تعرف إمبراطورياتك / الممالك قبل وصول سفن الرقيق.

كذب الرجل الأبيض لك بأننا (الأفارقة) كنا بدائيين نعيش في أدغال ، ونقفز من شجرة إلى أخرى ، وإذا لم يكن الأمر للاستعمار ، فسنبقى حيوانات نلبس أنفسنا بالأوراق والشجيرات.
لم يبدأ التاريخ الإفريقي من العبودية ، فقد قاطع العبودية التاريخ الأفريقي.

  1. إمبراطورية كوش 1069 ق.م. – 350 م (جمهورية السودان الحالية)
  2. إمبراطورية IFE في القرن 11-15 الميلادي (نيجيريا الحالية)
  3. إمبراطورية بنين في القرن 12-15 الميلادي (جنوب نيجيريا)
  4. NOK EMPIRE 500BCE-200CE (نيجيريا اليوم)
  5. WOLLOF / JOLLOF EMPIRE من القرن الرابع عشر إلى السادس عشر الميلادي (في الوقت الحاضر غرب السنغال وغامبيا وجنوب موريتانيا)
  6. KONGO EMPIRE من القرن 14 إلى القرن 19 الميلادي (في الوقت الحاضر أنغولا وغرب الكونغو وجنوب الجابون)
  7. LUBA EMPIRE من القرن 15 إلى القرن 19 الميلادي (في الوقت الحاضر جنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية)
  8. MUTAPA EMPIRE 1450-165O CE (وادي زيمبيزي الحالي في زيمبابوي وجنوب غرب موزمبيق وزامبيا الشرقية)
  9. الإمبراطورية العظمى زيمبابوي 1000-1450 م (في الوقت الحاضر شرق زامبيا وزيمبابوي)
  10. MAPUNGUBWE EMPIRE القرن 12-13 م (جنوب زيمبابوي)
  11. ساحل سوازيلي الإمبراطورية من القرن 12 إلى الخامس عشر الميلادي (في الوقت الحاضر شرق تنزانيا وشرق ملاوي وجنوب شرق كينيا)
  12. الحبشة / الإمبراطورية الإثيوبية في القرن الثالث عشر الميلادي (إثيوبيا الحالية)
  13. مملكة أكسم من القرن الأول حتى الثامن الميلادي (إريتريا الحالية)
  14. مملكة دعامات في القرن 10-5 قبل الميلاد (إريتريا وشمال إثيوبيا الحالية)
  15. ألوديا إمبيير 300-697 م (الخرطوم اليوم في السودان)
  16. المملكة النوباطية / الفارسية 300-697 م (حاليا جنوب مصر وشمال السودان)
  17. قرطاج الإمبراطورية القرن السابع – الثالث قبل الميلاد (تونس حاليًا)
  18. MALI EMPIRE 1240-1645 CE (في الوقت الحاضر وسط جنوب مالي وجنوب موريتانيا وشمال السنغال وشمال بوركينا فاسو)
  19. غانا الإمبراطورية 6-13 القرن م (جنوب شرق موريتانيا وغرب مالي)
    21- آشانتي إمباير 1670-1957 (غانا اليوم)
    1. SONGHAI EMPIRE 1460-1591 CE (اليوم الحاضر الساحل الغربي) كان الأفارقة أعظم الناس على وجه الأرض الذين علموا العالم كله عن الحضارة.
      لم نكن أبدًا بدائيين ولا متوحشين ، بل مملكة كاملة متحضرة تحكمها أعظم الأباطرة المسجلة في تاريخ البشرية.
      بحث تاريخك شعبي وتوقف عن تصديق قصة الغرب.

نيلسون مانديلا…مجرد التخلص من القيود؛ لا لا يعني انك حر

في نوفمبر 15, 2018 21

إعداد/ عبدالرحمن محمد –

قد لا يكمن الحظ في الثروة والمال؛ ولا في الجاه ولون البشرة ومكان الولادة، إنما في أمور أخرى قد تأتي حتى  بالصدفة، أو إن فكرة ما يتم اصطياده في خضم ما يراود المرء من سيل الأفكار، ويتم العمل عليه، والسعي إلى تحقيقه، ولا شك إن الأفكار العظيمة كثيراً ما تقترن بتضحيات عظيمة. ولعل نيلسون مانديلا يكون من بين الشخصيات العظيمة التي ظهرت في القرن العشرين، ومن أكثره الشخصيات التي أثارت النقاشات والجدل في العالم، حتى بات أشهر من نار على علم كما يُقال.

ولد مانديلا في 18 تموز 1918 في “مفيزو” بجنوب أفريقيا، في وقت كانت فيه الصراعات العرقية والفصل والتمييز العنصري طاغياً في جنوب أفريقيا وسواها.

 كان والده “جادلا هنري مفاكانيسو” رئيساً لقبيلة ماديبا وتوفي ومانديلا ابن تسع سنوات، دخل مانديلا المدرسة الابتدائية ثم انضم إلى مدارس الإرسالية، ولتفوقه التحق بكليّة فورت هاري لدراسة الحقوق، وطُرِد منها لنشاطاته الاحتجاجية، ليُكمل دراسة الحقوق بالمراسلة في جوهانسبورغ، وتزوج مرتين ورُزق من زوجتيه بأربعة أولاد وبنتين.

تأثر مانديلا كثيراً بفكر ومبادئ المهاتما غاندي، وفلسفته في نبذ العنف والدعوة للسلم، وساهمت مفاوضاته في أوائل التسعينيات مع رئيس جنوب أفريقيا فريديريك ويليم دي كليرك في إنهاء نظام التمييز العنصري في البلاد، وبدء الانتقال السلمي إلى حكم الأغلبية، ونتيجة لذلك، حصل مانديلا ودي كليرك على جائزة نوبل للسلام عام 1993، وكان أوّل رجل قومي ورئيس من العرق الأسود ترأس البلاد منذ عام 1994 إلى عام 1999.

نشط حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الذي انضم إليه مانديلا عام 1942 في حملةٍ عُرفت بـ “حملة التحدّي”، تنقّل مانديلا خلالها في البلاد محرّضاً على مقاومة التمييز العنصريّ، وتحولت الحملة إلى حركة شعبية واسعة، فأصدرت السلطات حكماً بسجنه مع وقف التنفيذ عام 1956 مع 150 شخصاً آخرين اُتهموا بالخيانة بسبب دعوتهم السياسية، كما مُنع مانديلا من مغادرة جوهانسبرغ لستة أشهر. وقد شارك مع حزبه عام 1950 في إضراب ضد قمع الشيوعيّة.

