكان جنوب الولايات المتحدة الامريكية، وكان عنوان البرنامج “راديو ديكسي الحرة” أي راديو الجنوب المتحرر من التمييز العنصري.

وفي كوبا، في عام 1959، أدت حرب العصابات التي قادها كاسترو بالإطاحة بديكتاتورية باتيستا، دمية الولايات المتحدة. فأعطي للسود مكانة مساوية لمكانة البيض، وهذا ما لاحظه الناشطون الأمريكيون السود الذين ذهبوا إلى هذه الجزيرة. وبالإضافة إلى ذلك، ففي هذه الجزيرة الواقعة على بعد 150 كم فقط من السواحل الأميركية، رفض كاسترو الرضوخ لمشيئة لسلطة كندي الذي نظم حملة عسكرية ضد كوبا في عام 1961، ولكنها لاقت هزيمة سريعة. وعندما ذهب كاسترو إلى نيويورك في عام 1960، تم استقباله استقبال الابطال في هارلم. فكان من شأن الثورة الكوبية لعب دور في الحركة السوداء الأمريكية، كما حصل مع حركات التحرر الأخرى، لا سيما في البلدان الأفريقية التي كانت تثور ضد الوصاية الاستعمارية. وهكذا تم الترحيب أيضا بالمصري عبد الناصر في هارلم في عام 1960 بعد بضع سنوات على تأميمه قناة السويس ووقوفه في وجه القوى الغربية.

وكمثال آخر فلنأخذ اغتيال باتريس لومومبا في عام 1961، هذا الزعيم الوطني الكونغولي الذي وقف بوجه القوة الاستعمارية البلجيكية السابقة، والذي أدى اغتياله، بدعم من بلجيكا والولايات المتحدة، إلى إثارة سخط السود الذين كانوا يربطون بين النضال ضد الاستعمار في أفريقيا وبين كفاحهم.

إن الفكرة الداعية لتوقف السود عن الاعتماد على اللاعنف تم الإعراب عنها بأشكال متعددة في النصف الثاني من الأعوام 1960، بينما كانت حركة الحقوق المدنية لاتزال مستمرة. فعلى سبيل المثال، في ولاية لويزيانا، هناك مثالا آخر للدفاع عن النفس من قبل “الشمامسة للدفاع والعدالة” (Deacons for Defense and Justice). ففي منطقة يسيطر عليها الكو كلوس كلان، أسست هذه المجموعة من السود في عام 1964 جماعة مسلحة لحماية المدافعين عن الحقوق المدنية وأسرهم. وكان معظم هؤلاء الناشطين من المحاربين القدامى الذين استخدموا مهاراتهم العسكرية لهزيمة الكو كلوكس كلان.

أمة الإسلام ومالكوم اكس

وكانت أمة الإسلام إلى حد بعيد أكبر منظمة سوداء في الشمال من بين تلك التي ترفض اعطاء الخد الآخر. لقد بدأت بتأسيس عصبة في ديترويت في عام 1930، قبل أن تتوسع. لقد كانت بقيادة اليجاه محمد، واستعادت أمة الاسلام بعض الأفكار من غارفي، كفخر السود وكراهية البيض. وكانت في البداية مكونة من بضع مئات من الاعضاء، ثم غدت تبيع 500.000 نسخة من أسبوعيتها في بداية اعوام 1960. وكانت حقا منظمة جماهيرية ناشطة جدا، أقرب إلى الحزب منها إلى الكنيسة في بعض النواحي، وكانت تضم أفقر السود، لا سيما في شمال البلاد، وكانت تعطيهم بعض الثقة وتحثهم للدفاع عن انفسهم. وعندما انضم الملاكم الشاب كاسيوس كلاي، بطل العالم في الوزن الثقيل، إلى أمة الإسلام في عام 1962، قام بتغيير اسمه إلى محمد علي، وأوضح: “إن هذا التغيير قد أعتقني من الهوية التي أعطيت لعائلتي من قبل أسياد العبيد”. شكلت أمة الإسلام ميليشيات خاصة بها سميت بـ”فاكهة الإسلام”. لقد كانت تجند شبابا فقراء وحتى من الجانحين الاحداث (أصحاب السوابق) وهذا ماكانت ترفض القيام به دائما “جمعية ترقية الملونين”. في سيرته الذاتية “كل حياتي، ناضلت”، يلخص الناشط التروتسكي الامريكي سام جونسون كيف التقى بالمسلمين السود مرارا، حيث كانوا يلومونه على تسريح شعره على شاكلة البيض : “إن هؤلاء الأخوة من أمة الإسلام كانوا الأوائل في التبيين لي عن استعدادهم للدفاع عن حقوقهم. عندما نكون وحيدين ومعزولين، فهذا واقع، ولكن الأمر هنا يتعلق بمنظمة تتحدث عن محاربة المشاكل التي نلاقيها جميعا”. إن هذا يلخص تجربة مئات الآلاف من السود، وخاصة في أحياء الغيتو الشمالية.

وكان مالكوم إكس إحدى الشخصيات الرئيسية للمسلمين السود. وكان أباه أحد أتباع غارفي الناشطين، وقد قتله الكو كلوكس كلان. ومالكوم، الذي ولد تحت إسم ليتل وكان من الجانحين الأحداث في صغره، قد تسيس في السجن حيث اعتنق الاسلام وغير اسمه إلى مالكوم اكس، واكس تعود لاسمه الأفريقي الذي لم يعرفه أبدا. فأصبح أحد زعماء أمة الإسلام. وكان يدين اللاعنف على أنه جبن وغير فعال، موضحا أنه على السود الدفاع عن انفسهم : “العين بالعين، السن بالسن، وحياة بحياة. إن كان هذا ثمن الحرية، فإننا لن تتردد عن دفع الثمن.”

وفي 26 أبريل / نيسان 1957، اعتقلت شرطة نيويورك مسلما أسود وضربته بشدة. وفي الساعات التي تلت ذلك، في منتصف الليل، قام مالكوم اكس، الذي كان يترأس مسجدا في حي هارلم، بتعبئة ما يصل إلى 4000 شخص للحضور أمام مركز الشرطة. فحصلوا على أن يتلقى السجين للرعاية في المستشفى. وكان هذا نصرا، كان ذلك دليلا على أن السود، إن تنظموا وبإرادة، فبإمكانهم الفوز دون التعرض للضربات. دعي مالكوم إكس للظهور في وسائل الإعلام الرئيسية، وبدأت الشرطة أيضا تراقبه وتحاول اختراقه أمنيا.

كان مالكوم إكس رجلا يتمتع بشخصية لافتة وذو شعبية واسعة جدا، مما حجب الأضواء عن أليجاه محمد، ولكنه بقي مواليا له، على الرغم من الخلافات المتكررة بينهما. وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1963، عندما أغتيل كندي، أعلن مالكوم إكس “أن الدجاج يعود إلى حظيرة الدواجن”، أي أن كندي حصد ما زرع، وأنه “باعتباري صبيا قد ترعرع في الريف، لم أحزن يوما على عودة الدجاج إلى حظيرة الدواجن، إن ذلك كان يفرحني دائما”. كان ذلك إعلان حرب على حكومة الولايات المتحدة، وكذلك على اليجاه محمد الذي كان يخشى القمع. فقام اليجاه محمد بطرد مالكوم إكس الذي أسس منظمة سياسية خاصة به، وعلى عكس مارتن لوثر كينغ، لم يكن مالكوم إكس يسعى لا لحل وسط مع الدولة ولا لاندماج السود. كان يطالب قبل كل شيء بالانفصال عن البيض. وكان ذلك يعني أنه لا مانع لديه من أن تقوم البرجوازية البيضاء، ودولتها، بقمع العمال البيض، شريطة أن تدع البرجوازية الصغيرة السوداء تبني سلطتها الخاصة بها وفعل الشيء نفسه مع العمال السود. كان التوجه القومي للمسلمين السود يدفعهم للمطالبة بتواجد متاجر وشركات يملكها السود فقط في أحياء السود، وأن يعود مال مجتمع السود في المقام الأول لأرباب العمل السود.

أغتيل مالكوم إكس في عام 1965، 15 شهرا بعد طرده من أمة الإسلام وبموافقة محمد اليجاه. وكان مالكوم إكس في خضم تطوره الفكري. فبعد الحج إلى مكة بدأ يوضح بأن جميع البيض ليسوا “شياطينا”، وبدأ يعلن مناصرته للاشتراكية. كما بدأ يرى بأن قومية السود تؤدي بهم إلى طريق مسدود، وشرع يبحث في اتجاهات مختلفة ولا أحد يعلم ما كان سيؤل إليه تطوره. وكان مليئا بالتصميم للمضي إلى نهاية المطاف، وهذا ما يفسر تأثيره على جيل كامل. وإذا كان موته قد أراح المدافعين عن النظام الاجتماعي، فإنه مع ذلك قد احتفظ بمكانة كبيرة بين جماهير السود. فـ”سيرته الذاتية” قرأها مئات الآلاف من الناس، وكان يسمع تسجيلاته جمهور أوسع بكثير من صفوف المسلمين، وذلك لأن خطابه كان يتوجه إلى العديد من السود، وخاصة في الجنوب، الذين كان عليهم أن يتنظموا عسكريا في سبيل الدفاع عن أنفسهم، كما فعل روبرت ف. ويليامز.

انتفاضة الغيتوات والسلطة السوداء (والبلاك بور)

عندما اغتيل مالكولم إكس، كانت الانتفاضة تتفجر في غيتوات المدن الكبيرة. في حينها، كان نصف السود يعيشون في الشمال حيث كان السود يشكلون سدس سكان نيويورك وربع سكان شيكاغو وثلث سكان ديترويت. وكانوا، في هذه المدن، ضحايا للعنصرية والبطالة والتمييز في العمل، وذلك بتشجيع من قبل أرباب العمل وأحيانا بتواطؤ بعض النقابات. وكما رأينا، فقد تم بناء غيتوات حقيقية مؤلفة حصرا من السكان السود حيث كان أغلبهم فقراء، وبمقابلها أحياء مخصصة للسكان البيض. وكان الفصل العنصري يمارس أيضا في المدارس. وحتى حينما كان يمكن للسود ممارسة حقهم في التصويت، فقد كانوا عرضة للاستغلال والبؤس. وكان عنف الشرطة ضدهم لا يتعرض للعقاب في معظم الأحوال. فعلى سبيل المثال، فقد أودت شرطة لوس انجليس بحياة 65 شخص أسود خلال عامين ونصف العام.

وفي تموز/ يوليو عام 1964، عندما أقدم شرطي على قتل شاب أسود عمره 15 عاما، اشتعل حي هارلم في نيويورك. وجاء هذا العصيان بعد اسبوعين فقط من اعتماد قانون الحقوق المدنية (Civil Rights Act) الذي حظر ممارسة التمييز العنصري، وكانت تلك طريقة العصاة للقول بأنهم لايتأملون شيئا من هذا القانون، ولا يعتقدون به. وفي غيتو واتس في لوس انجليس، اندلع العصيان في 11 آب / أغسطس عام 1965 على وقع ممارسة الشرطة اعتداء على شاب أسود واستمر العصيان هذا ستة أيام، وتم خلاله مهاجمة الشرطة والبيض. فتم إلقاء القبض على 4000 شخص وقتل 34 وجميعهم من السود. وكان ذلك ايضا أسلوب العصاة، بعد عدة أيام من صدور قانون حق الانتخاب، للتعبير عن عدم ثقتهم به. وكانت أعمال العنف هذه ذات طابع جماهيري، حيث شارك فيها حوالي 80.000 شخص. وفي شيكاغو، قتل ثلاثة سود خلال أعمال العنف عام 1966. وفي كليفلاند، من نفس العام، تم قتل أربعة. وفي ديترويت، في عام 1967، قام الجيش بقمع عصيان ذهب ضحيته 43 قتيلا و1200 جريحا وتم اعتقال 7200 شخص ودمر أكثر من 2000 مبنى. واستمر هذا حتى أواخر الستينيات.

وكان شعار البلاك بور مستوحى مباشرة من انتفاضة الغيتوات هذه، بدءا من انتفاضة واتس. ثم تبنت العديد من المنظمات هذا الشعار ولكن الانتفاضة هي التي منحته الحياة. فتبنته “لجنة التنسيق اللاعنفية للطلاب” (SNCC) التي كانت تنظم منذ عام 1960 الاعتصامات في المطاعم والمحلات التجارية. وكانت هذه اللجنة بقيادة راب براون الذي كان يقود حملة ضد حرب فيتنام وهو صاحب مقولة “العنف هو من انتاج أمريكي كما حال فطيرة الكرز”، وكان يطلب من السود بتصويب بنادقهم ضد الحكومة. وقاد اللجنة ايضا ستوكلي كارمايكل، وهو ناشط شاب في الحقوق المدنية اعتقل عشرات المرات خلال الاعتصامات و”رحلات الحرية” والمظاهرات السلمية.

وسرعان ما تم التنديد بـ”لجنة التنسيق اللاعنفية للطلاب” ليس فقط من قبل الصحافة، بما في ذلك صحافة الليبراليين البيض، ولكن أيضا من قبل الجمعية الوطنية لترقية الملونين. فشعار البلاك بور كان يتعارض مع سياسة الاندماج التي كانت تدافع عنها هذه الاطراف. ان شعار البلاك بور الذي لاقى نجاحا سريعا، كان بشكل ما امتدادا وتجذرا لحركة الحقوق المدنية. فبعد حصولهم على المساواة القانونية، بدأ السود بتوحيد صفوفهم لزيادة قوتهم الاقتصادية والسياسية. وعلى اختلاف تياراتها، كانت حركات البلاك بور تقع ضمن الحركة القومية السوداء، وليس ضمن حركة الصراع الطبقي. فـالبلاك بور لم تكن تطمح للإطاحة بسلطة الطبقة البرجوازية البيضاء – كما أنها لم تكن لديها الامكانية للقيام بذلك. وبشكل ما كانت تمثل أيضا مصالح البرجوازية الصغيرة السوداء التي باتت تريد جني حصتها. ولكن على أية حال، لم يكن هناك أية جهة فعالة تدافع عن وجهة النظر الثورية البروليتارية في الولايات المتحدة، ولم يكن هناك من يطرح على الحركة السوداء هذه السياسة. فكان لا مفر من ولادة الحس القومي لدى السود وذلك لأن الاضطهاد الذي عانوا منه كان يحمل دائما صورة الرجل الابيض. فاختلطت بذلك انتفاضة السود الاجتماعية ضد الاستغلال والبؤس مع انتفاضتهم ضد التمييز العنصري.

لكن نجاح البلاك بور كان يعبر عن شيء آخر غير الشعور القومي. فهو يعبر عن تجذر وعي وحراك الملايين من الرجال والنساء الذين بلغوا مستوى في التسييس وفي الانخراط في النضال، فجعلهم على استعداد لتلقي الضربات والمخاطرة بوظائفهم وبحياتهم. وكتب تيارنا السياسي في عام 1967 : “إن الولايات المتحدة [… ] تعيش حربا اجتماعية فتاكة وقد أخذت شكلها الأكثر راديكالية، ـ أي الانتفاضة المسلحة في المدن، وهو شكل كان قد اختفى من أوروبا منذ فترة طويلة وبدى أنه لن يعاود الظهور في البلدان ذات “المستوى المعيشي المرتفع”. فالمشهد في واتس لا ينقصه غير المتاريس ليصبح مشابها إلى أحياء الماريه (Marais) الباريسي والـكرواروس (Croix Rousse) في مدينة ليون الفرنسية أبان انتفاضة عمال النسيج منذ أكثر من قرن”.

وقد كان لطرح مسألة السلطة طابعا ثوريا، وهو ما لم تقم به الحركة العمالية الأميركية أبدا من قبل. ففي أحياء السود، كان النشطاء في حالة نزاع مع السلطات والشرطة. وأعلنوا عن عدم اعترافهم بالحكومة وعن رفضهم للدولة وجيشها وعدالتها. ولم يكن هؤلاء النشطاء عشرة أو مئة بل كانوا آلافا موزعين في العديد من المدن.

كما كانت البلاك بور تناضل ضد حرب فيتنام. وكانت هذه الحرب الرهيبة من فعل أقوى دول العالم والتي، تحت غطاء محاربة الشيوعية، قامت بالقصف المكثف على الشعب الفيتنامي بسبب رفضه الخضوع لها. وفي عام 1968، كان هناك نصف مليون جندي أميركي في فيتنام، من ضمنهم العديد من السود، ذلك لأن معظم الجنود الذين يخوضون الحرب كانوا من الطبقات الفقيرة. لكن الأمريكيين من أصل إفريقي كانوا يعارضون الحرب على نحو متزايد. وفي عام 1967، عندما رفض محمد علي كلاي الالتحاق بالجيش قائلا “ليس لدي أي عداء ضد الفيتكونغ (Vietcong)” و”أيا من الفيتناميين لم ينعتني يوما بكلمة زنجي”، فإنه كان يعبر عن شعور واسع النطاق بين السود. “لماذا يطلبون مني أنا، من بين الذين يسمونهم بالزنوج، بارتداء الزي العسكري للذهاب إلى 16.000 كم من بيتي لرمي قنابل وقذائف على رجال ملونين بينما السود هنا يعاملون مثل الكلاب ويحرمون من الحقوق الأساسية للإنسان؟”. فتم جراء ذلك تجريد كلاي من لقب البطولة وسحبت رخصة الملاكمة منه لعدة سنوات. ولكن الملايين من السود كانوا فخورين بموقفه. وحتى مارتن لوثر كينغ المعتدل أدان في نهاية المطاف الحرب. كما أدى اغتيال لوثر كينغ في عام 1968 إلى التمرد في عشرات المدن، ليس الواحدة تلو الاخرى، بل في نفس الوقت. فأعلن الرئيس جونسون تدخل الجيش والحرس الوطني ليقوم بقتل العشرات من “العصاة” وأصيب آلاف آخرون بجروح. كان هذا فشل للإصلاحية واللاعنف : فسياسة “محبة العدو” و”الكشف عن الخد الآخر” بدت دون جدوى.

وفي جميع أنحاء العالم، دفعت سياسة الولايات المتحدة في فيتنام إلى خروج الملايين من الناس إلى الشوارع. فاجتاحت الاحتجاجات أجزاء كبيرة من العالم، وكانت الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. إسبانيا، إيطاليا، بلجيكا، اليابان، مصر، ألمانيا، بولندا، جميعها شهدت حركات احتجاجية خاصة بين الطلاب، ولكنهم لم يكونوا الوحيدين. ففي أيار/ مايو عام 1968 جاء الإضراب العام في فرنسا، وفي تشيكوسلوفاكيا، دفع ربيع براغ الجيش الروسي للتدخل. وفي المكسيك قام الجيش بقتل مئات المحتجين.

الفهود السود (البلاك بانتر)

كانت البلاك بور إذا حركة جذرية. وإحدى منظماتها، وربما الأهم، كانت حزب الفهود السود الذي أسسه هيوي نيوتن (Huey Newton) وبوبي سيل (Bobby Seale) في مدينة اوكلاند الكاليفورنية في عام 1966. وكان “حزب الفهود السود للدفاع عن النفس” ينخرط ضمن تقليد مالكوم إكس، بالرغم من عدم ادعائه الهوية الإسلامية. كما كان ناشطوه يبيعون “الكتاب الأحمر الصغير” لماو تسي تونغ، وكانوا يحاولون خلط الماركسية بالقومية السوداء مع كل التناقضات التي تترتب على ذلك. كما كانوا ينددون بحرب فيتنام ويشرحون بأن الحملة الصليبية الأمريكية التي تشن في العالم بإسم الحرية ما هي إلا قناع نفاق في الحقيقة هدفه سحق حركات تحرر الشعوب. وكانوا يجندون الناشطين من بين شباب الغيتوات الاكثر فقرا، فكانوا يمنحونهم الفخر والكرامة مع نمط في اللبس كان يميزهم : زي من الجلد الأسود مع قلنسوة وكفوف سوداء ونظارة سوداء. وكانوا يحملون السلاح بهدف “ضبط” شرطة أوكلاند التي كانت شرسة وعنصرية. فإذا ما أقدمت الشرطة على اعتقال أسود، فإنهم كانوا يظهرون بالمرصاد ويقرؤون مقتطفات من القانون الجنائي مما يجبر الشرطة للتراجع عن اعتقاله لتجنب الحرج. فلاقوا نجاحا سريعا وكبيرا، ففي أربع سنوات، نظموا فصائل في أكثر من 68 مدينة تضم آلاف الأعضاء. وسرعان ما تورطوا في عدة حوادث اطلاق نار مع الشرطة. كما شكلوا ميليشيات صغيرة قامت بعمليات ابتزاز أموال وضرب وحتى قتل المخبرين والمعارضين. فكانوا يتحدون جهاز الدولة بشكل ما، كما حصل في أيار/ مايو 1967 عندما أقدموا على اقتحام مسلح لمجلس ولاية كاليفورنيا. فكلفهم هذا الهجوم ردا شرسا حيث ألقي القبض على عدة مئات من النشطاء في عام 1969، كما قام مكتب التحقيقات الفدرالي بتصفية العديد منهم، كزعيمهم في شيكاغو، فريد هامبتون، الذي اغتيل في سريره في عملية مداهمة قامت بها الشرطة. وتم أيضا فبركة العديد من الأدلة والتهم المزورة لتحييد الآخرين. ونظم برنامج الاستخبارات كوينتلبرو (COINTELPRO) الذي كان قد أنشئ في عام 1950 ضد الشيوعيين، مئات العمليات ضدهم.

وفي الأشهر التي تلت ذلك ايضا، شهدت السجون، التي كان يقبع العديد من الشباب السود فيها، احتجاجات تحت راية البلاك بور. ففي عام 1970، في سجن سوليداد في كاليفورنيا، تم قتل أحد حراس السجن. وكان جورج جاكسون من بين الرجال الثلاثة الذين اتهموا بقتله، حيث كان يطلق عليهم إسم “الأخوة سوليداد”. وجاكسون، ذو الـ28 عاما، كان يقبع في السجن منذ عشر سنوات بعد ان حكم بسبب قيادته سيارة كان يريد الهرب بها مع صديق له بعد سرقة الأخير 70 دولارا من محطة وقود – وكانت هذه مسيرة العديد من غيره من الشباب الافروـ أمريكي. وأنتهى أمر جورج جاكسون بأنه قتل في السجن بعد عام واحد، قبل أن تبرئ المحكمة الاخوين سوليداد الاخرين. وفي عام 1971، نشبت حركة تمرد في سجن أتيكا في ولاية نيويورك خلفت 39 قتيلا. وتم ملاحقة أنجيلا ديفيس ضمن قضية “الاخوة سوليداد”، وهي كانت أستاذة فلسفة شابة في جامعة كاليفورنيا، وعضوا في الحزب الشيوعي وفي الفهود السود. وقد حاولت إدارة الجامعة فصلها في عام 1969، أثناء حملة تعيينات بناء على طلب حاكم الولاية آنذاك، رونالد ريغان، الذي أصبح في وقت لاحق رئيسا للولايات المتحدة. لكنها لم تنجح حيث أمرت المحكمة بإعادتها إلى منصبها. وبعد اتهامها في عام 1970 بتهريب الأسلحة التي استخدمها الأخ الأصغر لجورج جاكسون لتنفيذ عملية احتجاز رهائن في محكمة، قام مكتب التحقيقات الفدرالي بتعقبها والقبض عليها. فقامت على أثر ذلك حملة واسعة لإطلاق سراحها وسراح جميع السجناء السياسيين، وتمت تبرئتها في عام 1972.

لكن حركة السود كانت قد بدأت بالانحسار. وبات حزب الفهود السود تشوبه الانقسامات الداخلية وتسحقه الضربات التي تلقاها من مكتب التحقيقات الفدرالي. وتمكنت منظمات أخرى من المقاومة بشكل أفضل، ولكنها أخذت مواقف أكثر وسطية، كما هو حال “أمة الاسلام”، حيث فقدت طابع التمرد والعصيان الذي ميزها أيام مالكولم اكس. فكانت تسهر في الحفاظ على مواقعها متجنبة المواجهة مع السلطة وتابعت الترويج لبرنامجها “الرأسمالية السوداء”، رأسمالية هي الاخرى غير عادلة، مع فارق أن السود لديهم نفس الفرص المتاحة للبيض. وأصبحت أمة الاسلام معتدلة أكثر فأكثر لينتهي بها المطاف بأن تفقد شعبيتها لدى الجزء الأكثر تمردا من السود، ولا سيما الشباب.

الانتفاضة السوداء، فرصة ضائعة ؟

وهكذا كانت نهاية حقبة دامت عدة سنوات كافح خلالها الملايين من الرجال والنساء الرافضين للخضوع : في الجنوب وفي الشمال كان هناك العمال وسكان الغيتوات وكذلك فئات يصعب في العادة تنظيمها كمستأجري الاراضي الزراعية والعمال المنزليين، من النساء والرجال والمراهقين وحتى الأطفال. إن غضبا كهذا هو الذي يغذي الثورات. فحتى اللاعبين الرياضيين أدخلوا الانتفاضة إلى داخل المجمعات الرياضية التي من المفترض أن تكون معقلا محايدا، كما حصل ذلك خلال دورة الألعاب الأولمبية في المكسيك في عام 1968 عندما رفع العداءان تومي سميث وجون كارلوس قبضتيهما، منحنيا الرأس، من أعلى المنصة، أثناء النشيد الوطني الأمريكي، كتعبير عن غضب شعب بأكمله. كما أن عمق هذه الانتفاضة هو الذي يفسر القمع العنيف الذي تعرضت له والذي كان بحجم الخوف الذي ولدته في نفس الطبقة البرجوازية.

ونظرا لدور الولايات المتحدة في العالم، كانت انتفاضة السود متابعة من قبل المضطهدين في جميع البلاد. فمنذ نشأتها، كانت محل اهتمام في أفريقيا السوداء بشكل خاص، حيث كانت عدة شعوب تكافح ضد الهيمنة الاستعمارية، وكان بإمكانها وبسهولة ربط نضال السود الأميركيين بنضالها. ولا يقتصر الأمر على أفريقيا السوداء. فعندما قامت الحكومة الأمريكية بتجريد محمد علي كلاي من حزام البطولة، خرج عشرات الآلاف من المصريين إلى شوارع القاهرة للاحتجاج. وكما كتب تيارنا في مجلة النضال الطبقي في عام 1967، كانت الانتفاضة السوداء “أملا للبشرية جمعاء” (انظر الملحق). فلو تمكن السود من اجتذاب الطبقة العاملة البيضاء للانخراط في النضال، فإن الرأسمالية الأمريكية، حارسة النظام الإمبريالي، لاهتزت وتزعزعت بأكملها. بدون ثورة أميركية، لا يمكن تحقيق الاشتراكية على صعيد العالم، ولن يكون هناك تحرر وطني في البلدان المضطهدة من قبل الامبريالية. أما لو امتدت انتفاضة السود إلى بروليتاريا البيض، فإن كل شيء كان سيصبح ممكنا. ولهذا السبب كان لانتفاضة السود أهمية مميزة في هذا السياق.

ولكن السود كانوا يشكلون فقط 8/1 سكان الولايات المتحدة وربما 5/1 الطبقة العاملة. أما في مدينة ديترويت الكبيرة لتصنيع السيارات، أصبح السود يشكلون الأغلبية، خصوصا في الوظائف الأقل مهارة. إن تمرد وحراك خمس الطبقة العاملة خلال خمسة عشر عاما يشكل أمرا هاما. وكان للطابع الجماهيري للنضال، الذي كان يأخذ منحى انقلابيا في بعض الأحيان، عواقب على المجتمع بأسره. ولذلك فالرهان كان بمعرفة مدى إمكانية انتشار هذه الانتفاضة إلى العمال البيض الذين كانوا أيضا مستغلين من قبل نفس الرأسماليين. في هذه الحالة، كان سلطة الدولة نفسها ستصبح مهددة.

ولكن ذلك لم يحصل. لقد كان البروليتاريون السود على العموم أكثر تصميما وأكثر تمردا من البيض، وكانوا أيضا أكثر وعيا على المستوى السياسي. لقد رأينا كيف حرصت البرجوازية الأمريكية على ألا يتحقق الاتحاد بين السود والبيض الفقراء. وكان ذلك الحال خلال حركة الحقوق المدنية وخلال تمرد سنوات الـستينيات. فقد اعتمدت البرجوازية دائما على العنصرية التي كانت موجودة في الطبقة العاملة، انطلاقا من أن العديد من العمال البيض كانوا يشعرون بالحياز على امتياز ما يجب الحفاظ عليه، كون حالتهم كانت أقل سوءا من السود.

وعلى الرغم من هذا، فقد خاض العمال البيض والسود عدة معارك نضالية جنبا إلى جنب. فعلى سبيل المثال، أثناء انتفاضة ديترويت في عام 1967، انضم البيض الفقراء من الجنوب ومن بولندا إلى المتمردين السود، وشكلوا ربع ضحايا القمع. وحصل نفس التحالف في العديد من الإضرابات المحلية الأخرى، وكذلك ضد حرب فيتنام خاصة في صفوف الجنود. كان هذا دليلا على أن سياسة موجهة بهذا المنحى كان بإمكانها أن تلقى صدى.

إن فشل الوحدة بين السود والبيض الفقراء يعود قبل كل شيء إلى غياب حزب عمالي يناضل في هذا المنظور. إذ لم يكن هناك في الولايات المتحدة حزب ثوري ولا حتى حزب عمالي مستعد لخوض الكفاح. وإذا كان من الممكن لحزب كهذا أن يتعزز في حالة كالانتفاضة السوداء، إلا أنه لا يمكنه أن يولد بطريقة عفوية. لقد رأينا كيف أن الحزب الشيوعي قد انقطعت صلته مع السود بسبب سياسته خلال الحرب العالمية الثانية، وقد أضعفه في وقت لاحق القمع المكارثي في الـخمسينيات. أما قادة المنظمات العمالية الرئيسية، كنقابات الـCIOـAFL، الناجمة عن اندماج أكبر اتحادين نقابيين، فإنهم بالطبع كانوا يحاربون هكذا توجه في الطبقة العاملة.