أصبحت لمانديلا وحزب المؤتمر قاعدة شعبية واسعة، وعندما أُعلنت جنوب افريقيا جمهورية للبيض عام1962، دعا مانديلا جميع المنظمات الدولية إلى مقاطعة الحكومة، فكانت ردة فعله عنيفة وعنصريّة، ما دفع مانديلا للاختفاء والعمل في السر حيث  سافر إلى بوتسوانا وتنزانيا ومصر والجزائر والمغرب، ثمّ اتجه إلى بريطانيا، وإثيوبيا، وعاد بالدعم إلى جنوب إفريقيا. وحين وصل إلى البلاد، ألقت الحكومة القبض عليه عام 1962، بتهمة التحريض ومغادرة البلاد بطريقة غير شرعيّة، وصدر عليه الحكم بالسجن خمس سنوات. وفي السنة نفسها حُكم عليه بالسجن مدى الحياة في محكمة ريفونيا بتهمة الأعمال التخريبيّة، والسعيِ إلى قلب الحكومة بالعنف، وأجرى بعض الحوارات مع شخصيات سياسيّة، ورفض الخروج من السجن المشروط بتخلّيه عن الكفاح المسلّح مع حزبه. وفي عام 1990 أُطلق سراحه من دون أية شروط، بعد أكثر من 27 عاماً في السجن.

فور خروجه من السجن بدأ مانديلا المفاوضات مع رئيس الجنوب الأفريقي دي كليرك لإنهاء التمييز العنصري. وفي عام 1994، أجرت جنوب أفريقيا أول انتخابات ديمقراطية، وانتُخب حينها مانديلا رئيساً للبلاد، ليكون أوّل رئيس من العرق الأسود لجنوب أفريقيا، عن عمر يناهز 77 سنة، وكان دي كليرك نائبه الأول.

منذ عام 1994 حتى 1999، عمل الرئيس مانديلا على تحقيق الانتقال من حكم الأقلية والتمييز العنصري إلى حكم الأغلبية السوداء. وفي عام 1996 وقّع مانديلا على دستور جديد للأمة، مؤسّسًا حكومة مركزية قوية مبنية على حكم الأغلبية، وتضمن حقوق الأقليات وحرية التعبير.

أصيب مانديلا عام 2001 بسرطان البروستات، وأعلن اعتزاله العمل السياسي والخيري وهو يناهز الـ85 سنة، وظل ملتزماً بقضية محاربة مرض الإيدز وغيرها من القضايا كتعزيز السلام ومساواة المرأة بالرجل والقضايا المتعلقة بالأزمات الإنسانية، وحصل على العديد من الجوائز والأوسمة الدولية، وكان سفيراً للنوايا الحسنة عام 2005، وشُيّد له تمثال في ميدان البرلمان في لندن عام 2007.

توفّي مانديلا في الخامس من كانون الأول عام 2013 في منزله في جوهانسبرغ عاصمة جنوب أفريقيا، عن عمر يناهز الخامسة والتسعين عاماً، ليودع العالم شخصية نالت التقدير والكثير من الاحترام لما قدمه للإنسانية جمعاء

صورة تم إلتقاطها قبل أيام قليلة لوزير الزراعة “” Cossi Gaston Dossouhoui”” في دولة بنين يبكي فرحا بعد إعلان دولة بنين أنها المصدر الأول للقطن في أفريقيا !!

‏هذا مثال كبير على حب الوطن و التفاني و الإخلاص في العمل ، هناك في هذا العالم الكبير من يحبون وطنهم حقاً، و يسعون لرفعته صدقاً.. ليسوا كلهم فسدة.. ليسوا كلهم فاشلين..!!

عن الشيخ أنتا ديوب . من دفاتر البان افريكانيزم


رمـوز افريقيا الخـالـدة

رقم ٩


ناضل من اجل اخراج افريقيا من الظلم والاستعباد

مرمم الوعي الأفريقي : شيخ أنتا ديوب

ولد أنتا ديوب في ديسمبر ١٩٢٣ في منطقة ديوريل وبلاده ترزح تحت وطأة الاستعمار، وتدرج في مراحل تعليمه الأولى بنجاح وتفوق، تلقى تعليماً دينياً تقليدياً في السنغال ثم انتقل إلى جامعة باريس لدراسة الفيزياء ولكنه انشغل بالدراسات التاريخية ليرد علي الأكاذيب الأوربية التي سادت على مدى قرنين والتي تنفي عن السود أي إسهامات في الحضارة البشرية على الرغم من أنهم هم الآباء المؤسسين لها حقيقة.

هو مؤرخ سنغالي وأنثروبولوجي ورجل سياسة وقد كرس جهوده في إثبات إسهامات إفريقيا السمراء في إثراء الثقافة والتراث الإنساني العالمي.

وعلى الرغم من أنه يثوب جدلا في بحوثه انه يفتقر إلى بعض الأسس العلمية القوية – وخاصة فيما يتعلق بمصر القديمة- فقد كان له دور الريادة في إثبات مكانة إفريقيا في التاريخ، وفي هذا السياق ألف كتابا بعنوان “شعوب الزنوج والثقافة” ويعتبر نصا رئيسا فيما يخص عالم السود.

وقد نجح في إعادة اختراع فكرة جذور انتماء تراث الفراعنة إلى الأصول الإفريقية وذلك في وقت احتد فيه صراع الهوية بعد الحرب العالمية الثانية وتلك الجهود جاءت بعد أعمال الجمايكي إدوار وليموت بَليدين ومرقش جارفي.

لكنه يعتبر مُرمِّم الوعي الإفريقي في تاريخ العالم في وقت همش فيه الدور الإفريقي كما شكلت بحوثه نقطة انطلاق لانتعاش الوعي الإفريقي التاريخي، داعيا إلى استمرار مكافحة العنصرية بجميع أنواعها.

سـاهم بشكل كبير ومؤثر في تأسيس العديد من الكُتل السياسية في السنغـال،أهمها (الجبهة الوطنية ، والتجمع الوطني الديمقراطي) كان منافسا قوياً جداً للرئيس السنغالي آنذاك(ليوبولد سيدار) توفي في .٠٧/٠٢/١٩٨٦

حماية: دفاع عن الوجود -1

ديسمبر 12, 2019 44

وكالة هاوار –


“لن نعتدي على أحد حتى لو امتلكنا قوة تكفينا لهزيمة العالم أجمع. ولكن حتى لو اجتمع العالم كله علينا فإننا لن نتنازل عن حقنا المشروع في الدفاع عن النفس”.

منذ فجر التاريخ حين تأسست القبائل والعشائر والمجتمعات البشرية من أجل تأسيس ثقافة الحياة، اشتركت المجتمعات في قيم إنسانية قائمة على التعاون وبناء آلية دفاع مشتركة من أجل حماية نمط حياتها.

الآلية المشتركة التي نحن بصددها تسمى “الدفاع” أو الحماية، حيث تعتبر سلوكاً إنسانياً يتبعه الأفراد والمجتمعات من أجل مواجهة مخاطر الحياة.