على المستوى المحلي، كانت هناك منظمات صغيرة حددت منظورها بالنضال المشترك داخل الطبقة العاملة. كان هذا على سبيل المثال حال حزب العمال الاشتراكي SWP، الذي كان التنظيم التروتسكي الرئيسي، حتى ولو كان يشوبه تبعية نحو القوميين، وكان على أي حال ضعيفا جدا للتمكن من لعب دور على المستوى الوطني. وبطريقة أخرى، كان هذا ايضا حال رابطة العمال الثوريين السود، مجموعة تأسست في عام 1969 في ديترويت، عاصمة صناعة السيارات. وخلافا لمنظمة الفهود السود، فإن نشطائها كانوا يحاولون التواجد داخل المصانع، وليس بين الشباب المنحرفين اجتماعيا، وكانوا يريدون بناء حزب عمالي ثوري. كانوا متأثرين بالماوية وبالقومية السوداء، ولكنهم أرادوا إعطاء مضمون طبقي لانتفاضتهم. فكانوا مقتنعين بضرورة الاعتماد على الطبقة العاملة بهدف تهديد البرجوازية.

ولكن على الصعيد الوطني، لم يكن هناك أي حزب قادر على اقتراح خط سياسي كهذا. ولهذا السبب، كان تيارنا يكتب في ذلك الوقت: “إن الخطوة الأساسية الأولى هي إنشاء تنظيم ثوري للسود، مستقل بشكل صارم وعلى جميع الاصعدة على المستوى الوطني عن المنظمات الأمريكية التي يشارك فيها البيض […] وبما أن جمهور السود لديه مستوى أعلى من الوعي، يتوجب تأسيس حزب ثوري تروتسكي، تنظيم حقيقي لقيادة معركة السود الأمريكيين. “كان بإمكان حزب كهذا، انطلاقا من انتفاضة ووعي السود، التوجه بالخطاب إلى الطبقة العاملة البيضاء للمضي بها قدما، وتحسين وعيها السياسي. إن هكذا سياسة لو اقترحت، لواجهت بالطبع العديد من العقبات، ولكن المشكلة أنها لم توجد أصلا. فبقيت انتفاضة السود معزولة في مواجهة سلطة البرجوازية والدولة الأمريكية.

من تراجع السنوات 1970 إلى اليوم

بين الأزمة الاقتصادية والأزمة الاجتماعية

طالت الأزمة الطبقة العاملة بأكملها. فأزمة الرهون العقارية العالية المخاطر ترتب عنها نحو 6 ملايين عملية حجز أملاك، وهذا خلف ما يوازي هذا العدد من عائلات مضطرة للعيش في سيارتها أو في مآو مؤقتة او في الشارع. وكانت الشركات العقارية قد استهدفت بهذه القروض الفقراء والسود على وجه الخصوص. ثم أسفرت الأزمة بتدمير الملايين من فرص العمل وزيادة كبيرة في معدل البطالة. مرة أخرى، تأثرت كل فئات الطبقة العاملة بذلك. وإذا كان مستوى البطالة الرسمي قد انخفض الآن، فذلك أيضا لأن الملايين من العاطلين عن العمل قد توقفوا عن تسجيل أنفسهم في لوائح البطالة، لأسباب مختلفة. وبهذا الخصوص، فقد كانت الأمور أكثر أسوأ بالنسبة للسود. فرسميا، تبلغ البطالة عند السود ضعف نسبتها لدى عموم السكان. في الواقع فأنها تبلغ حدود الـ 50% لدى الشباب السود، وحتى مستوى الـ 70% لدى اولئك الذين ليس لديهم شهادة الدراسة الثانوية.

وتكسب العائلة البيضاء كحد وسط ضعف ما تكسبه العائلة السوداء. ويبلغ معدل الفقر لدى السود ثلاث أضعافه لدى البيض، أي كما كان الحال في أعوام الـ 1960. كما شهد الملايين من الناس انخفاض قيمة ممتلكاتهم، وكان ذلك بأعداد أكثر لدى السود منه لدى البيض. ويبلغ الحد الوسط لمعدل الثروات العائلية لدى البيض ستة أضعاف معدلها لدى العوائل السود. وفي الولايات المتحدة، فإن حيازة المرء لبعض الأملاك لايعتبر مرادفا لليعيش بترف ونعيم ؛ فالحوزة على بعض المدخرات قد يكون ضروريا على سبيل المثال، لدفع تكاليف التعليم العالي لأبناء او لدفع نفقات العلاج الطبي أو عملية جراحية. باختصار فقد شهد السود تدهور لمستوى معيشتهم لم يسبق لها مثيل منذ أزمة أعوام الـ 1930.

وقد أدت الأزمة الاقتصادية أيضا إلى خسائر في المالية العامة للعديد من المدن وإلى هجوم وخسائرواسعة في التعليم العام من خصخصة وتخفيضات في الميزانية وإغلاق للمدارس وتسريح للمدرسين وكذلك موظفي المدارس وإلى تدهور الأوضاع المادية للتعليم (حول هذا الموضوع : انظر الى مقالة “الولايات المتحدة ـ خصخصة المدارس : هجوم ضد الطبقة العاملة”، النضال الطبقي، رقم 133، شباط / فبراير 2011). وخلافا للبرجوازية التي يمكنها الاستفادة من الخصخصة المتفاقمة للنظام التعليمي، فان الطبقات الشعبية ليس لديها سوى خيار إرسال أطفالها إلى المدارس العامة. وبما أن المدارس يتم تنظيمها وتمويلها بشكل اساسي على المستوى المحلي، فان المؤسسات التعليمية للاحياء الغنية تحظى بتمويل أعلى بكثير لطلابها من تلك المتوجدة في الأحياء الفقيرة، وحتى عندما يكون مستوى الضريبة المفروض على الاخيرة مرتفعا، كما هو الحال وبصورة عامة عادة. ويعيش السود بمعظمهم في الأحياء الفقيرة. وتنفق الدولة على الأطفال السود الفقراء في المدن الكبيرة أقل من ثلث ما تنفقه على الأطفال البيض في الأحياء الغنية. ان قلة الموارد يعني ارتفاعا لعدد الطلاب في الصفوف. وتفتقر المدارس لتجهيزات تحصل عليها مدارس الاحياء الغنية. وتدفع مدارس الأحياء الشعبية تدفع أقل اجرا لمدرسيها الأقل مهارة وتحصيلا والأقل عددا، مع تواتر فترات مهمة دون تواجد مدرس على الاطلاق. ذلك بالاضافة للحالات العديدة حيث تقوم المدن التي تواجه صعوبات مادية باغلاق المدارس بكل بساطة، وتفصل المدرسين، لتعيد في بعضالاحيان توظيف اخرين دون دورات تدريبية وبالتالي اقل تكلفة.

ان حصيلة هذه الفوارق تظهر ان 54٪ فقط من الشباب السود يستكملون التعليم الثانوي مقابل 75٪ من البيض. وإذا كان 14٪ من البالغين البيض أميين عمليا، فهذا الأمر يطال 38٪ من السود. فكيف يمكن أن يكون الواقع مختلفأ عن ذلك ؟ فيموت شاب أسود من أصل عشرة قبل بلوغه الـ 18 عاما : بعضهم نتيجة المرض ونقص العلاج المناسب، بسبب فقرهم، والبعض الآخر مقتولين على يد عنصري أو على يد الشرطة، وغيرهم ، وهم الأغلبية، مقتولين على يد شبان سود.

السجن كأفق

وإذا تمكن قسم من السود من الاستفادة من عملية الاندماج في المجتمع الامريكي، إلا أن الكثير منهم قد تعرض أيضا إلى اضطهاد واسع وأتخذ ذلك أشكالا مختلفة، بما في ذلك القتل على أيدي الشرطة. وجانب آخر من هذا الوضع المأساوي، ولا سيما لدى الشباب، هو ادخالهم السجن. وكان هذا خيارا سياسيا منذ نيكسون في سنوات الـ 1970 وصولا إلى بوش، مرورا بريغان وكلينتون. فكان الأمر يتعلق بضرورة الانتهاء من ظاهرة تواجد الشبان السود في الشوارع. وأمام فشل الحكومات المتعاقبة بتأمين عمل لهم، اختارت وضعهم في السجون.

فتم سجن العديد منهم لارتكابهم جنحات. ربع هؤلاء كان بسبب مخالفات متعلقة بالمخدرات، دون ارتكاب أعمال عنف. وأربعة أخماس الحالات كانت بسبب استهلاكهم أو حيازتهم على المخدرات، دون حتى المتاجرة بها. في عام 1980، كان هناك 41000 سجين بسبب مخالفات مرتبطة بالمخدرات، في حين يبلغ عددهم الآن نصف مليون. ويشكل السود الثلثين.

فمنذ السبعينيات، أعلن نيكسون أن المخدرات هي “العدو الأول للشعب”. ففي حين كانت المخالفات بطور الانخفاض، أعلن ريغان “الحرب على المخدرات”، موضحا أن ذلك يشكل تهديدا للأمن القومي. وفي الوقت نفسه، في الثمانينيات، أغرقت وكالة الاستخبارات المركزية غيتويات السود بمادة الكراك المخدرة، واستخدمت في سبيل ذلك الأموال التي كانت مخصصة لتمويل الميليشيات المناهضة للشيوعية في نيكاراغوا. وفي عام 1986، أصدر الكونغرس قانون مكافحة تعاطي المخدرات (Anti Drug Abuse Act)، والذي زاد من قساوة العقوبات على الكراك : ففي حين كان بيع 500 غراما من الكراك يؤدي الى خمس سنوات سجن الزاميا في الماضي، أصبح بيع 5 غرامات كافيا للادانة بنفس العقوبة. كما وضع هذا القانون حدا أدنى للعقوبات بخصوص الماريجوانا، وكان البعض يروج لسياسة “عدم التسامح”. وخلال التسعينيات أقرت عدة ولايات، بدء بولاية كاليفورنيا، قوانين سميت بالـ “الثلاث ضربات” (three strikes and you’re out)، في إشارة إلى قاعدة في لعبة البيسبول. مبدأ هذه القوانين، على اختلافها، هو امكانية معاقبة ثالث جرم بالسجن مدى الحياة، وذلك دون إمكانية الإفراج المشروط خلال 25 عاما. فأدت هذه القوانين في كثير من الأحيان إلى ادانات عبثية وقاسية، كإدانة كورتيس يلكرسون الذي حكم عليه بالسجن مدى الحياة (25 عاما الزاميا) في عام 1995 بسبب كونه مدانا مرتين بتهمة السرقة في عام 1981، عندما كان عمره 19 عاما، بعد سرقة زوج من الجوارب بقيمة 2.5 دولار.. وكذلك حكم على جيري ديواين وليامز بالسجن لمدة 25 عاما بعد سرقة قطعة من البيتزا.

كمعدل، يمضي الشاب الأسود الآن أكثر وقتا في السجن منه في الجامعة. وتقوم الولايات المتحدة بسجن جزء مهم من سكانها يفوق أي بلد آخر في العالم. فمع الـ 2.3 مليون سجين، حطمت “أرض الحرية” كل الأرقام القياسية. ففي حين أن سكانها يشكلون 4.5٪ من البشرية، تستحوذ الولايات المتحدة على 23٪ من السجناء في العالم، حسب الإحصاءات. وفي حين أن السجون مليئة في فرنسا، يبلغ عدد السجناء في الولايات المتحدة، نسبيا، سبع مرات أكثر منه في فرنسا. ويشكل السود 45٪ من السجناء في الولايات المتحدة. وكمعدل، يدخل رجل أسود من أصل ثلاثة (مقابل رجل أبيض من أصل 17) السجن مرة واحدة على الأقل في حياته.

والسجن مليء بالهوائل والبشاعات. فمدة الأحكام بالسجن طويلة جدا، أكثر من أي بلد متحضر، بما في ذلك ما يخص الشباب الأقل سنا. فهناك أكثر من 500.2 من الأحداث يتراوح معدل أعمارهم الـ 16 عاما، يقبعون في السجن لمدى الحياة دون إمكانية للعفو، مبعدين بذلك عن المجتمع. ففي كل يوم يتواجد 50.000 سجين في سجن انعزالي حيث يمكث العديد منهم لعدة سنوات، وهو شكل من التعذيب : ولايمكنهم أحيانا الاتصال بالسجناء الآخرين ولايزورهم أحد، ولايرون التلفزيون ولايستمعون الى الراديو. ولا يمكنهم المطالعة، سوى الكتاب المقدس أحيانا. ولا يسمح لهم بالكتابة إلا قليلا في بعض الأحيان. استراحتهم الوحيدة تتلخص بإمكانية ممارسة التمارين الرياضية خارج الزنزانة لمدة ساعة واحدة يوميا. ثم هناك عقوبة الإعدام التي طالت 1389 سجينا منذ أن أعيد تطبيقها في عام 1977، وما يزال 3070 مدانا آخرا بانتظار تنفيذ حكم الإعدام، ومعظمهم من السود، ومنهم أبرياء في بعض الأحيان وقعوا ضحية تحقيقات أو محاكمات مزورة.

كيف ولماذا يتواجد هذا الحشد من الناس في السجن؟ هنالك الأسباب السياسية التي أشرنا إليها، وكذلك أسبابا اجتماعية. إن هذه الكارثة قد بدأت بالتضخم في السبعينيات – حيث عدد السجناء أقل بخمسة أضعافه مقارنة باليوم. فالطبقات الشعبية الأمريكية قد تضررت بشدة جراء توالي فترات الركود الاقتصادي وفي كل مرة هناك انخفاض في الإنتاج وإغلاق لمصانع وتسريح لعمال وارتفاع في معدلات البطالة. وكان السود دائما أول ضحايا هذا التدهور. وأدى ذلك الى أن مئات الآلاف بل الملايين من السود أصبحوا دون أفق في الحياة.

إن ما آلت إليه مدينة مثل ديترويت بولاية ميشيغان، ذات الغالبية السوداء، والتي فقدت تدريجيا فرص العمل في مجال الصناعة، يشكل رمزا لما طال السود : فبعد أن بلغ عدد سكانها 1.5 مليون نسمة في عام 1970، هبط العدد إلى 713.000 عام 2010، ولم يبق للباقين فيها أي أفق سوى العيش بفضل أعمال ووظائف صغيرة ومؤقتة أو البطالة واقتراف الجنحات. بالنسبة لكثير من هؤلاء الشباب الذين لا يمنحهم المجتمع أي أفق، يصبح السجن محطة متكررة خاصة وأن أسباب الحبس كثيرة وتافهة.