على أرض الشرق الأوسط وبشكل خاص على أرض ميزوبوتاميا كانت هناك صراعات متواصلة بين إسلام الدولة وإسلام الثقافة أو ما يمكن تسميته بالمجتمع السياسي، هذه الحروب والصراعات استمرت طيلة الفترة بين القرن السابع وحتى القرن الثاني عشر. وكل حركة شعبية كانت تستلهم أساليبها الدفاعية من الحركة التي سبقتها، وفتحت الطريق أمام الحركات التي جاءت بعدها.

وظهرت العديد من الأمثلة الاجتماعية على المقاومة والدفاع الذاتي ضد دولة الدين خلال الفترة التاريخية الواقعة بين القرن الخامس والقرن الثاني عشر.

المزدكية، البابكية والهورامية:

انطلقت الثورة المزدكية في القرن الخامس الميلادي والتي انبثقت عن المانوية والزردشتية، ولهذه الثورة أهمية كبيرة لكونها تعتبر بشهادة الوثائق التاريخية، أكبر حركة دفاع ذاتي خارج إطار الدولة.

المزدكية: استندت على فلسفة تعتمد على المشاركة في الأموال والأملاك، وفكرة المساواة بين الرجل والمرأة ورفض الظلم والتسلط على الناس.

ولأن هذه الفلسفة شكلت خطراً وتهديداً كبيراً على الدولة الساسانية المتداعية في ذلك الوقت، فإن أتباع المزدكية تعرضوا للقمع والمجازر. وقتل مزدك، وهو قائد المزدكية الكردي الأصل في عام 499 ميلادية على يد الساسانيين.

الهورامية: تستند إلى الفلسفة الزردشتية والفكر الكومينالي الاشتراكي المزدكي، وتعتمد على الدفاع الذاتي. ولأن التاريخ يدوّن على أيدي المتسلطين والحكام، فإن صفحات التاريخ لا تحفل بالكثير من المعلومات حول الهورامية، بل وتعتبر غير موجودة أصلاً. ولكن من المعروف أن فكرة المساواة التي وضعتها الهورامية، شكلت مصدر إلهام لكل الحركات الاجتماعية والديمقراطية التي ظهرت بعد الهورامية بدءاً من مدينة ري ومروراً بسائر الشرق الأوسط.

وللمزدية والهورامية دور كبير في ظهور الانتفاضة البابكية، حيث حصلت هذه الحركة على تأييد شعبي كبير، وهي حركة قادها بابك وتمكنت من بناء جيش كبير بلغ تعداد جنوده عشرات الآلاف، وانتصرت في العديد من المعارك ضد جيوش الدولة العباسية.

وقتل بابك على يد العباسيين في سامراء، ولكن ثورته أصبحت مصدر إلهام للثورات التي حصلت بعدها من خلال ميراث المقاومة الذي جسدته.

ثورة الزنج:

كانت ثورة بارزة على الخلافة العباسية في منتصف القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، تمركزت حول مدينة البصرة، جنوب العراق اليوم، وامتدت لأكثر من 14 عاماً (869 – 883م) قبل أن تنجح الدولة العباسية في هزيمتها، ويعتقد أن الحركة بدأت بزنوج من شرق أفريقيا استعبدوا وجيء بهم إلى تلك المنطقة، وامتدت لتضم العديد من المستعبدين والأحرار في مناطق عدة من الإمبراطورية الإسلامية فكان الزنج قد ثاروا على المالكين وأسسوا حكومة لهم كان مقرها مدينة المختارة (جنوب البصرة)، وهددت الدولة العباسية حتى جندت كل إمكاناتها لتسحقها، فكانت أطول ثورات العصر العباسي وأخطرها.

تعتبر حركة الزنج حركة نضال ديمقراطي ضد قوى الدولة. ولم تقتصر الثورة على العبيد الأفارقة بعد أن التفت كل الشعوب المناهضة للسلطة حول هذه الثورة.

سعى الزنج إلى بناء نموذج ديمقراطي في مدينة المختارة (جنوب البصرة) وفي المناطق التي سيطروا عليها، حيث تنعدم الملكية الخاصة، الأرض للجميع، ويتشارك الجميع في العمل والإنتاج وتقاسم المنتوج. لا يوجد أحد مميز عن الآخر، الجميع سواسية.

بعد الانتصارات التي حققتها ثورة الزنج والثورات الاجتماعية الأخرى ضد العباسيين، يضطر العباسيون إلى التحالف مع الأتراك، ونتيجة للتحالف مع الأتراك تمكنوا من تجاوز تلك المرحلة. وفي مواجهة التحالف العباسي التركي تم تنظيم مقاومة دفاع ذاتي كبيرة وقوية. ومن أجل الدفاع عن مدينة المختارة يخوض الرجال والنساء والأطفال مقاومة كبيرة ضد العباسيين. وفي النهاية يتعرض الجميع، الرجال والنساء والشباب والأطفال لمجازر إبادة، كما تم تدمير ونهب المدينة بشكل كامل، وأخيراً تم حرق المدينة بمن فيها من الناس ولم يبقوا حجراً على حجر، ولم يبقَ أي أثر لمدينة المختارة، مدينة المساواة.

لكن هذه المقاومة والروح الجماعية والمقاومة التي سطرت على هذه الأرض منعت من تطور وظهور العبودية مرة أخرى، كما تحولت إلى مصدر إلهام للثورات التي ظهرت بعدها.

القرامطة:

تأسست حركة القرامطة في عام 870 واستمرت حتى عام 1070، استمرت حوالي مائتي عام، وتعتبر من أكبر الحركات في الشرق الأوسط توسعاً.

تستند حركة القرامطة على أربعة أسس أساسية، التنظيم، التدريب، الاقتصاد والدفاع الذاتي. حيث يولي القرامطة أهمية كبيرة لموضوع الدفاع الذاتي. ويعتمد القرامطة على فلسفة التشاركية، وبنى القرامطة أولى المراكز التدريبية الأكاديمية وذلك في مناطق النجف والكوفة في العراق. وفي المجال التنظيمي لم يكن هناك أي تمييز بين الشعوب والمعتقدات.

ولذلك فإن الحركة القرمطية تعتبر حركة أكثر تطوراً من مجرد حركة اجتماعية طبقية، وتمكنت من الاستمرار خارج إطار الدولة كحركة اجتماعية.

في القرن التاسع بدأ القرامطة يشكلون خطراً على السلطة الحاكمة، لذلك تعرضوا للإبادة والمجازر على يد العباسيين والأتراك.

تقييمات أوجلان حول تلك المرحلة:

ويتحدث القائد أوجلان حول مقاومات تلك المرحلة وموضوع الحماية الذاتية: “بعد وفاة النبي محمد، وتصفية أهل البيت، بدأت السلطات العباسية والأموية بالتوجه نحو الرجعية. حيث تم القضاء على العديد من الحركات والطرق الدينية التي تمثل الشعب، وساد الظلام الكامل على حضارة الشرق الأوسط. هذه المرحلة هي مرحلة النضال السياسي والأيديولوجي الذي أثر على كامل التاريخ البشري.