في السنوات الأخيرة، تراجعت بعض الولايات قليلا عن هذه القوانين القمعية. فسياسة السجن هذه مثيرة للاستياء وعبثية بعض الشيء، وذلك حتى من وجهة نظر المجتمع البرجوازي. أولا، بسبب التكلفة عالية جدا التي يتطلب بناء مئات السجون، ذلك وإن كانت بعض الشركات الكبيرة تستفيد من تشغيل السجناء مقابل أجور زهيدة. كما أن هذه الساسة القمعية قد بلغت أقصى حدودها دون أن تقل نسبة ارتكاب الجرائم. فأولئك الذين دخلوا السجن بسبب جنحة صغيرة، طالما ما يصبحون، لدى خروجهم منه، مجرمين متمرسين. وفي عام 2010، خفض الكونغرس عقوبة السجن الاجبارية بسب مخدر الكراك، ومنذ ذلك الحين، خففت العديد من الولايات من مستوى عقوباتها مما أدى إلى تخفيض عدد السجناء. ولكن لا يزال هناك في السجن مئات الآلاف من مرتكبي الجنح الصغيرة، والأزمة الاقتصادية تدفع إلى زيادة الجريمة وبالتالي الإدانات.

وبعيدا عن السجون، إن لسياسة السجن الواسعة النطاق لمرتكبي الجنح الصغيرة نتائج على المجتمع بأسره. فان ثلثي الأطفال السود يكبرون في أسر ذات معيل واحد. كما أن السجناء غير مسموح لهم بالتصويت في الانتخابات، أما أولئك الذين أدينوا بارتكاب جرائم فيحرمون، في العديد من الولايات، من حقوقهم المدنية مدى الحياة. وبالتالي يحرم ما يقرب الستة ملايين أميركي من حق التصويت، ويطال هذا الحرمان السود سبع مرات أكثر من بقية السكان، بمعدل واحد من أصل ثلاثة عشر. وفي عام 1998، في عهد كلينتون، صوت الكونغرس على حظر المنحة الدراسية الجامعية على المدانين بجرم متعلق بالمخدرات. ويطال هذا الحظر عشرات الآلاف من الشبان، وأحيانا بسبب حيازة كمية بسيطة من الماريجوانا فقط (ولكن هذا الحظر لا يطال المغتصبين ولا القتلة). وفي عهد كلينتون أيضا، قرر الكونغرس طرد هؤلاء من مساكن الدولة التي تمولها الحكومة الفدرالية. وهذا يعني أن السجين إذا ما أطلق سراحه وجاء للعيش مع زوجته وأطفاله، فإنه يعرض عائلته لإمكانية الطرد من منزلها. كما حظرت عدة ولايات على أصحاب السوابق من الحصول على المساعدات الاجتماعية والغذائية، وتطلب عدة ولايات من السجناء السابقين بدفع تكلفة سجنهم. وفي سوق العمل، من الشائع أن تتضمن استمارات الطلب على حقل بعنوان “أدين بتهمة جنائية” (convicted for felony) والتي تشكل عائقا كبيرا للحصول على عمل. وباختصار، فإن حيازة المرء، ولو لمرة واحدة في حياته، على بضعة غرامات من الكراك، تعرضه ليس فقط للإدانة، بل أيضا لحرمانه، بعد خروجه من السجن، من إمكانية إعادة الانخراط في الحياة الاجتماعية. فلا يبق لديه أمل في كسب لقمة عيشه غير… التورط من جديد بارتكاب الجنح والعودة إلى السجن.

والآن ؟

إذن، وفي الختام، ما هي آفاق السود الأمريكيين اليوم ؟ اليوم، وبعد ستين عاما على مقاطعة حافلات مونتغومري، يعيش عدد كبير من السود في أحياء يشكلون فيها الأغلبية. وإذا كان التمييز العنصري قد تراجع في أشكاله الاكثر سوء ووحشية خلال سنوات الـ 1960 والـ 1970، فذلك تم بفضل الثورة العظيمة التي اجتاحت أقوى دولة في العالم. وقد واجهت الحركة السوداء القمع الشديد، ليس فقط في الجنوب ولكن في جميع أنحاء البلاد، مع اعتقال العديد من النشطاء وسجنهم وحتى تصفيتهم من قبل الدولة وزبانيتها. وحتى اليوم، وبعد مرور 40 عاما، مازال النشطاء يدفعون حريتهم كثمن لتحديهم السلطة، مثل ناشط الفهود السود ألبرت وودفوكس المسجون في زنزانة انفرادية منذ 43 عاما والذي رفضت للتو ولاية لويزيانا الإفراج عنه. كذلك هو حال موميا أبو جمال القابع في السجن منذ عام 1981 بسبب جريمة قتل هو بريء منها. وقد دفع كثيرون حياتهم ثمنا لذلك. واليوم قد تم تصفية جزء من كوادر الحركة السوداء في حين أن البعض الآخر محبطون معنويا، وماتبقى قد أندمجوا في جهاز الحزب الديمقراطي. في المقابل، لا يزال هناك جمعيات حقوق مدنية كجمعية الـNAACP وشبكة العمل الوطني. كما يوجد هناك العديد من الكنائس السوداء وكذلك أمة الإسلام. وأخيرا، ما زال هناك وعي أسود ناتج عن التجارب المشتركة من العنصرية والتمييز والاحداث التاريخية أيضا. وهذا ما أظهره الحراك الحاصل في الأشهر الأخيرة.

ولكن لا يمكن للمرء الحديث عن حركة سوداء مماثلة لحركة أعوام 1950 و1960 والتي مثلت نموذجا لسائر الطبقة العاملة الأمريكية وللمضطهدين في جميع أنحاء العالم. لقد كانت انتفاضة واسعة ضد الاضطهاد العنصري، ولكنها قامت أيضا بهز السلطة الأمريكية القوية، وذلك مع عفوية الانتفاضة بشكل عام. كان السود بطريقة أو بأخرى نقطة ضعف الرأسمالية الأمريكية. ولقد سمحت انتفاضتهم بالحصول على كرامتهم وكذلك أيضا على بعض الحقوق الديمقراطية الأساسية التي توافق برجوازية الدول الغنية على منحها لتفادي مخاطر حصول ثورة حقيقية. ففي مواجهة عنف سلطة الدولة رد السود مستخدمين العنف الخاص بهم. وإذا لم تتحول انتفاضة أعوام 1960 إلى ثورة، فذلك يعود لأن السود المتمردين لا يمكنهم بقواهم فقط تدمير السلطة البيضاء، سلطة البرجوازية. كانوا يمثلون القسم الاكثر كفاحا والأكثر وعيا للطبقة العاملة، ولكن العمال البيض بمعظمهم لم يشاركوا في الانتفاضة السوداء. لم يشاركوا في الانتفاضة كنضال مشترك ضد الرأسمالية. وبغياب الحزب الشيوعي الثوري، لم تقترح أية جهة سياسة ذات ثقل منظوركهذا، وهو منظور لا يمكن ارتجاله.

واليوم، لا يزال الـ 40 مليون أميركي من أصل إفريقي يمثلون جزءا كبيرا من الطبقة العاملة الأمريكية. وكما أظهرت الحراكات التي أعقبت جرائم القتل العنصرية في فيرغسون وبالتيمور، فإن لديهم وعي أكثر للقمع وللاستغلال مقارنة مع باقي العمال. ولكن ذلك لا يمنع من وجود الأوهام ـ وهي كثيرة بخصوص أوباما – ولا من تحطم المعنويات، خصوصا بين أولئك المهمشين من قبل المجتمع. ولكن الوعي بالانتماء إلى الطبقة العاملة، وبتعارض مصالحهم مع مصالح البرجوازية، هو أعلى لدى السود مقارنة مع البيض. فالسياق السياسي قد تغير في الولايات المتحدة. فعلى الطبقة العاملة الأمريكية مواجهة عقود من المساومات النقابية والتراجع فيما يخص ظروف العمل والتنظيم والتقاليدها النضالية ايضا. وإذا ما حدثت فورة غضب، يمكن للعمال السود بالتأكيد لعب دور قيادي فيها. ولكن بالنسبة لهؤلاء كما بالنسبة للعمال البيض، إن استرداد الحقوق المفقودة ووضع حد لتدهور الأوضاع المعيشية يتطلب إيجاد مسار نضال مشترك ضد الاستغلال الرأسمالي والدولة التي تجسده. فمواجهة النظام الرأسمالي يشكل السبيل الوحيد للتخلص من اضطهاد السود الأمريكيين بشكل نهائي، وكذلك لإنهاء اضطهاد العمال في العالم أجمعه عبر انهاء الاستغلال.

ملحق

نعيد نشر هذه المقالة المنشورة في 8 تشرين الاول / أكتوبر 1967 في مجلة الصراع الطبقي من قبل منظمة “الصوت العمالي”، وهي سلف منظمة “النضال العمالي” في فرنسا.

ثورة السود الأميركيين: أمل للبشرية جمعاء

منذ ثلاث سنوات والولايات المتحدة الأمريكية، القوة العالمية الاولى ومعقل الامبريالية، تعيش حربا اجتماعية فتاكة وقد أخذت شكلها الأكثر راديكالية، ـ أي الانتفاضة المسلحة في المدن، وهو شكل كان قد اختفى من أوروبا منذ فترة طويلة وبدى أنه لن يعاود الظهور في البلدان ذات “المستوى المعيشي المرتفع”. فالمشهد في واتس لا ينقصه غير المتاريس ليصبح مشابها إلى أحياء الماريه (Marais) الباريسي والـكرواروس (Croix Rousse) في مدينة ليون الفرنسية أبان انتفاضة عمال النسيج منذ أكثر من قرن”.

صحيح أن ما يحصل اليوم في الولايات المتحدة ليس انتفاضة عمالية ولكن تفجر لغضب ويأس للسود الذين لم يعودوا يتقبلوا الوضع المفروض عليهم. وهذا ليس تمردهم الأول، وقد سبق حدوث تمردات مهمة خلال الحرب العالمية الثانية.

في الحقيقة، إذا كان السود يكافحون بسبب عدم المساواة العرقية التي تعتبر القاعدة في الولايات المتحدة، فإن جذور هذا التفاوت تكمن في التقسيم الطبقي للمجتمع.

فإذا كان انتمائهم إلى أقلية عرقية مضطهدة يفسر مكوثهم في الأحياء الفقيرة ومعانتهم من الاستغلال المفرط في أسوء الوظائف وكون أغلبيتهم عاطلين عن العمل، إلا أن تقسيم المجتمع إلى طبقات هو ما وراء وجود الأجور الضئيلة والبطالة والمساكن الفقيرة. إن كل هذا لم يخترع خصيصا من أجل اهانة السود، بل إنه نتاج المجتمع الرأسمالي الصناعي. والتمييز العنصري لم يحضر سوى ليلون بالأسود طبقات البروليتاريا المستغلة بإفراط. ونحن نشهد نفس الظاهرة في أوروبا، مع الفرق الوحيد أن الطبقات الدنيا للبروليتاريا تتكون من البيض، ولكن “الأجانب” كالإسبان والبرتغاليين والأتراك والعرب.

ففي مجتمع قائم على استغلال الإنسان للإنسان، ومهما كانت درجة قساوة الاستغلال، فمن غير المستحسن التميز بخصوصية ما كالعرق أو الدين أو العرف. فالطبقة الحاكمة سوف تجد سريعا مبررا بيولوجيا أو دينيا أو قانونيا للوضع الذي تفرضه على الطبقات الأخرى.

وإنه بالتحديد كون التقسيم الطبقي للمجتمع هو المسؤول عن ما يعيشه السود، تشكل انتفاضة هؤلاء تهديدا للرأسمالية الأمريكية. فالبرجوازية الأمريكية لايمكنها أن تفعل شيئا للسود. فلإزالة المشكلة، فإنه سيتعين عليها أن تكون قادرة على القضاء على الاستغلال المفرط، وعلى الأحياء الفقيرة وعلى البطالة، أي القول بإزالة نفسها. ولنستشهد فقط، من اجل التذكير، بالعنصرية المتأصلة في جهازها القمعي.

وبطبيعة الحال، فإن السود لا يكافحون للقضاء على البطالة، ولكنهم يكافحون كي لا يصبحوا ضحاياه الرئيسيين، وحتى لا يشير لون بشرتهم تلقائيا الى الشخص الذي يجب أن يطرد من العمل أو الذي لن يتم تعيينه. ولكن ذلك أمر مستحيل في المجتمع الأميركي، ما دام هناك عاطل واحد عن العمل. فالانقسام الطبقي موجود بغض النظر عن الاضطهاد العنصري، ولكن عندما يكون هناك تقسيم عنصري حيث هناك اضطهاد اجتماعي، فإن الاضطهاد الاجتماعي يأخذ بالضرورة تلك المسارات، السهلة والمكرسة من خلال الممارسات، للاحكام المسبقة العنصرية وكراهية الأجانب. وتتخلص من هذا القانون العام فقط الأقليات التي جعلها التاريخ حائزة بطريقة أو بأخرى على مزيد من الثقافة من الجماعة العرقية المكونة لغالبية السكان، أو أن التطور التاريخي جعلها تندمج بالطبقة المسيطرة.

وإنه حتما هذا التناقض بين مطالب السود واستحالة المجتمع الامريكي الاستجابة لها من جهة، والعنف الذي يلجئون اليه بشكل متزايد من جهة اخرى، ما يدفع “أصدقاء السود” في العالم للقول بان انتفاضتهم ليست “بناءة”.

إذ كتب مراسل صحيفة نوفل اوبسرفاتر (Nouvel Observateur) مؤخرا : ” راب براون (Rap Brown) ليس وحيدا بعنصريته وكراهيته وتعطشه اليائس والميؤوس منه للانتقام : إن أمريكا مليئة بأفراد كراب براون حيث يفكرون ويتكلمون ويتصرفون مثله. والبيض، أصدقاء السود الذين يناضلون منذ سنوات لأجلهم، يتفرجون على هذه الظاهرة بعجز ودون عزيمة”.

إن هؤلاء البيض الذين كافحوا حتى الآن لصالح السود، مع النجاح الذي نعرفه، سوف يجدون دون أي شك تغيرا كبيرا باستسلامهم لهذا العجز.

لكن انتفاضة السود الأميركيين لربما هي، من بين كل احداث العالم، الحدث الاكبر أهمية لمستقبل البشرية.

فبعد أن كان استسلامها هو القاعدة، وبعد أن كانت المنظمات الأكثر نفوذا بينها هي المنظمات الإصلاحية مثل الـ NAACP التي كان ينادي قادتها باللاعنف، ها هي الجماهير السوداء منذ بضع سنوات تخرج الى الشوارع، ليس في سبيل التسول ولكن للنضال، والقادة الأكثر شعبية بينهم هم، على أمثال راب براون وكارمايكل، الذين يدعون لسياسة العنف. ومن المؤكد اليوم ان وعي السود بوضعهم قد تطور، فهم يعرفون بأن مطالباتهم القانونيه تواجه بالحيل القانونية، وبان مظاهراتهم السلمية تجابه بقمع الشرطة، وبان اللاعنف يواجه بالكلاب البوليسية على المسالمين. إنه الجهاز القمعي الأمريكي الذي وبحكم الضرورة قد خلق هذا الوعي لدى السود و وأدخل المجتمع الأمريكي برمته في طريق لن يخرج منه إلا بعد تحولات عميقة.