الخوارج والتي ظهرت كحركة الشرائح المضطهدة والفقيرة والمحرومة، وكذلك الحركات الأخرى مثل الهورامية والبابكية والقرامطة والحشاشين والإسماعيلية والعديد من الحركات الباطنية، أو الأصح الأيديولوجية والعملية، خاضت نضالاً كبيراً. وهي تمثل الاشتراكية البدائية. إلا أنها لم تتمكن كقوة إنتاج من تجاوز أساليب الإنتاج الإقطاعية ولم تتمكن من أداء دورها، ولم يكن من الممكن لهذه الحركات أن تنتصر. ومع ذلك فإن لهذه الحركات مكانة مهمة في تاريخ النضال من أجل الحرية والمساواة.

ويصف قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان التاريخ بأنه مثل نهرين جاريين: النهر الأول هو الحضارة الرأسمالية، والنهر الثاني الحضارة الديمقراطية.

وظهرت العديد من ثورات الاستقلال والحركات الاشتراكية بدءاً من أوروبا وحتى أمريكا وأفريقيا، وكل واحدة منها تمثل نموذجاً وتجربة للدفاع الذاتي، نورد فيما يلي نماذج منها:

كومونة باريس:

تأسست كومونة باريس عام 1871 وكانت بمثابة إعلان للشعب مفاده “مهمتنا هي القتال والانتصار” وكانت عبارة عن حركة منظمة استندت إلى أفكار الكادحين والاشتراكية والفوضوية، وتمكنت من حماية نفسها. وانضم معظم الجنود إلى الجماهير في حماية المدينة. الانتفاضة أزالت كل العوائق والعراقيل واتسعت بشكل كبير، وفي النهاية اضطر مسؤولو الدولة للفرار من المدينة، ووقعت المدينة بشكل كامل في أيدي الشعب المنظم.

تمكنت كومونة باريس من الصمود 60 يوماً فقط، لأن الثوار لم يتمكنوا من إتمام التحضيرات والاستعدادات اللازمة لاستمرارها. إلا أن كومونة باريس أثبتت أن الحفاة الجياع بإمكانهم تحقيق النصر. وشكلت تجربة مهمة فيما يتعلق بإمكانية تحقيق النصر. وجميع حركات الدفاع الذاتي والحركات الشعبية التي ظهرت بعد كومونة باريس استفادت من تجربة هذه الثورة.

هاييتي: الانتصار على العبودية:

في عام 1789 كانت هاييتي لوحدها تؤمن 40 بالمائة من حاجة العالم إلى السكر، وكانت وقتها خاضعة للاستعمار الفرنسي. حيث جلب الاستعمار وقتها أكثر من 500 ألف زنجي أفريقي كعبيد إلى هاييتي، للعمل في مزارع وحقول قصب السكر. وخلال 200 عام متواصلة كان العبيد في حالة انتفاضة مستمرة، إلا أنهم لم يتمكنوا من الخلاص من نير الاحتلال والاستعمار. في عام 1791 انتفض العبيد مرة أخرى تحت قيادة توسان لوفرتور.

من أبرز الظواهر التي شهدتها هاييتي هي أنها وخلال عصر الحداثة الرأسمالية كان يتم اختطاف الأفارقة وجلبهم إلى أوروبا وبيعهم كعبيد. ولم يتم التعامل مع العبيد كبشر، وتعرضوا لمختلف أشكال العنف والقمع والإهانة. هؤلاء البشر الذين تم اضطهادهم بسبب لونهم، قرروا تغيير مصيرهم وإنهاء العبودية بشكل كامل.

وخلال نضال الدفاع الذاتي أقدم الزنوج على إحراق البيض في حقول قصب السكر، ومن ثم تمكنوا من طرد المحتلين من البلاد. وأصبحت هاييتي أول دولة تدار من قبل الزنوج.

إسبانيا: أسلوب دفاع ذاتي ملهم:

خلال الانتخابات وصل الجمهوريون إلى سدة الحكم في إسبانيا، وقضوا على الحكم الملكي. في عام 1936 حاول بعض ضباط الجيش الفاشيين الانقلاب على الحكم، مما دفع الإسبانيين إلى إطلاق حرب الدفاع والحماية الذاتية في جميع المدن الإسبانية، وشاركت جميع الشرائح الاجتماعية في هذه الحرب من الاشتراكيين والفوضويين وجميع الثوار الأمميين، ولأول مرة تأسس في المدن “وحدات حماية المرأة، وشاركت النساء في حرب الدفاع الذاتي.

في تلك الحقبة ساند كل من النظام الفاشي في إيطاليا بقيادة الدكتاتور موسوليني، والنظام الألماني بقيادة الدكتاتور هتلر، ساندوا فاشية فرانكو الحاكمة في إسبانيا. وفي عام 1939 هزمت ثورة الشعب في إسبانيا، إلا أنها نشرت في أرجاء العالم روح الدفاع الذاتي الأممي والتشاركي.

غانا…التجربة الإفريقية الفريدة:

تعتبر تجربة القارة الإفريقية تجربة فريدة في الدفاع والحماية الذاتية ضد الاحتلال والاستعمار. ويمكن في هذا الصعيد التذكير بأمثلة حركات الدفاع والحماية الذاتية من أجل الدفاع عن الثقافة ضد الإنكليز، وكذلك حرب الاستقلال في غانا. حركة الدفاع الذاتي الشعبية الكبرى ظهرت في بداية عام 1900. وكانت الحركة وقتها تحت قيادة الملكة يا أسانتيوا. حيث تمكنت من بناء جيش كبير تحت قيادتها ضد تسخير الناس وإجبارهم على العمل في مناجم الذهب ونهب ثروات البلاد.

في الفترة التي تلت عام 1945 اتخذت المقاومة أشكالاً أخرى واستمرت على شكل إضرابات عامة وفعاليات احتجاجية سلمية، ولمواجهة الاحتجاجات أعطيت الأوامر لرجال الشرطة السود الموالين للاستعمار الإنكليزي إلا أنهم رفضوا الأوامر ولم يقبلوا استخدام السلاح ضد المحتجين. واستعان الإنكليز بالرجال البيض لمواجهة الاحتجاجات الشعبية مما أدى إلى مقتل العديد من الناس، مما أدى إلى ظهور المقاومة المسلحة مرة أخرى بقيادة الزعيم الغاني كوامي نكروما الاشتراكي وهو صديق الثوري تشي غيفارا. وبعد مقاومة طويلة استمرت 50 عاماً استطاعت غانا الحصول على استقلالها من الاستعمار الإنكليزي وطرد الإنكليز من البلاد، وفي عام 1957 أعلنت غانا استقلالها عن إنكلترا بشكل رسمي، وما زالت الملكة أسانتيوا تعتبر رمزاً ليوم الاستقلال في غانا.

كوبا: حركة دفاع ذاتي تحولت إلى ثورة:

وعلى خطا ثورة الشعب في إسبانيا، انطلقت الثورة في كوبا عام 1953 ضد نظام باتيستا الفاشي، وأعلن عن انطلاق الثورة على إثر الهجوم على ثكنة عسكرية، تحت قيادة فيدل كاسترو الذي كان ضمن المجموعة التي نفذت العملية العسكرية.

والتف الشعب حول الثورة من خلال مختلف الفعاليات، وتم تنظيمه تحت قيادة فيدل كاسترو وتشي غيفارا وتمكن في عام 1959 من السيطرة على العاصمة هافانا، وطرد باتيستا الفاشي من البلاد.

فيتنام: الحرب الشعبية:

شهدت فيتنام أكبر وأشهر الحروب والمقاومات الشعبية خلال القرن العشرين. ويمكن تعريف هذه المقاومة الشعبية بالمقاومة التي استندت على مبدأ “الكل يستطيع المشاركة في الحرب، بمختلف الأشكال، بالقتال، بالسلاح، بالفعاليات السياسية والتظاهرات، بالكلام والخطاب، بالنقاش والجدال وبكل الوسائل المتاحة”.

خاضت فيتنام حرب دفاع وحماية ذاتية على مدى 200 عام متواصلة، كما خاضت سابقاً في المناطق الجبلية مقاومة كبيرة ضد الاستعمار الفرنسي. وفيما بعد ضد الاحتلال والاستعمار الأمريكي، حيث تم تنظيم مقاومة شعبية في جميع المدن. وتأسست وحدات الدفاع والحماية الذاتية في فيتنام من نفس الأشخاص الذين كانوا في الظروف الاعتيادية يزرعون الأرض ويحصدون، ويدافعون عنها في حال تعرضت لأي هجوم. هذا الأسلوب نجح في تشتيت قوات العدو وهزيمته من ناحية، ومن الناحية الأخرى عزز من حراك المقاومة الشعبية.

وتمكنت هذه المقاومة من هزيمة الجيش الأمريكي الذي كان يضم وقتها 500 ألف جندي، بالإضافة 3300 طائرة و5 آلاف مروحية، وفي النهاية اضطرت أمريكا في عام 1958 للاعتراف بالهزيمة وانسحبت من فيتنام.

يتبع…..

“افلام” ضد الزنوج خيانة الهوية والمتاجرة بالدماء والتآمر على المستقبل

محمد الأمين ولد أبتي

محمد الأمين ولد أبتي

عندما يدخل كان بهوية صنبا تيام (1/3

1 – خيانة الهوية

(الحلقة الرابعة عشرة من حديث “القلب” و “العقل” في رئاسيات 2019 – 22 مايو 2019)

علي بالذات لا تزايدوا بالعنصرية :

وعيا منا بأننا في تناولنا للترشحات الفئوية و العرقية نتحرك في حقل ألغام، يعتبر المنطقة الأكثر عتامة و استعصاء على التحليل النقدي الحر في الحقل السياسي، و الميدان الأكثر تميزا بخلط الأوراق و سيطرة المزايدات في مجال التحليل الإيديولوجي و التاريخي. و بالنظر إلى أننا في هذه المنطقة نواجه القادة و المناضلين السياسيين الأكثر حدية، و الأقل تسامحا مع الرأي المختلف. و مراعاة لواقع أننا لسنا مسلحين بالبنادق و لا السكاكين و لا العصي، و أن الكثير من المتعاملين السياسيين و المحللين الإيديولوجيين في هذه الساحة جاهزون من هذه الناحية، أكثر من جاهزيتهم من جهة الحوار الفكري المنزوع السلاح. انطلاقا من كل ذلك، فإن الملاحظات التمهيدية التالية تفرض نفسها، مساعدة للراغبين في الحوار النزيه، و المستعدين لتهدئة الأعصاب و اتخاذ المسافة الضرورية من الانتماء العرقي و الإيديولوجي و التقليد الأعمى لشيوخ المذاهب القومية و العنصرية ممن مردوا على المزايدة و خلط الأوراق – اتخاذ تلك المسافة الضرورية – و صولا إلى قراءة أكثر هدوءا و تبصرا لما نقدمه من أطروحات في هذه المساهمة المتواضعة :

– الملاحظة الأولى : هذه المقالة ليست عملا استثنائيا معزولا يستهدف “الترشح الزنجي للرئاسة”، استجابة لعواطف إو مواقف شخصية أو ارتهانا لأجندة من الأجندات المعادية للزنوج أو للقوميين الزنوج. إنها المقالة الأخيرة في سلسلة مقالات تجاوزت حاليا الستين صفحة تناولت بالتحليل النقدي و التشريح الإيديولوجي جميع التيارات الحزبية الوطنية، في الأغلبية كما في المعارضة، و ذلك دون أي استثناء. و ضمن هذا التحليل لم نخف أننا سنتناول بالنقد – الذي لا يستخدم “القفازات” – القوى السياسية الإيديولوجية و غير الإيديولوجية، في أفق هذه الانتخابات الرئاسية، بالنظر لكونها تتحرك في الميدان العام المشترك بيننا، و تريد الفوز بالمقعد الأعلى الذي سيتحكم في مصيرنا جميعا خلال العشرية القادمة. و قلت لكم في الحلقة الخامسة ما قاله نزار قباني لجمهوره ذات مساء في “أبو ظبي” : “لا تنتظروا مني أن أكون موضوعيا كعالم الفيزياء، و لا محايدا كعالم الحشرات”.

– الملاحظة الثانية : “العبد الفقير إلى رحمة ربه”، كاتب هذه الدراسة يزعم لنفسه أنه هو أشد المعارضين للفكرة القومية العربية، من بين من كتبوا ضد هذه الفكرة في العقود الأخيرة من الزمن. و مقالتنا بعنوان : “في سبيل مجاوزة المشروع القومي العربي” الصادرة في العدد 31 من جريدة البيان الأسبوعية بتاريخ 7 سبتمبر 1992، ليست سوى حلقة في مجموعة المقالات التي أصدرناها في تلك الفترة، و التي تواردت فيها التحليلات المشددة على كون الفكرة القومية العربية هي العائق الإيديولوجي الأكبر لمشاريع التحرر و التنمية و الإصلاح في العالم العربي.