لكن يجب ألا يكون هناك وهم لدى الاشتراكيين. فإن ما أدركه السود هو أن ظلمهم يقوم على العنف، وأن العنف لا يمكن مجابهته إلا بالعنف، وأن هذا العنف الممارس ضدهم يعتمد على جهاز متخصص ألا وهو سلطة البيض، ولذلك فمن الضروري أن يكون للسود سلطتهم الخاصة، سلطة سوداء. إن هذا لأمر عظيم وفي غاية الاهمية، فهذا الوعي هو ثورة بحد ذاته عندما يطال فئة ذات أغلبية عددية، أو على الاقل ذات اهمية عددية مقارنة مع التشكيلات الاجتماعية الأخرى.

ولكن السود لا يمكنهم أن يدمروا، بفضل سلطتهم الخاصة، “سلطة البيض” التي هي سلطة البرجوازية الأمريكية. وعلاوة على ذلك فإنهم لا يستطيعون أن يحلوا محلها. وإن كانوا مدركين لضرورة تسلحهم بجهاز دولة خاص بهم في سبيل الدفاع عن أنفسهم، إلا أنهم ليسوا مدركين لضرورة تدمير الرأسمالية وكامل البنية الطبقية للمجتمع الأمريكي. إن بإمكانهم اكتساب هذا الوعي بسرعة خلال النضال ولكن الامر يحتاج إلى نشوء منظمات سوداء تقود المعركة من هذا المنطلق وحول هذا البرنامج.

ولكن السود لا يمكنهم أن يدمروا بقواهم فقط “سلطة البيض” التي هي سلطة البرجوازية الأمريكية. وعلاوة على ذلك فإنهم لا يستطيعون أن يحلوا محلها. وإن كانوا مدركين لضرورة تسلحهم بجهاز دولة خاص بهم في سبيل الدفاع عن أنفسهم، إلا أنهم ليسوا مدركين لضرورة تدمير الرأسمالية وكامل البنية الطبقية للمجتمع الأمريكي. إن بإمكانهم اكتساب هذا الوعي بسرعة خلال النضال ولكن الامر يحتاج إلى نشوء منظمات سوداء تقود المعركة من هذا المنطلق وحول هذا البرنامج.

ويشكل تطور وعي شخصيات القادة عنصرا تقيميا هاما لدرجة تطور وعي السود.

فرجل مثل مالكولم إكس قد تطور من الإصلاحية الاقتصادية الدينية للمسلمين السود (من المحلات التجارية والبنوك والمدارس التي يديرها السود بهدف خلق اكتفاء ذاتي اقتصادي للسود داخل اطارالمجتمع الأمريكي) إلى النضال المنظم والعنيف ضد سلطة الدولة وأجهزتها من شرطة وعسكر. فمن منطلق قومي بحت، ومن زاوية الإسلاموية، توصل إلى الوعي بالطابع الدولي لهذه المشكلة من خلال اكتشاف أن نضال السود الأميركيين ضد دولتهم مرتبط بنضال السود الأفريقيين ضد الإمبريالية. وبالمثل، راب براون، وكارامايكل اللذان انتقلا من الدعوة لللاعنف إلى الترويج للعنف الذي سوف يولد التطور الاجتماعي. كما انتقلوا من وجهة النظر الامريكية البحته إلى الوعي بهوية نضال كوبا وفيتنام ضد حكومة الولايات المتحدة نفسها. ومع ذلك، فإنهم لم يدركوا أن نضالهم لن ينجح إلا مع تدمير الرأسمالية وإقامة مجتمع لا طبقي.

وهم مستعدون لتدمير المجتمع الأمريكي، على الأقل بحسب ما يزعمون، ويمكن للمرء أن يصدقهم بما أنهم يخاطرون بحياتهم بإعلانهم هذا الأمر. لكن قولهم هذا يهدف للابتزاز والتهديد بغية نيل حقوقهم؛ أي بعبارة أخرى: “استجسبوا لمطالبنا وإلا سوف نقوم بتدميركم”. لكن هؤلاء القادة لا يدركون أنه في سبيل الحصول على حقوقهم لا بد من تدمير المجتمع الأمريكي فعليا.

لهذا السبب فإن تمرد السود الاميركيين إن كان ثوريا بمكوناته الموضوعية، إلا أنه لم يتخذ حتى الآن مسار الثورة الاجتماعية.

من الصعب التنبؤ بمسار الحركة وبتطور قادتها. حتى الآن يمكننا القول بأن السود قد أدركوا قيمة العنف كوسيلة للتحول الاجتماعي لكنهم لم يدركوا أهداف ونطاق التحول الذي يمكن أن يلبي مصالحهم.

وإن كف قادة هذه الحركة عن الاعتقاد بالإصلاحية المسالمة وإن تخلوا عن المثالية (الطوباوية) بإمكانية تكوين دولة منفصلة اراضيها داخل الدولة الاميركية، واذا كانوا يكافحون من اجل خلق دولة داخل الدولة، أي خلق قوة قادرة على التعامل مع جهاز الدولة البيضاء، فانهم يبقون بشكل كامل على أرضية الفكر القومي للبرجوازية الصغيرة، الراديكالي في الوسائل والإصلاحي في أهدافه، وإنهم لا يؤمنون بإمكانية تحطيم المجتمع الطبقي، ويتصورون امكانية اجبار البرجوازية وفي نهاية المطاف سائر المجتمع، على المساومة وإعطاء السود مكانة اجتماعية تعادل مكانة البيض وذلك عن طريق التهديد باستخدام العنف او باستخدامه. ان المجتمع الأمريكي غير قادر على تقديم ذلك، فلهذا السبب تبقى الإصلاحية العنيفة في فحواها غير فعالة كشأن الإصلاحية الخاضعة.

ومع ذلك، يجب علينا أن لا نقلل من أهمية ما ستقدمه الحرب الشاملة، التي يتكلم عنها هؤلاء القادة، من إيجابيات إلى السود على المدى القصير، خاصة وأن لديهم، ومن دون شك، آذانا صاغية وثقة بين الجماهير السوداء (ويكفي رؤية انحياز القادة السياسيين السود المعتدلين الى المقولات “المتطرفة” للمعرفة بأن البضاعة “اللاعنفية” والخاضعة ليس لها شعبية في الوقت الحالي).

فالحكومة والولايات، ولكي لا تتحول أعمال العنف إلى قاعدة، قد توافق على بذل بعض الجهود الاقتصادية والاجتماعية تجاه السود. والشرطة يمكنها، أمام التهديد، أن تكف عن ممارساتها العنصرية. والسكان البيض يمكنهم، منها تضامنا مع السود الذين يدافعون بجدية عن حقوقهم، وأيضا تخوفا من هؤلاء، أن يحدوا من عنصريتهم.

لكن كل هذا لن يذهب بعيدا إذ أنه ما دام هناك خمسة أو ستة ملايين عاطل عن العمل في الولايات المتحدة، فإنه من الصعب أن لا تكون أغلبيتهم من السود. كما أنه في ظروف صعبة، فإن أفضل التشريعات الاجتماعية، وإن كانت مطبقة بالشكل الأفضل، لا بد من أن تنقلب دائما ضد من كانت من المفروض أن تحمي (فعلى سبيل المثال، وبين الأمريكيين السود ،ساهمت المساعدات المخصصة للأمهات المنفصلات عن أزواجهن إلى تزايد حالات الفصل في الأسر. وفي فرنسا نفسها على سبيل المثال، أدت الزيادات على وقت العمل الاضافي إلى تشجيع أصحاب العمل على تفاديها ودفعت بالعمال إلى السعي إليها).

إذن كل ذلك لن يقدم الأمور بعيدا، ولكن إن حسن ذلك قليلا من حالة الأميركيين السود، فسيكون أمرا عظيما وسيشعر به وكأنه تحرر حقيقي. وهذا سوف يعطي للسود الوعي بأنفسهم من خلال الشعور العنصري، وسوف يسمح لهم ذلك، من خلال الخوف الذي يبثونه، باستعادة الوعي بقيمتهم.

لذلك فإن تطرف القادة السود مثل براون وكارمايكل، وتطرف مرتكبي أعمال العنف من واتس أو ديترويت، هو ليس فقط السياسة الوحيدة الممكنة للأميركيين السود، ولكنها السياسة الوحيدة الصائبة.

في هذا المسار، سوف يتزايد عدد الذين يتبعون دعوة القادة الحاليين الذين يدعون للانتفاضة وسيصبح هؤلاء القادة ممثلين للسود أكثر فأكثر.

ومع ذلك، فعلى المدى الطويل، تشكل هذه السياسة طريقا مسدودا: فبعد نشوة النجاحات الأولي، سوف يجد جمهور السود أنفسهم في وضع مختلف في الشكل ولكن متطابق في الجوهر.

إن الجماهير السوداء على مستوى مختلف من الوعي عن بقية البروليتاريا الأمريكية. فالسود هم أقل تعليما ولكنهم يعطون درسا لجميع شعوب الأرض: فمن أجل تحرير أنفسهم، على المظلومين بناء سلطتهم الخاصة. ان هذا الدرس قد نسوه من يسمون بالشيوعيين،من ورثة الثورة الروسية، إن كانوا قد فهموه يوما ما، وقد أساءت فهمه البروليتاريا في الدول الغربية في حين أن البروليتاريا في الولايات المتحدة لم تكترث به يوما.

إن الأكثر استغلالا بين المستغلين في المجتمع الأميركي اليوم هم الأكثر تقدما في مسار التقدم الاجتماعي، مسار الثورة، الأزمة التي تحبك في المجتمعات المتطلعة لنظام جديد.

ومن الواضح أنه على السود الكفاح من أجل مصالحهم. وإن نجاح النضال المفتوح على صعيد كسب الحقوق الأساسية العرقية والاجتماعية والاقتصادية هو ما سيمكن جماهير السود من أن تصبح على بينة من قوتها ودور العنف التحرري. ومن خلال نجاحاتهم سيجند المقاتلون مكافحين آخرين وسيجدون حلفاء لهم. فليس هناك من ثورة من دون قتال ونجاحات جزئية تساعد على شد لحمة الجماهير وعلى تقوية حزمهم بتجربة الكفاح.

فمدعي الاشتراكية الذي يعتقد أو يكتب أن على السود الأميركيين عدم استخدام العنف في ظل الوضع الراهن، بحجة أن البروليتاريا الأمريكية برمتها، البيضاء والسوداء، هي القادرة على الاستيلاء على السلطة، يرتكب في الحقيقة خطأ فادحا. فإنه وحده نضال الجزء الذي يحمل أكبر روح قتالية، أي السود، ما سوف يوصل البروليتاريا برمته إلى نفس درجة الوعي والرؤية الواضحة لوحدة مصالحه رغم تنوعه العرقي. إن الثورة في الولايات المتحدة لا بد أن تمر من خلال نضال السود.

ومن بين أهم الصعوبات في المسألة هو أن جماهير السود، كقادتهم، لا تدرك الدور الذي تستطيع أن تقوم به كل مكونات البروليتاريا. فبعد عنصرية رجال الشرطة يلاقي السود عنصرية العمال البيض. وهؤلاء هم من يعاشرون في حياتهم اليومية في العمل أو من يعيشون بالقرب منهم والذين يعتقدون إن إبعاد السود من أحيائهم سوف يمكنهم من إبعاد الفقر عنهم، من أولئك المفتقرين للثقافة للتمكن من إخفاء عنصريتهم إلى أولئك الأغنياء ما فيه الكفاية للظهور وكأنهم كرماء معهم. كما أنه ليس لدى السكان السود حاليا أي سبب للاعتقاد بأن الطبقة العاملة يمكن أن تكون حليفة لهم في أي حال من الاحوال.

في سبيل رؤية هذه الامكانية، على المرء التحلي برؤية شاملة للمجتمع، تخلو من العاطفة. ويجب تأمل القهر الاجتماعي أو العنصري فكريا، وألا يكون المرء غارقا فيه كليا، للتمكن من استيعابه. كما يجب على المرء التمكن من تقدير ما ستقوم به مجموعة من الأفراد أمام المشاكل المستقبلية التي ستواجهها، دون أن يتأثر بما تفعله هذه المجموعة اليوم من مساوئ مهما كان قدرها. فالجماهير السوداء ككل، لا تملك حاليا هذا المستوى من الوعي الذي لم تبلغه أية طبقة أو فئة على مدى عقود. إن قسما صغيرا وحده من بعيدي النظر ومن خلال التحليل الماركسي، يمكنه امتلاك رؤية استراتيجية للمعركة القادمة.

لذلك، في الوضع الحالي، لا يمكن لأي منظمة سياسية مؤلفة من البيض، أو ذات أغلبية بيضاء، أو حتى مع أقلية من البيض، التغلب على الحذر المحق لجمهور السود واكتساب الثقة لقيادة كفاحهم في الطريق الوعر الذي انخرطوا فيه. فالسود الأمريكيون لن يعطوا ثقتهم إلا للسود، الذين قد يخذلونهم، لكنهم قد جربوا البيض في السابق. إن الوعي الذي اكتسبوه بضرورة استعمال العنف وانشاء سلطة للمستغلين يقوم على أساس هذه التعارض البسيط بين الأسود والأبيض.

تجاهل هذا الامر يعني التخلي عن النضال.

إن القيادات الحالية للحركة السوداء، الأكثر راديكالية بينها، قد تطورت كثيرا. هل سيتمكنون، في خضم النضال، من اكتساب الوعي الاشتراكي، والرؤية الواضحة للصراع الطبقي القائم ولحاضر ومستقبل المجتمع الأمريكي والإنسانية، ولكيفية انخراط نضال السود في هذا المسار، والاستراتيجية والتكتيكات اللازمة لذلك؟

لا يمكننا التنبؤ بذلك. لقد تطوروا كثيرا حتى الآن، ويمكنهم أن يتطوروا اكثر. ولكن يجب أن لا نخدع أنفسنا ، فخطابهم الراهن المتعلق بالطبقة العاملة الأمريكية ليس إلا غوغائية من مستوى متدن. فالفرد الأسود الأقل وعيا في البلاد لا يمكنه القول بأسوأ مما يقولون. فإن هذه القيادات لا تتجاهل فقط بل تنكر فكرة وجود أية أرضية مصالح مشتركة بين البروليتاريا البيضاء والبروليتاريا السوداء. من هذا المنطلق، ومهما كانت تصريحاتها حول الاشتراكية، فإنها تبقى في سياق البرجوازية الأمريكية، وعلى أسس الرأسمالية والطبقات الاجتماعية، وضمن مجال الاستغلال والبطالة التي يشكل السود ضحاياها الرئيسيين. فيمثل هؤلاء القادة ما مثله قادة جبهة التحرير الوطني للجزائريين: راديكالية أيديولوجية لبرجوازية صغيرة تتأهب ضد حالة معينة ولكنها لا تؤثر على النظام الاجتماعي القائم، ذلك رغم استخدامها للعنف ضد هذا النظام. وتفجيرات البوجاديين (Poujadistes) في كورسيكا، وأعمال العنف للفلاحين في الشمال الغربي ووسط فرنسا هم من نفس الفكر.