و في هذا السياق كانت خلاصتنا، أن الإيديولوجية القومية العربية ميئوس منها من هذه الناحية، و لا تجدي معها المراجعات و المعالجات و عمليات الجراحة و التجميل، بحقن الديمقراطية و التسامح و الواقعية، التي جربت معها منذ هزيمة 1967. استخلصنا أنها ببساطة، إيديولوجية لا تستحق على الجماهير العربية سوى الإلقاء بها في مزبلة التاريخ. لكن حذار فنفس ما ينطبق على الإيديولوجية القومية العربية، ينطبق كذلك على القومية الجرمانية ل”هتلر” و القومية الفرنسية ل”لوبين” الأب و البنت. كما ينطبق بنفس الدرجة على “قومية الرجل المسيحي الأبيض” ل”جزار المسجدين” في “نيوزيلندا”، و القومية الزنجية ل”افلام” في موريتانيا. و يصدق ذلك في حق كل القوميين و القوميات المتطرفين الذين يقتحمون الميدان العام عبر القارات في أيامنا هذه.

و كجزء من إنارة القارئ حول تميز موقفنا على هذا الصعيد، لا بأس بالإفادة أن هذا الخيار بالنسبة لنا كان أكثر من مجرد موقف سياسي إيديولوجي. إنه رؤية فلسفية لحياة التاريخ و المجتمع، تتجلى في المسار البحثي الذي سلكناه منذ منتصف الثمانينات، و الذي يصل اليوم إلى مرحلة متقدمة على مستوى الدكتوراه. و يمكن القول إن العنوان الرئيسي لهذه المرحلة من المتريز إلى الدكتوراه هو “تجاوز القومية الإبستمولوجية”، أو ما سميناه في كتابنا للعام 1996 “مشاريع الاستقلال الابستمولوجي”.

على مستوى المتريز كان بحثنا عملا نقديا حول مشاريع “نقد العقل العربي”، من خلال النماذج الأبرز لأساتذتنا الأجلاء : الجابري و العروي و برهان غليون. و قد تمت مناقشة البحث في مثل هذه الأيام من عام 1990. و قمنا بمراجعة و تمحيص الأفكار المعروضة في تلك الرسالة في كتابنا بعنوان : “موت المركزية المضادة – قراءة تاريخية نقدية للحداثة العربية”، الصادر عن مطابع النصر عام 1996. و هو العنوان الذي لو ترجمه أحدهم ب “موت عقلانية القومية العربية المتركزة حول ذاتيتها التاريخية و الثقافية الخاصة، المضادة للمركزية القومية الثقافية الغربية”، ما كان ذلك خطأ. شرط أن يكون المعني واعيا بخصوصية الإشكاليات المطروحة في حقل الفلسفة و تاريخ الأفكار و الخطابات. و جاءت خاتمة الكتاب بعنوان : “في سبيل تاريخ إسلامي عربي غير قومي”. للتأكيد على أن “العقلانية” كونية و إنسانية و عالمية، و لا يمكن بأي حال تأسيسها على “ذاتية ثقافية قومية”.

الملاحظة الثالثة : أن الذين أتيحت لي فرصة الاحتكاك بهم عن قرب في العقود الماضية من السياسيين و المثقفين الزنوج و البيظان، على هامش العمل المشترك في الصحافة أو نشاطات المجتمع المدني أو العمل السياسي أو الحوارات الثقافية و الفكرية، و في التعليم أو في مكاتب وزارة الشؤون الخارجية و التعاون، يعرفون جيدا أنه لا مكان في ذهنيتي للعصبية العنصرية، و أنه إذا كان لدي من ميول عرقي فالأرجح أن يكون باتجاه المكون الزنجي الموريتاني. و الله وحده يعلم كم كان مقدار الألم الذي اعتصرنا أيام رمضان عام 1989 إزاء تلك الأحداث التي واكبناها مغلوبين على أمرنا، و كنا – في حوارات الجامعة في تلك الأيام – من اشد المنتقدين للموقف المحزن للتيارات القومية العربية، المشرع للعنف الأهلي تحت ذرائع الانتقام و رد الفعل.

و في هذا السياق أشدد على أنني ممن يعتبرون أنه إذا أجبرت موريتانيا- ولا شيء يجبرها – في سياق دورها كهمزة وصل بين إفريقيا و العالم العربي على الميل إلى أحد الجوانب ، ينبغي أن يكون التغليب لعمقها الإفريقي، بحكم مقتضيات التاريخ و الجغرافيا، و قبل ذلك بحكم المقتضيات الإستراتيجية الاقتصادية و الأمنية للحظة الحاضرة. و سيخرج القارئ – بإذن الله – من هذه الحلقة الأولى من المقالة مقتنعا معي أن العمق الإفريقي لموريتانيا هو نفسه قد يكون أكثر ارتباطا بالثقافة العربية و الإسلامية من المكون العربي الموريتاني نفسه.

و كم أنا سعيد بأنني أكتب هذه الأسطر – كما جملة مقالات هذه السلسلة – من عاصمة “كوامين اكروما” أب استقلال “غانا”، و أكبر منظري و قادة التحرر في إفريقيا. و لست أشعر بالغربة هنا رغم بعد مضارب الأهل، و كوني لا أتكلم الإنجليزية. و بينما كنت أسير في الشارع هذا المساء إذ بالشاب الذي يبادرني بالسلام بلغة عربية نادرة في فصاحتها، قبل أن يقول إنه من ساحل العاج، و إنه طالب في الجامعة الإسلامية، بحي “مدينا” في “أكرا”. و تلك تجربة عشتها مرارا مع مواطنين عاديين من مسلمي غانا، الذين يتميزون بطلاقة اللسان باللغة العربية، و بأداء الأذان دون أية لكنة. و لعل في اختياري لمتابعة الدراسات العليا في داكار على مستوى الدراسات المعمقة و في “واغادوغو” اليوم على مستوى الدكتوراه، دليلا حيا على أن المزايدة علينا بالعنصرية أو بالانتماء الإفريقي غير واردة، من طرف أشخاص يغلب عليهم الاقتناع بكون الجامعات الغربية هي البيئة الوحيدة الصالحة للتعلم و البحث.

“كان” مرشح “أفلام” عدوة الزنوج :

حرصا على الشفافية و الصراحة مع القارئ سنبدأ من حيث يفترض أن ننتهي. سنقول إن هذه المقالة ستعمل عبر ثلاث حلقات على إثبات أطروحتين أساسيتين:

– أولا : أن كان حاميدو بابا ليس مرشح نفسه و لا مرشح حزبه و إنما هو مرشح “قوى التحرير الإفريقية بموريتانيا” المعروفة اختصارا ب”افلام”، بقيادة زعيمها التاريخي و رئيس حزبها المحظور صنبا تيام. و أن هذا الأخير بقدر ما كان المرشح المعلن أصلا هو في الحقيقة حامل اللواء و صاحب الخطاب و الكلمة الأولى و الأخيرة فيما يتعلق بمبادرة المرشح الموحد للزنوج في موريتانيا، التي أفرزت ترشيح كان حاميدو بابا.