لربما أثناء الكفاح سيظهر رجال آخرون وكوادر آخرون وقادة جدد، سينظرون الى العلاقة القائمة بين نضال جماهيرالسود في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل مصالحها المباشرة من جهة، والتي تشكل الحد الأدنى لبرنامج النضال، وبين الصراع الطبقي والاستغلال الرأسمالي من جهة أخرى. ويدركون أن ما نشهده هي المعارك الأولية ـ يقوم بها الأكثر وعيا من بين المستغلين أيا كان مصدر هذ الوعي ـ للحرب التي لا يمكن أن تنتهي إلا في القضاء على المجتمع الطبقي، أو على العكس، في إقامة الهمجية الفاشية على صعيد العالم حيث تطغى معايير العرق والزمر الدستورية على العلاقات الطبقية : مزيج من فاشية ألمانيا، والفصل العنصري في جنوب افريقيا والإقطاع الياباني، هذا ما قد تؤول اليه الفاشية على صعيد العالم التي ستقوم بتكريس الهيمنة الأمريكية على سكان الكوكب.

إن كل طاقة المنظمات الثورية الأمريكية كما مثيلاتها في العالم، يجب أن تتجه في الوقت الحاضر إلى تسهيل ظهور وتجمع مثل هؤلاء الأفراد. والخطوة الأساسية الأولى هي إنشاء تنظيم ثوري من السود، مستقل بشكل صارم، وعلى جميع المستويات، عن المنظمات الأمريكية التي تنطوي على البيض. الأمر ليس بإنشاء منظمة جماهيرية. فكون السود يتحلون بأعلى مستوى من الوعي، يتوجب خلق حزب ثوري تروتسكي يشكل تنظيما حقيقيا لخوض كفاح السود الأمريكيين.

ويجب على هذا التنظيم قيادة المعركة: فإنه في النضالات الجزئية، بدءا من الآن، سوف يتمكن السود من رفع مستوى وعيهم. وهكذا سوف يتمكن هذا التنظيم من كسب مكانته السياسية بين الجماهير. ويجب عدم المماطلة بالقول بأن الأولوية هي لتروييج الاشتراكية وبأن السود والبيض، بفضل هذا الترويج، سوف يصبحون على بينة من مصالحهم المشتركة، وأنه على السود الانتظار لحضور هذا اليوم.

ويجب على هذا التنظيم قيادة المعركة: ففي النضالات الجزئية، ومن الآن، ستتمكن جماهير السود من رفع مستوى وعيها. وبتنظيم نفسه من أجل الكفاح سيكتسب التنظيم السياسي خبرات نضالية. ويجب عدم المماطلة بالقول بأن الأولوية هي لترويج الاشتراكية وبأن السود والبيض، بفضل هذا الترويج، سوف يصبحون على بينة من مصالحهم المشتركة، وأنه على السود الانتظار لحضور هذا اليوم.

فوحدة المصالح هذه يجب أن تظهر من خلال النضال وفي المعركة وفي التكتيكات المستعملة، لتصبح أمرا جليا في نظر الأقل انفتاحا على هذه الفكرة. إن النشاط الصحيح هو الذي يرفع مستوى وعي الجماهير، في حين أن الترويج يمكنه على الأكثر رفع مستوى وعي عدد قليل من الأفراد. ففي بعض الفترات، إن هكذا عمل ترويجي يشكل رد فعل شخصي يؤدي إلى الابتعاد عن المصالح الحقيقية للصراع الطبقي.

إن لن يتمكن التروتسكيون من قيادة الحركة السوداء في الوقت الحاضر، وكما هي الأن، وفقا لمسارها وامكانياتها الخاصة، فإنه لن يبقى أمامهم، خلال بضع سنوات أو حتى شهور من الزمن، غير الدعم غير المشروط لكارمايكل وغيره، ومنحهم، إرضاء للضمائر، صفة الاشتراكية اللاواعية والمتسامية . في الوقت الحاضر، يجب الدعم بالأفعال أعمال كارمايكل وراب براون، وفي نفس الوقت الشجب، وبقوة، حدود هذه الأعمال.

ومع ذلك، فلن يكون كافيا خلق حزب ثوري مستقل من السود دون تحديد الاستراتيجية والتكتيك الذي سيتبعهما تجاه باقي البروليتاريا الأمريكية. فجماهير السود المعبئين في منظماتهم الخاصة للدفاع عن أنفسهم يمكنهم التأثير بشكل حاسم على وعي البروليتاريا من ذات البشرة البيضاء.

ويمكنهم، بفضل عددهم وقوتهم وانضباطهم، ازاحة القيادات البيروقراطية لبعض النقابات. ويمكن لمنظماتها الكفاحية التدخل بشكل مناسب في الصراعات الاجتماعية التي تطال في نفس الوقت البيض والسود. فحملتها حول حرب فيتنام تستطيع خلق رد فعل دفاعي للبروليتاريا بأجمعها. ومن السابق لأوانه تفسير ما ستكون تلك الاستراتيجية والتكتيك. فالمرحلة الأولى من الصراع هي بالتحديد بإعطاء السود التماسك والانضباط والقوة. فالتماسك والانضباط والقوة لا ينصهر إلا بنيران المعارك. هذه هي الخطوة الأولى. والجماهير السوداء هي بصدد انجازها من دون الثوار الماركسيين. والثوري الماركسي لا يظهر عفويا بل إنه يحتاج إلى تكوين. والانتماء إلى التجارب الثورية الماركسية هو عامل لا غنى عنه والمنظمات التروتسكية فقط يمكنها تأمين ذلك. هنا تكمن المسؤولية التاريخية لهذه المنظمات. فالقادة الذين يتم تكوينهم عفويا في النضال هم براون أو كارمايكل. فلديهم على الأقل حسنة تجسيد الراية التي تجمع المكافحين. ويقع على عاتق الثوريين الماركسيين إثبات عدم انتمائهم للعقلية البرجوازية الصغيرة ككارمايكل ومن تبعه، وبفعالية اقل.

وإذا ما ظهرت منظمة تروتسكية بين جمهورالسود الأميركيين فإن ذلك من شأنه، بشكل غير متوقع كما حصل عديدا في تاريخ العالم في السنوات الأخيرة، أن يحطم قلعة الرأسمالية العالمية، عبر صراع طبقي حيث العامل القومي أو العرقي كان سائدا في البداية.

والتشقق سوف يهدم السد. فالسود الأمريكيون قد قطعوا خلال ثلاث سنوات طريقا طويلا. وسيظهرون للعالم أنه ليس من الضروري التحلي بتاريخ ثوري للتقدم على مسار مستقبل الانسانية. إنهم سيخلقون ويبنون الأداة التي ستمكنهم من التحرر وسيحررون سائر العالم في نفس الوقت، ليتم خلق مجتمع دون طبقات على مستوى العالم حيث العنصر الأبيض سيكون الأقلية على الارجح وسيتمتعون بالحرية وبإنسانية مجتمع اشتراكي

د. خليل إبراهيم في ذكرى إستشهاده السادسة

في ذكري التاسعة لشهيد دلينق دلينق د/خليل إبراهيم زعيم حركة العدل و المساواة السودانية

بقلم: الطيب الزين ديسمبر 27, 2017 9:35ص

التحية للشهيد خليل إبراهيم، في ذكرى إستشهاده السادسة، التي تحل علينا وما زالت بلادنا رازحة تحت حكم الظلم والإستبداد، بل تكاثفت صفحات الظلم والظلام، الأمر الذي يؤكد أن الشهيد حينما طرحه مشروعه، لمعالجة الخلل البنيوي في بينة الدولة، ليس من أجل تحقيق حلم خاص به، بل هو مشروع عام، مشروع حل للمواطنين في الكلاكلة وكسلا وكادوقلي، وكريمة، وأم كدادة، للخروج من نفق القهر والظلم والإستبداد والحرب. . ! بهذا الفهم والرؤية رأينا في الشهيد، ومشروعه ضوءاً ونوراً، وإشع اعاً ورؤية مخالفة لكل الرؤى التي عجزت عن إخراج البلاد من نفق الدكتاتورية الخالقة لكل الأمراض والعلل التي عانى منها الوطن ومازال يعاني. . ! مشروع الراحل المقيم هو مشروع مناقض، للدكتاتورية والظلم والسرقة والتكويش على حقوق الفقراء والكادحين والمهمشين. لذلك خفقت قلوب الملايين من الأحرار والشرفاء بالحزن في داخل البلاد وخارجها لنبأ إغتياله. . ! خليل إبراهيم لم يكن زعيماً لحركة ” العدل والمساواة ” بل كان زعيماً وطنياً، ورمزاً خالداً من رموز الحرية والعدالة والمساواة والسلام في تاريخنا السياسي المُعاصر، لأنه طرح مشروعاً فيه حل لقضية مزمنة، ودافع عنه بشجاعة خلاقة، حكتها قيادته لقوات حركة العدل والمساواة من دارفور ودخول الخرطوم عنوة وإقتداراً، في وضح النهار في عام ٢٠٠٨، خطوة قصد منها نقل المعركة من الأطراف الى الخرطوم حيث يسرح ويمرح الحرامية واللصوص. قال للشعب في أم درمان : نحن جئنا ليس من أجل إلحاق الأذى بمواطن، بل لمحاربة الحرامية واللصوص الذين مصوا دماء شعبنا وقد سماهم “بالأقلية الحاكمة ” …! بعد تلك الخطوة الجريئة، قد تنبأ كثيرون بأن الشهيد سيكون ضحية نبيلة من ضحايا الاشرار واللصوص الذين، عراهم وفجر في وجوههم معركة هائلة في محاولة خارقة ، من أجل خلق واقع جديد ومغاير، لإرساء دعائم دولة العدل والمساواة، دولة الحرية والديمقراطيّة، وحقوق الانسان، التي تجعل للحياة قيمة ومعنى، وبه تكون أجمل واسعد وأفضل، وقد صدقت النبؤة . . ! فإنقضت عليه قوى الشر والظلام التي لا تريد للسودان الاستقرار والسلام، والخروج من واقع الازمة والمعاناة، فإغتالته يد الغدر والخيانة. . ! في هذه الذكرى التي نحي فيها روحه الطاهرة، نذكر الأشرار والأعداء ، أن حواء السودان، قد أنجبت الرجال، وراية الحق لن تسقط، وعزيمة إستعادة الحرية والديمقراطية لن تلين، والمباديء لا تقبل المساومة أو أنصاف الحلول. بل هي معركة أزلية بين الخير والشر، بين الأخيار والأشرار، وللحرية فاتورة لابد أن يدفعها الشرفاء، ولبناء الأوطان ثمن وفِي أحيان كثيرة ثمن غالي، لكنه ليس غالياً على شعبنا وبلادنا، ولن يتوانى الأحرار والشرفاء في دفعه، وقد دفع المئات بل الآلاف إن لم يكن الملايين، هذه الضريبة من دمائهم وأرواحهم، وتضحيات كبيرة وفادحة للتخلص من اللصوص والأشرار، الذين مهما بقوا في سدة الحكم فهم طارئون أمام مسيرة الحياة والزمن. المشروع الذي طرحه وضحى من أجله الشهيد د خليل إبراهيم، يتلخص في سؤال صغير وكبير، وهو: هل يصلح العصر لدكتاتورية تحكم في بلد ثقافته وتراثه قائمان على العفوية والحريّة والديمقراطية . . ؟ وهل العصر يقبل حكم الظلم والقهر والسرقة والفساد والعدوان على حقوق الإنسان. . ؟ أم انه عصر الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة . . ؟ هذا السؤال الصغير الكبير هو مشروع إستجابة لروح العصر ومنطق التقدم والتطور، لإعادة صياغة الدولة السودانية لتتهيأ ظروف وأجواء الإستقرار والنماء والتنمية وإشاعة العدل بين الناس، في إطار دولة القانون. لذلك عاش الشهيد، حياته بسيطاً، وفارقها رجلاً عظيماً، لانه ترك ورائه مشروعاً أعظم، وهو بناء السودان على أساس المشاركة العادلة لكل أقاليم السودان في السلطة والثروة وفي الحقوق والواجبات . ومنطق الأشياء وسنن الحياة تقول: أن الدولة السودانية لن تخرج من نفق أزمتها المتناسلة . . ! إلا بتحقيق هذا المشروع، الذي يقسم موارد البلاد بين المواطنين بالعدل والمساواة لتتفتق عقول المبدعين، وتتفجر طاقات الكادحين والمقهورين والمهمشين. إن الدبابة والصاروخ والطائرة المقاتلة تستطيع أن تقتل إنسان واحد، وربما مائة، أو ألف أو مليون، لكنها لن تقتل القضية، ولن تلغي إرادة الشعب وحركة الزمن ومشيئة الحياة . . ! الطيب الزين eltayeb_hamdan@hotmail.com

نهاية فرنك سيفا و الحقائق البديلة

نهايةفرنكسيفاوالحقائقالبديلة:

بعد 46 سنة من النضال والخصام ، أمس 21 ديسمبر 2019 في تغطية إعلامية مثيرة للجدل ، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره رئيس ساحل العاج الحسن وترا ببداية العهد الجديد للعملة الموحدة لغرب أفريقيا .
واستناداً لهذا التصريح ، ‏من الآن فصاعدًا لن تستخدم كل من دولة بنين وبوركينا فاسو وكوت ديفوار ودولة مالي والنيجر والسنغال ودولة توغو الفرنك الأفريقي سيفا.
نظراً لمعرفتنا الميزات التي تتمتع بها فرنسا لسيطرتها عملة فرنك سيفا علينا أن نقوم بتشريح تكتيكي لنعلم أهي نهاية حقبة الاستعمار العملاتي أم هو فخ جديد؟
الإجابة على هذا التساؤل يفرض علينا الطرح الموضوعي ترقيم التنازلات الفرنسية والبدائل التي اكتسبتها.

البنود الجديدة لعملة إيكو والتنازلات الفرنسية:

  • قررت فرنسا التخلي من التسمية التي توحي بحقبة استعمارية، معنى CFA franc des colonies française de l’Afrique، أي ( المستعمرات الفرنسية في أفريقيا) والتي تغيرت أعني التسمية، لتصبح عملة الفرنك الأفريقي. نظرًا أن المعارضين للعملة لعبوا على وتيرة العواطف بذكر بالماضي الاستعماري المعيب للتسمية.
  • تنازلت فرنسا عن ” إجبارية” إيداع 50% من احتياطات تلك الدول في البنك المركزي الفرنسي ما يعني عملياً، يمكن لتلك الدول الاستفادة من تلك الاحتياطات في ميزانيتها الوطنية بعد إيكو.
  • كما تنازلت تباعًا لما ذكرنا آنفًا ، حذف حسابات المعاملات النقدية المركزية أيضا بفرنسا (la suppression des comptes d’opération monétaire ).
  • كما أنّه حسب البنود سيسحب ماكرون ممثل فرنسا في مجلس الإدارة التابعة للاتحاد النقدي لدول غرب أفريقيا . وكان الممثل الفرنسي له حق الفيتو في كل شيء، كان يستخدم حق الرفض في كل شيء يضر بمصالح فرنسا.
  • وعندما تشكل الإدارة الجديدة لعملة ” إيكو” لن تعين فرنسا ممثلاً لا في مجلس الإدارة ، ولن يكون لها أي ممثل في المجلس السياسي النقدي المركزي، ولا للجنة المصرفية للاتحاد. وهذه كانت حقوق مكفولة لها في البنود القديمة حسب اتفاقيات الاستعمار منذ سنة تدشين العملة من قبل الجنرال ديغول عام 1945. وفي وقت مضى كانت فرنسا تقول ليس صحيحًا أنّ لها ممثلين بل مراقبين. هذه الدولة تتعامل معنا بهزلية تامة ودائما.
    ما تم سرده الآن هي أهم التنازلات في البنود الجديدة. يجدر الذكر أن الرئيس الفرنسي أكدّ أنه لا مانع مناقشة نقاط أخرى مع خبراء دول الاتحاد النقدي لدول غرب أفريقيا إذا ما أرادت النقاش والتفاوض مع وزير المالية الفرنسي من جديد.