– ثانيا : أن مشروع “أفلام” هو الخطر الأكبر على زنوج موريتانيا في الماضي و الحاضر و في المستقبل أيضا. سنعمل على إثبات أن حركة القوميين الزنوج التي انتهت إلى إتحاد شكل حركة تحرير تطالب بتقسيم البلاد و تنتج خطابا تعبويا يحفز العنف الأهلي و يبرر الانقلابات و الأعمال العسكرية في البلد – هذه الحركة – هي المسؤول الأول عن إراقة دماء الزنوج في دورات العنف أعوام 1966 و 1987 و 1989، و أنها يد من أيادي الاستلاب الثقافي و خيانة الهوية الإسلامية للبولار و السوننكي و الوولوف. الهوية التي لا هوية لهم سواها غير الهوية الثقافية الفرنسية التي قاوموها و حاربوها في مختلف دول القارة.

و أن الأجيال الجديدة التي لم تعش مآسي 66 و 87 و 89 ، و تهنأ اليوم بجو من الشراكة و التفاهم بين مختلف مكونات البلد، و أحلامها و تطلعاتها المحورية هي تحقيق التنمية و النهوض في حياة الأفراد و الأسر – هذه الأجيال – هي المستهدف الأول بمؤامرة يحوكها أشخاص يقودهم صنبا تيام و لوبياته. أشخاص يريدون لمستقبل هذه الأجيال أن يسجن في ماض صبغوه هم بالدم و التشريد و المآسي – بالتعاون و أحيانا بالتنسيق – مع القوميين و العنصريين من الجهة الأخرى.

سيقول لي بعضكم هذا خطاب عنصري يستهدف كان حاميدو بابا الذي تحاولون إثبات إنه مرشح تابع لمجموعة ليس عضوا فيها ؟

الجواب : لقد عرفت الانتخابات الرئاسية في موريتانيا دوما وجود مرشحين زنوج، بعضهم أستخدم العنوان العرقي في الحملة، و بعضهم لم يستخدمه، و في كل الحالات فإن الأغلبية الساحقة من الزنوج لم تصوت للمرشحين الزنوج. و في ذلك دليل على أن الدعاية العرقية لم تتداول على نطاق واسع، و أنها بالأساس لم تتمكن من التعبئة و الإقناع. و أن بولار و سوننكي و وولوف موريتانيا طيلة الدورات الانتخابية الماضية، حافظوا – شأنهم شأن كل المكونات العرقية الموريتانية – على التعددية التي تجد لها مبررات أكثر من مبررات التضامن و التوحد، أقلها العوامل الجهوية و الإيديولوجية و المصلحية المختلفة، و كون الزنوج أنفسهم ثلاث مكونات و كل مكونة تجمع مكونات.

و بالرغم من وجود مجموعة أحزاب ذات بعد زنجي منذ فجر التعددية لم يتمكن أي منها من توحيد الزنوج تحت لافتة العرق، بل لم يطمح أي منها إلى ذلك. و “كان” نفسه كان هنا في مختلف هذه المراحل، مناضلا في “إتحاد قوى الديمقراطية”، و مناضلا و نائبا في البرلمان عن حزب “التكتل”، قبل أن يؤسس حزبه الخاص، و لم نعرفه يوما من الطامحين و لا الدعاة إلى تميز الزنوج عن بقية الشعب و لا تجميع أصواتهم في خندق واحد، باعتبارها أصوات زنوج موريتانيا. و أفلام نفسها طيلة السنوات الماضية حرصت قيادات بارزة منها على الاصطفاف وراء “برام”، و ما زالت مجموعة منهم معه تتنافس مع البعثيين على التقرب منه. و كادت تنسينا مطالبها العرقية و القومية لتذيبها في مطالب “إيرا” حول تحرير العبيد.

و اليوم في هذه المرحلة التي تتميز فيها الساحة السياسية بأعلى درجات التشظي و التشرذم، و لا يسلم أي حزب من الانقسام حول المرشحين، نسمع لأول مرة الشعار العنصري المعلن، بخصوص “المرشح الموحد للأحزاب الزنجية”. لكن لنكن واضحين، هذا الشعار لم يرفعه أي من هذه الأحزاب المرخصة بقيادات و كوادر زنجية. إنه صادر من حزب سياسي محظور و من حركة سياسية تاريخها مرتبط بالدعاية العرقية و اعتماد مبدأ تقسيم البلد و المحاصصة في كل شيء عل أساس العرق، إنها “افلام”، ممثلة في المشروع المولود ميتا لحزب “القوى التقدمية للتغيير”، بقيادة الزعيم التاريخي ل”افلام” “صنبا تيام”.

هذا الزعيم التاريخي الذي لا يريد أن يعترف بأنه هو و “افلام”، و معهم القوميون و الفئويون من مختلف مكونات الشعب الموريتاني، قد أصبحوا جزءا من تاريخ لا مكان له في مستقبلنا. مستقبل يتميز ب”العيش المشترك” في الواقع، لا في الشعار المشكك الذي ترفعه حملة “حاميدو بابا”. أقصد العيش المندمج و التشاركي و التضامني، بين زنوج موريتانيا و مختلف مكونات بلدهم، الذي لن يرضوا عنه بعد التجارب المرة بديلا، وهو موريتانيا الديمقراطية و الموحدة و العادلة.

موريتانيا التي “تكفل – حسب ولد الغزواني – لكل مواطن حقه المشروع في الحرية و المساواة و الرفاه”. و تسير بخطى واثقة على طريق – تعزيز مكاسب الديمقراطية و تحصين الوحدة الوطنية و اللحمة الاجتماعية في إطار دولة المواطنة القائمة على القانون، الغنية بتنوعها و المتصالحة مع ذاتها”. الدولة التي يضع نظامها “في مقدم اهتماماته تكثيف الحضور لأي مكونة من الشعب عرفت غبنا اجتماعيا أو اقتصاديا عبر تاريخها”، على نحو “يجعل كل مواطن من أبناء تلك المكونات يشعر بالفخر و الاعتزاز بانتمائه إلى هذا الوطن العزيز”.

عندما نقرأ الصحافة يوم 11 فبراير الماضي – قرابة العشرين يوما قبل اعتماد ترشح كان حاميدو بابا من طرف كتلة الأحزاب الزنجية – نحد في موقعي الأخبار- انفو و كريدم تصريحا لعبد العزيز كان الناطق الرسمي باسم حزب “القوى التقدمية للتغيير” يقول فيه : ” إن رئيس الحزب سيتم اعتماده مرشحا للرئاسة بقرار من مناضلي الحزب، و حركة الشباب الواعي MJC و المنظمة الموريتانية للعمل ضد التمييز و العنصرية AMDR، و ذلك في جمعية عامة مبرمجة يوم 16 فبراير”.