بالمقابل ما هي البدائل التي حصلت عليها ، أو بتعبير أدق، مالميزات التي احتفظت بها فرنسا.

  • بطلب من الرئيس الإيفواري ووافق عليه برلمان إسكواس Ecowas Parliament ، ستبقى فرنسا هي الضامنة المالية ( garant financier) لعملة ” إيكو”، كما كانت لعملة فرنك سيفا .
  • كما أنه بإلحاحٍ من الرئيس الحسن وترا وبموافقة بقية الرؤساء تبقى عملة ” إيكو” مربوطة ب ” اليورو Euro”. ذهب تبريرهم لهذا الموقف أن قوة فرنك سيفا هو الصرف الثابت مع اليورو ، فيريدون تغيير كل شيء إلا هذه الميزة.

    في هذا التحليل أود أن ننحى منحًا مختلفًا في زاوية النظر.
    المنحى الذي سأتبناه هو التدقيق في الألفاظ، فأهم شيء في فقرات بنود أي اتفاق، هو المصطلحات.
    في وثائق حديثة ل 2017 ثبت أن اليابان فقدت مع فرنسا في قضية الموبايلات الإلكترونية لأركسون Ericson ما يقارب 1,3 تريليون دولار، لأجل مصطلح في فقرة لم ينتبه له الخبراء اليابانيون في المفاوضات. إذن
    كل من قرأ البنود وشاهد التغطية الإعلامية، استمع إلى كلمة” Réforme ” وتعني ” إصلاح”
    الشعب الأفريقي طوال النضال والأنشطة النوعية والحوارات طلب التخلي عن فرنك سيفا وليس إصلاحها كعملة، وليس التخلي كالإصلاح.
    صبيحة اليوم ، نزّل برلمان إيكواس بياناً يؤيد فيه ضمنياًالاتفاقية. وهي اتفاقية سيوقعها وزير المالية والتمويل الفرنسي مع وزير المالية لدولة بنين. ورئيس مكتب مجلس الوزراء لإ يموا UEMOA)، رومالد وادغني Romuald Wadagni.
    الآن حاولوا معي أن ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى.
    في فرنسا لو قرر الرئيس إجراء مصالحة على عملة ” يورو” يترتب عليه الرجوع للبرلمان الفرنسي ومناقشته مع الشعب الفرنسي ، لماذا لم يتم إدخال الشعب الأفريقي في القرارات بتنظيم حوارات وطنية واستفتاء شعبية، هل الديمقراطيات الأوروبية أهم من ديمقراطيات أفريقيا؟ الجواب لأنهم يعرفون أن الشعب لن يرضى على هكذا بنود التي تشبه لعبة خيال وتغيير ألوان لا أكثر.
    في كل ديمقراطية محترمة يلزمهم إجراء حوار مع الشعب قبل أي إصلاح، لكن في هذه اللعبة قررت فرنسا أن تلهمنا أن الرؤساء هم من اختاروا برضى شعبهم. نحن نعرف أنهم عملاء إذن، لا يمثلونا. هذه المسرحية بين وترا وماكرون فانتازية سياسية لا أكثر. هذا ال “وترا ” الرجل الذي في آخر زيارته لفرنسا قرر ومن دون حتى سؤال ، أن يدافع عن الفرنك الفرنسي واليوم فجأة يقف ليقول هي عملةتحتاج إلى إصلاح؟. يا ناس هم مجرد قطيع وفرنسا هي الراعي.
    …..
    الآن ما موقفي الشخصي من هذا الحدث التاريخي؟
    بعدما رصدت لكم تجليات التباين في البنود والتصريحات،: لن أكون رسول شؤم وبؤس. لست مع من يقول: إنّه مجرد تغيير في الاسم، لا شيء سيتغير”. كل من قرأ التنازلات يفهم أنه أكبر من مجرد تغيير للإسم.
    إذا مالحل؟: من وجهة نظري تمثل هذه المبادرة من الطرفين الأرومة التي يمكن بناء استقلال عملاتي حقيقي عليها. كيف ؟سأخبركم.
    اعتاد الأفارقة في كل مفاوضة مع فرنسا الحصول على نصف ماطلبوا أو الثلث فقط. ففي عهد الاستقلال طلبوه كاملًا، لكن جنرال ديغول وهبهم استقلال صُوَري فقط، نصف استقلال، أو وهم استقلال إن أردت.
    لكن أنا أتفهم جيل الأجداد كان وعيهم قاصر وقصير ومحدود. نحن اليوم ليس علينا أن نضيع كل جهود السنوات الماضية لنقول: “لا نريد لا سيفا ولا إيكو”. هذه في تكتيك التفاوض ساذج، علينا أن نلعب نفس لعبة التنازلات معهم.
    جيلنا ليس غبياً ولا ساذجاً. درسنا في أحسن الجامعات مع الأوروبيين( أحيانًا متفوقين عليهم) حصلنا على نفس التحصيل العلمي نفس الشهادات، يجب أن نرجع إلى الطاولة ونحصل على قسمة وتفاوض جديد يحقق غرضنا، إذا تركنا هذه الفرصة متى سنتفاوض من جديد؟ ماذا لو وصل رئيس فرنسي ليس له مرونة ماكرون أو هو أكثر إمبريالية منه؟. في السياسة كل تفاوض لم يأتي بعد ثورة جزرية، مستحيل تحقيق كسب 100% ، لابد من تنازل.
    الحل كما أرى:
  • مغادرة فرنسا إجراءات العملة الجديدة وليس البقاء كضامنة للعملة، لا نريد لا ضمانها ولا وصايتها علينا.
  • نرغب بالتخلي عن عملة فرنك سيفا وليس إصلاحها، ونرغب معانقة عملة ” إيكو” بكامل إدارة سيدياهو وبنك مركزيتها.
  • نريد أن تتولى إداراة سيدياهو مهام صكّ العملة وليست فرنسا، ونريد أن تطبع الأوراق والعملة في دولة أفريقية وبالأحرى ، نيجيريا.

بتلخيص بسيط:

  • إيكو الذي عدّه خبراء سيدياهو : نعم نحن معها
  • إيكو: التي تعتبر إصلاحا لفرنك سيفا: لا نحن ضدها.

لأنني أضمن لكم تحت الظروف والبنود الحالية لن تنضم إلينا لا غانا ولا نيجيريا، رفضتا أن يجثوا للعدو منذ حين.

إدريس آيات- قسم العلوم السياسية -جامعة الكويت

رمـوز إفـريقـية خـالـدة

ناضلوا من أجل إخراج إفريقيا من الظلم والاستعباد:

رحيل مانديلا

رحيل ما

نديلا
alyaoum24 دولية

بموت نيلسون مانديلا فقدت إفريقيا رمزا آخر من رموزها الكبار الذين لا ينكر أحد أنهم ناضلوا في فترة من حياتهم بصدق من أجل تحرير شعوبهم، وإن انجرف عدد منهم فيما بعد إلى الاستبداد بسبب تملق محيطهم في الغالب.

في هذه الورقة نتذكر جميعا بعضا من أهم هؤلاء الزعماء الذي نحتوا أسماءهم عميقا في جسد القارة الإفريقية

مانديلا.. لم يكتف بهدم الظلم

برحيل الزعيم الأممي نيلسون مانديلا، يكون العالم قد دخل مرحلة يتم أخرى، فالإنسانية حقا تائهة وحمقاء، بدون إشعاع نبل شخص غير عادي، أوشك أن يكون نبيا .بغياب مانديلا فيزيائيا، تطوى بشكل نهائي صفحة آخر من تبقى من سلالة سياسة لن تكررها الوقائع بكل تأكيد مرة أخرى، على الأقل بنفس القداسة. طينة نادرة من البشر نجد في طليعتها مانديلا إلى جانب غاندي وغيفارا. الثلاثة، يجسدون بكل المقاييس الطهر والنقاء الآدمي في أعظم وأجمل تعبيراته. إنهم، متصوفة السلطة، الذين أرسوا بنضال أسطوري جدارا أخلاقيا بين الإنسان وسمّ السلطة، ثم العفن والمستنقع. هزم غاندي الأساطيل العسكرية للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بروحه الكونية التي تنبعث من جوفها الشمس. غيفارا أدرك كرسي السلطة بالحديد والنار، لكنه سرعان ما اكتشف أن أحلامه بحجم البشر، فتخلى وغادر. مانديلا حكم ثلاث سنوات، فقط ليوزع أثناءها كل صباح هنا وهناك قيم التسامح، مرمما ما يمكن ترميمه بين السود والبيض، فاطمأن على أن بلده، أخذ فعلا مساره الصحيح، ثم عاد إلى بيته.
هو نفس الأفق الذي ابتغاه لمجريات الربيع العربي، كي لا ينتهي إلى ما انتهى إليه حاليا في مصر وتونس وليبيا ولما لا سوريا؟ مؤكدا عبر رسالته الشهيرة إلى الشعوب العربية المنتفضة، أن  :(إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم)، وبالتالي إلحاحه على ضرورة تجاوز الكراهية والأحقاد، بالإسراع نحو سيادة ديمقراطية سلمية. مانديلا الذي أرادت له عنصرية البيض داخل بلد كنت تشاهد فيه كل مكان عبارة 😞 ممنوع دخول الكلاب والسود)، أن يقضي سبعة وعشرين حبيس إحدى زنازين سجن «فكتور فستر»، لم يستغل موقعه الجديد كرئيس، كي يشعلها حربا انتقامية، بل بادر بحكمة المتصوفة، إلى تأسيس لجنة الحقيقة والإنصاف سعيا منه لمداواة جروح ذاكرة السود نحو البيض، لكن مع خلق فسحة أمل للتعايش بين الجنسين، تحت سماء وطن واحد رحيم يضمن حق الجميع في الحياة.
يخاطب مانديلا شعوب انتفاضة الربيع، بقوله 😞 لقد خرجتم من سجنكم الكبير)، غير أن استثمار ما ضاع من الزمان قصد بناء دولة المستقبل، يقتضي بحسبه تبني إستراتجية ذكية، تتمثل في الالتفاف على رموز النظام السابق الماسكة بالمفاصل الكبرى للدولة، بهدف احتوائها وإدماجها في سياق ما بعد التغيير، بغية قطع رؤوس الفتنة وتجنب الحروب الأهلية، ثم سد المنافذ أمام أشكال العرقلة التي قد يلتجئ إليها المتربصون بالعهد الجديد…
عندما دفن مانديلا في قرية «كونو» بجوار أجداده، بناء على وصيته، تضمنت شاهدة قبره جملة وحيدة :(هنا يرقد رجل، قام بواجبه). شذرة، اختزلت في ومضة نيتشوية كل ما كتب ويكتب وسيكتب عن رجل، لن يقال بصدده، كان ذات يوم عابر سبيل، بل هو للسرمدي اسمه: تاتا ماديبا.

توماس سانكارا.. غيفارا إفريقيا؟

إنه تشي غيفارا إفريقيا، كما يحلو للبعض وصفه. سانكارا لا ينتمي جيليا إلى الرعيل الأول من رموز التحرير الإفريقي، غير أنه يصعب التأريخ لهؤلاء دون ذكره، لأن مشروعه السياسي ينهل من المبادئ الكبرى التي وضعوها، فكان هذا سببا كافيا للحكم بقتله من قبل المخابرات الأمريكية والفرنسية بدعم لوجيستيكي من إفريقيين، خاصة نائبه وحليفه ورفيق دربه «بيليز كامباوري» الذي انقلب عليه يوم 15أكتوبر1987.
ولد سانكارا سنة 1949 خلال حقبة لازالت بوركينافاسو ترزح تحت الاستعمار الفرنسي .اقتفى بخطى والده فالتحق بالجيش الذي سيلعب دورا مفصليا في تفاصيل الحياة السياسية بعد الاستقلال سنة 1960. رقي سنة 1980إلى رتبة رائد، في وقت دخل فيه البلد دوامة الانقلابات العسكرية، فكانت إحداها سببا لوصوله إلى كرسي الحكم سنة 1983، لكنه سيتخلص من بذلة العسكري الديكتاتور، ممتطيا صهوة الفارس الثوري.
سانكارا الذي ابتدأ حياته العسكرية في سن التاسعة عشر، غدا رمزا للمقاومة وخطيبا متفوها وقائدا إفريقيا هيمن على مخيلة الشباب المتعطش إلى مناهضة الاستعمار الغربي. كانت أولى خطواته، تغيير اسم بلده «فولتا العليا»_ التوصيف الاستعماري القديم_ إلى اسم جديد يحمل كل معاني النبل، إنه «بوركينافاسو» أو بلد المستقيمين أو المغاوير.
قيل، بأن الكلمة التي أسرعت بالاستخبارات الغربية إلى إصدار قرار تصفيته، عندما خاطب يوما محفل الأمم المتحدة :(لقد جئتكم من بلد27400 كلم2، حيث سبعة ملايين من الأطفال والنساء والرجال يرفضون من اليوم الموت جهلا وجوعا وعطشا).  بالفعل، فقد شرع سانكارا منذ وصوله السلطة في وضع خطوات برنامج طموح يهدف إلى تأميم المصادر الاقتصادية لبلده وتوظيفها لرفاهية الشعب، ضاربا بعرض الحائط تعاليم خبراء البنك الدولي.
أولى عناية خاصة للتعليم والزراعة وحارب الرشوة والانتهازية. عرف عنه تواضعه الجم، متخليا عن كل مظاهر الأبهة، بل يعتبر أول قائد إفريقي يتخذ موقفا اجتماعيا من ظاهرة ختان الفتيات، فكان محبوبا من طرف الشعب؛ أما سياسته الخارجية فقد اتجهت إلى دعم الوحدة الإفريقية، والتصدي للقوى الاستعمارية في مقدمتها فرنسا، التي استنفرتها باستمرار شعارات سانكارا المناهضة للإمبريالية.
النقيب سانكارا بالكاد انطلق مشروعه حينما اغتاله صديقه «كمباوري» يوم 15أكتوبر1987، مدعوما من قبل فرنسا. هكذا، استمر حكمه فقط أربع سنوات، لكنه دخل التاريخ الإفريقي من أوسع أبوابه، مجاورا قائمة كبار صانعيه. 

باتريس لومومبا.. الموت مرفوع الرأس

ربما اعتبر مصير لومومبا شبيها في مناحي بما تعرض له المهدي بن بركة، بحيث كان لومومبا الشاب الإفريقي الأسود البسيط الذي عمل بداية موظفا في البريد، ملاحقا من قبل وكالة الاستخبارات الأمريكية وخلفها الموساد طبعا، ثم الاستخبارات البلجيكية وحلف الناتو، فكانت نهايته بشعة للغاية، تنم عن كل معاني الجرم، اعتبرها بعض الباحثين أهم اغتيال سياسي خلال القرن العشرين. تهمة لومومبا أنه برؤيته السياسية التحررية سيقف لا محالة سدا منيعا أمام أطماع الدوائر الامبريالية نحو ثروات الكونغو الغنية. يقول في رسالته إلى زوجته قبل إعدامه بوقت قصير:(خلال نضالي من أجل استقلال وطني لم أشك لحظة واحدة أن القضية المقدسة، التي أوقف لها رفاقي وأنا، حياتنا كاملة، ستنتصر في النهاية .ما أردناه لبلادنا، حقها في حياة شريفة، وفي الكرامة الكاملة والاستقلال من دون قيود…لم تدفعني الهجمات الوحشية ولا المعاملة القاسية ولا التعذيب إلى التوسل طلبا للرحمة، لأني أفضل أن أموت ورأسي عال، وإيماني راسخ، وثقتي بقدرة بلادي ثابتة، على أن أعيش في عبودية وازدراء للمبادئ المقدسة).
ولد لومومبا سنة 1925 ، تعلم وعمل في البريد. التحق عام 1955 بالحزب الليبرالي البلجيكي موزعا لمطبوعاته. أسس مع زملائه حركة وطنية كانت تؤمن بالوحدة الإفريقية تأثرا بنكروما الغاني، كانت أقوى الحركات السياسية في الكونغو، حظي لومومبا بشعبية واسعة، وقاد مواجهات ومظاهرات مع البلجيكيين أدت إلى اعتقاله لمدة ستة أشهر، ثم أفرج عنه كي يساهم في إنجاح مفاوضات مائدة مستديرة عقدت في بروكسيل حول تقرير مصير الكونغو، أعقبتها انتخابات عامة فاز بها حزبه بالتحالف مع آخرين، وانتخب لومومبا رئيسا للوزراء، لكن بعد عشرة أسابيع من انتخابه انقلب عليه الجيش بقيادة «موبوتو سيسي كو».
بعد تعذيب وحشي، ربطوا لومومبا إلى جذع شجرة وأمطروه بوابل من الرصاص، دفنوه على عجل، ثم نبشوا قبره في اليوم التالي وأذابوا جثته بالأسيد، بل كسر أحدهم فك لومومبا منتزعا بعض أسنانه ليحتفظ بها، ربما تدر عليه مالا وفيرا في مزاد للتحف!  

جوليوس نيريري.. رافع لواء الوحدة الإفريقية

هو من أشهر السياسيين الذين أنجبتهم القارة السمراء خلال فترات المد التحرري، المرتبطة زمنيا برغبة جل الدول الأفريقية، التخلص من سطوة الاستعمار الغربي. لم يكن فحسب مجرد رئيس لبلد صغير اسمه «تانزانيا»، بل أحد أكبر رموز وحدة الأفارقة ودعاتها منذ1963، ملوحا دائما بشعار:(إننا نؤمن بالوحدة الأفريقية، إيماننا بإفريقيا ذاتها)، مدافعا عن قضايا الأفارقة في مختلف أروقة المحافل العالمية، ومن أبرز نشطاء حركة عدم الانحياز خلال سنوات الخمسينات والستينات؛ مما جعله يحظى بسمعة دولية.ولد نيريري سنة1922، تلقى تعليمه الأولي في بلدة «موسوما»، ثم انتقل إلى «تابورا الثانوية التابعة للكنيسة الكاثوليكية. سافر صوب انجلترا من أجل إكمال دراسته في كلية أدنبرة». حين عودته، اشتغل بالتدريس، وقد عمل بتفان حتى يقضي على الأمية المنتشرة بين أفراد وطنه، غير أن انغماسه في السياسة اضطره كي يتخلى عن التعليم متفرغا إلى العمل النضالي. أسس سنة 1954 حزب الإتحاد الوطني الإفريقي الذي تبنى دعوة التحرر السلمي، واستطاع استقطاب العناصر المثقفة في بلاده مركزا على ضرورة التخلص من كل أشكال التمييز والقبلية التي كرستها السياسة البريطانية.
أصبح عام 1960 رئيسا للوزراء، تمكن من توحيد المجموعتين الجغرافيتين «تجانيقا» و «زنجبار»، الخاضعتين للسلطة البريطانية، فأسفر الأمر عن تكوين دولة تنزانيا، التي صار نيريري رئيسا لها عام .1964اتجه عمله نحو تحسين الأوضاع المجتمعية لأبناء شعبه، وبناء الاقتصاد الوطني ورفع مستوى التعليم وتوفير الرعاية الصحية للجميع. مشاريع تفانى في سبيل تجسيدها على أرض الواقع إلى غاية سنة1985، حينما تخلى طواعية عن الرئاسة.

كوامي نيكروما.. لسان الحرية

على منوال سيرة مانديلا ونيريري، عندما يذكر اسم نيكروما، تقفز بسرعة إلى أذهاننا مواصفات خاصة: بدوره كان أول رئيس لبلده غانا المستقل وقتها، المساهمة في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية والنضال في سبيل تحقيقها، مكافحة الاستعمار، إخراج حركة عدم الانحياز إلى الوجود بجانب عبد الناصر وتيتو ونهرو وشون لاي، تنمية الوعي القومي ومناهضة النزاعات العرقية والقبلية، تعميم التعليم، إقامة نظام اشتراكي يتوخى تحقيق حياة كريمة للشعب، انطلاقا من بناء مرتكزات للتصنيع وإحداث ثورة زراعية، كما أدخل إلى بلده نظام الضمان الصحي والاجتماعي..،إلخ.

أحمد سيكوتوري.. النقابي الأسود

شخصية سياسية مرموقة ليس فقط على الصعيد الإفريقي، لكن كذلك العربي والإسلامي، نسج علاقات ود وأخوة مع كل الزعماء العرب، لاسيما جمال عبد الناصر الذي سميت باسمه أكبر جامعة في غينيا، وبالضبط العاصمة كوناكري، أقصد «جامعة جمال عبد الناصر».
سيكوتوري القائد الفذ الذي ناضل من أجل تحرير القارة الإفريقية، هو أيضا صاحب مؤلفات عديدة..، أبرز عناوينها: «إفريقيا والثورة»، «إفريقيا في مسيرة النهضة»، «الثورة والدين»، «التجربة الفنية والوحدة الإفريقية»، «الجماعات العرقية والحزب والمسألة القومية»..، إلخ، كما خلف تراثا من المحاضرات والندوات، بحيث ركز مثل سنغور على ضرورة رد الاعتبار لقيم الثقافة الوطنية وإثرائها، فجسد بين هذا وذاك نموذجا واقعيا لفعل سياسي متحضر، تمرد على الوضع الذي أرادته القوى الاستعمارية لإفريقيا، أي مجرد منجم صحراوي شاسع يزود التجمعات الاقتصادية الأوروبية والأمريكية بالمواد الأولية.
ولد سيكوتوري المنحدر من أسرة فقيرة مسلمة يوم 9 يناير 1922 بقرية «فرانا»، وهو حفيد الزعيم الإفريقي «ساموري توري» الذي قاد حملة وطنية لمقاومة الاستعمار الفرنسي خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر. لم يبق طويلا داخل حجرات الدراسة، فقد طرده المستعمر نتيجة إضراباته، وبالتالي سيسلك مسلك العصاميين. اشتغل في البريد، فأبان عن حس نضالي كبير، جعل منه رئيسا لاتحاد العمال بغينيا، ثم انتخب ممثلا لبلده في الجمعية الوطنية الفرنسية سنة 1951 وعمدة لكوناكري عام 1956، وأول رئيس لغينيا المستقلة عام 1958 .
انسحبت فرنسا مخلفة وراءها بنية مدمرة قوامها الفقر والبؤس، بحيث تعمد المستوطنون قبل رحيلهم إلى تخريب المؤسسات الغينية، فضلا عن وقف باريس لمساعداتها. لماذا سيكوتوري رفض تماما المشروع الذي روج له دوغول، المتعلق بتوحيد المستعمرات الفرنسية تحت اسم «الرابطة الأفرو-فرنسية؟ ليواصل نضاله مع حزبه «الحزب الديمقراطي الغيني» صارخا في وجه العقاب الفرنسي :(إننا نفضل الفقر في ظل الحرية على الثروة مع العبودية).
اتجه نحو العمق الإفريقي بهدف بناء علاقات مميزة، مركزا على الشخصية والروح الإفريقيتين، وبذل جهودا لافتة في سبيل تثبيت قواعد السلام، نستحضر مثلا عربيا وساطته لم تنجح للأسف، من أجل وقف نزيف الحرب المدمرة خلال سنوات الثمانينات بين العراق وإيران، في إطار جهود منظمة المؤتمر الإسلامي التي كان من مؤسسيها سنة 1964 .
حصل سيكوتوري على العديد من الجوائز اعترافا بدوره المتميز، منها: «لينين للسلام» شهر ماي 1961، وقلادة النيل من يد عبد الناصر خلال زيارته إلى مصر، ثم دكتوراه فخرية في التاريخ الإسلامي من جامعة الأزهر تقديرا لدوره في مقاومة الاستعمار…
إجمالا، مهما قلنا على هذه العينة من البشر، فاللغة تظل يتيمة يتما برحيل هؤلاء، هم لم يموتوا ولن يموتوا، بل أحياء يحرسون على ما استطعنا سبيلا إلى شفافيتنا الحالمة.

أحمد بن بلة.. الوجه التحرري للجزائر

يستحيل على أي مؤرخ لأهم أحداث سنوات الستينات، حيث المد التحرري العالمي في أوجهه، غض الطرف عن ثورة المليون شهيد الجزائرية، ولا عن شخصية دولية من عيار أحمد بن بلة، أحد الوجوه التاريخية ليس فقط لجبهة التحرير الوطنية، بل لبناء سياسي لإفريقيا، كان سيأخذ منحى مغايرا تماما لإفريقيا في وجه العملاء، والديكتاتوريات، والانقلابات اليومية، والفساد، والمجاعات، والحروب والفقر، والجهل…
أحمد بن بلة من مواليد 25 دجنبر 1916، توفي يوم 11 أبريل2012، نشأ وترعرع وسط أسرة فلاحية متواضعة تنتمي إلى بلدة «مغنية»، شارك في الحرب العالمية الثانية ضمن القوات الفرنسية ضد ألمانيا النازية، فأبان عن شجاعة استثنائية، حتى إن الجنرال ديغول قام بمكافأته عربونا على تقديره. اتصف بن بلة بالثورية والتواضع والهدوء والوطنية الصادقة، وصفات أخرى مميزة أهلته كي يكون زعيما فوق العادة. إنه عروبي، ناصري، اشتراكي، مبتسم وبشوش، لا يلتفت كثيرا إلى البروتوكولات الشكلية.
عندما وصل بن بلة إلى رئاسة الجزائر تبنى إستراتجية على الصعيد الداخلي تمثلت في :
1 -البحث عن موارد للدولة الجزائرية الخارجة للتو من آثار حرب عصابات طويلة مع الاستعمار الفرنسي.
2  – سعيه إلى إقامة بنية تحتية.
3  – إعطاء الأولوية لتعريب المؤسسات الإدارية والتعليمية من خلال استيراد مدرسين عرب، لاسيما من مصر.
-4 الخوض في تجربة التسيير الذاتي، زراعيا وصناعيا، مستلهما التجارب الصينية والكوبية واليوغوسلافية.
أما خارجيا، فقد مدت الجزائر في عهده يد العون لكل الثورات التحررية في العالم، إلى حد وصف الجزائر بأنها «قبلة للثوار»، ثم دعمه لحركة عدم الانحياز، بحيث أيام قليلة قبل تنظيم أكبر محفل دولي وقتها، أي المؤتمر الأفرو-آسيوي، وقع الانقلاب العسكري بقيادة العقيد هواري بومدين بدعوى أن بن بلة خرج عن خط الثورة وصار ديكتاتورا يستأثر بالسلطة. لذلك، لابد من تصحيح «المسار» كما جاء في بيان بومدين، ثم ألقي بالرجل في غياهب سجن انفرادي لمدة خمس عشرة سنة، وبالضبط يوم 30أكتوبر1980 .
انقلاب لم تتضح ربما كواليسه إلى اليوم. فهناك، من يشير إلى وجود أطراف خارجية بغية عرقلة مشروع المؤتمر، وبالتالي فأيادي الأمريكان والغربيين حاضرة. البعض الآخريفسره بصراع داخلي على السلطة بين رفيقي الدرب بن بلة وبومدين، وإن قيل بأن عهد الثاني هو في الحقيقة مجرد امتداد للأول. بومدين دعم بن بلة وهيأ له أسباب الوصول إلى السلطة، لكنه وقف ضده عندما استشعر أنه بدأ يضرب نفوذه ومركزه.
استغل بن بلة سنوات سجنه الطويلة كي ينكب على الدرس والتحصيل والإطلاع على الفكر الإسلامي، رغم تدخل العديد من الشخصيات المرموقة دوليا: كعبد الناصر وديغول وكاسترو وسيكوتوري ونيريري بتقديم التماس لبومدين كي يطلق سراح أول من تلا بيان اندلاع الثورة الجزائرية عبر أثير إذاعة القاهرة، غير أنه صمم على رفضه.
فترة السجن تزوج بن بلة بالناشطة السياسية زهرة سلامي،الصحفية الجزائرية في مجلة الثورية الإفريقية، الماوية المعارضة سابقا لنظامه والمناصرة لخصمه أحمد بوضياف، وقد تقاسمت معه يومياته داخل المعتقل لفترة سبع سنوات. بعد إطلاق سراحه، غادر متجها إلى باريس، فعاود ممارسة نشاطه النضالي مؤسسا حزبا سياسيا معارضا سنة 1984 هو «الحركة من أجل الديمقراطية»، مطالبا بحياة ديمقراطية تنهض على احترام حقوق الإنسان. يشرح بن بلة بشكل سريع ما عاشه، بين طيات مقالته الشهيرة «هكذا عرفت تشي»  (ترك تشي غيفارا الجزائر وهو ما تزامن مع الانقلاب العسكري الذي وقع يوم 19 يونيو 1965، ووضعي تحت الحراسة. رحيله عن الجزائر وقتله في بوليفيا، ثم اختفائي لمدة خمسة عشرة سنة، ينبغي تأمله في إطار سياق تاريخي للارتداد،  بعد فترة انتصارات النضالات التحررية تقهقر، دق ناقوس الحزن بعد القضاء على لومومبا وأنظمة العالم الثالث التقدمية، كما الحال مع نيكروما، كايتا، سوكارنو وناصر.. إلخ).

سعيـد بوخليـط
https://wordpress.com/view/africanfreedomorganisation.home.blog

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