و منذ ذلك التاريخ ظل يتردد في كل مكان مشروع ترشيح “صنبا تيام”، لغاية يوم 3 مارس حيث نقرأ في “أفي – أبدو Eveilhebdo.info و مواقع أخرى، قيام أتفاق بين أربعة أحزاب على ترشيح “كان حاميدو بابا” عنها. و هذه الأحزاب هي : حزب الحركة الوطنية من أجل إعادة التأسيس MPR بقيادة المرشح، و حزب التحالف من اجل العدالة و الديمقراطية – حركة التجديد بقيادة مختار إبراهيما صار” و حزب القوى التقدمية للتغيير غير المرخص بقيادة صنبا تيام، و حزب “ابليج” بقيادة با ممادو الاسان.

ما تفسير تحول ترشح “تيام” إلى “اعتماد ترشيح كان” ؟ بالنسبة لنا نحن، يتعلق الأمر قبل كل شيء بعملية تبييض، أشبه ما تكون بتبييض الأموال الحرام، و إدخالها في الدورة المالية الشرعية. و هي قضية ستكون مركزية في الحلقة الثالثة من هذه الدراسة، المخصصة للتآمر على مستقبل الزنوج من طرف “أفلام” و هذه القيادات السياسية التي أصبحت بهذا الاتفاق لوبي من اللوبيات الفرعية ل”أفلام”.

خيانة تاريخ فلسطين بعد تاريخ فوتا :

منذ السنة بالتمام، أي يوم 20 مايو 2018، و خلال شهر رمضان المعظم، نشر موقع “كريدم” مقالا موقعا باسم “صنبا تيام”، ورد فيه نفس ما ورد على صفحة المعني حول تاريخ علاقة الفلسطينيين و اليهود بأرض فلسطين.

في المقالة على “كريدم” و في صفحة المعني وفقا لترجمة موقع “الأخبار” نقرأ : “الحقيقة أنه في هذه المنطقة من العالم، كان هناك فلسطينيون قدموا من الشمال، و ظهروا في المصادر المصرية خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد، و قدموا على أنهم أعداء لمصر، و كانوا جزءا من شعوب البحر. و بعد مواجهتهم مع المصريين استقر هؤلاء الفلسطينيون على الشريط الساحلي لجنوب غرب ارض كنعان، أي في المنطقة الواقعة على طول البحر الأبيض المتوسط، من قطاع غزة الحالي إلى يافا. و في الواقع و من أجل استجلاء حقيقة انتربولوجية و تاريخية، فإن اسم فلسطين مشتق من كلمة فلسطيني و تعني بالعبرية الغازي. و بعد ثورة اليهود ضد .. الإمبراطورية الرومانية أطلق الإمبراطور “هادريان” على بلد اليهود اسم فلسطين، رغبة في منه في معاقبة هولاء .. لقد استعاد اليهود سيادتهم على ارض أجدادهم مع ولادة دولة إسرائيل في العام 1948. و هكذا فإن أي وجود غير يهودي آخر على هذه الأرض هو نتيجة للغزوات الأجنبية، و لاسيما العربية منها.

و لعل تعقيد المشكلة يكمن في أن هؤلاء عادوا إلى بلدهم، لكن السكان غير اليهود عاشوا هناك أيضا لمدة 13 قرنا. إنه بالنظر إلى “قانون الدم”، فإنه كان ينحاز دائما إلى اليهود. لكن بموجب “قانون الحوزة الترابية” يستطيع الفلسطينيون أيضا المطالبة بالأرض، أو على الأقل بجزء منها، و قد أخذت الأمم المتحدة هذا في الحسبان خلال تقسيم البلاد في عام 1948. و قد قبل “بن غوريون” و القادة الإسرائيليون ذلك بحسن نية، لكن الفلسطينيين الذين ساعدتهم دول عربية أخرى رفضوه، و فضلوا حل المشكلة عن طريق الدخول في أربعة حروب خسروها جميعا. إن هذا التعقيد يفسر الصمت الأكثر إحراجا لكل الدول العربية المحيطة، فما الذي يفعله الأفارقة ؟”

الغبي وحده يتخيل أن ثورة ردود الفعل الغاضبة التي ضجت بها الساحة في تلك الأيام فاجأت “تيام”، أو أنه لم يردها و لم يصل إليها بقصد مع سبق الإصرار و الترصد. لقد ضرب عصفورين بحجر واحد. أعاد أسمه إلى واجهة الأحداث التي لم يستطع الوصول إليها بكل التصريحات المتطرفة التي أطلقها منذ عودته من منفاه الاختياري، و رفض الترخيص لحزبه. و أرسل رسائل طيبة إلى الممولين الأساسيين لمشروع “أفلام”، من اليهود و حلفائهم في المجتمعين السياسي و المدني في أوروبا و أمريكا.

في مواجهة العاصفة بادرت “كريدم” إلى تبرئة ساحتها بتوضيح أن الموضوع جاءها من ذات القناة الالكترونية التقليدية التي تصلها منها مقالات “تيام”، بل و نشرت صورة من المراسلة بتوقيع المعني. و الطريف أن البريد هو نفسه بريد “أفلام”، الذي سارع القائمون عليه إلى الاعتذار عن الخلط الناتج عن نشر الموضوع بتوقيع تيام. بالمقابل بدا المعني هادئا على نحو لا يمكن تبريره. و رفض الاعتذار باعتبار المقال للمؤرخ السنغالي “شيخ تجاني اندياي”، من جامعة “شيخ أنتا جوب” بداكار. و أن المسألة خطأ فني تم التنبيه عليه و ينبغي إغلاق الموضوع.

و بما أننا لسنا أغبياء لدرجة إغلاق الموضوع بهذه البساطة، نطرح السؤالين التاليين :

– لماذا – أيها العزيز “تيام” – بعد نشرك لهذه الخيانة للتاريخ على صفحتك، لا تترك التفاعل الحر يتواصل، أقله للبرهنة على أنك لست مقتنعا بتلك الأفكار التي وقعت باسمك خطأ، وفقا لدعواك. و الواقع أنك كتبت بعد ذلك مباشرة : “أصدقائي الأعزاء لا ينبغي استخدام صفحتي على الفيسبوك للصراع حول هذا الموضوع. و سأحذف أي تدخل بشأن هذه المشكلة لأنه يعتبر خارج الموضوع” ؟!

– و في تعليقك على الموضوع لماذا لا تعلن أنك غير مقتنع بما ورد فيه، و أن رؤيتك لتاريخ فلسطين و هويتها تناقض ذلك. ثم لماذا لا تبحث عن مناسبة أكثر ملاءمة لتمجيد الباحثين و المتخصصين في التاريخ غير هذه المناسبة المرتبطة باتهامات لك أنت بكتابة تلك الأفكار. مناسبة أنت فيها في موقف من الاتهام لا تحسد عليه، من جهة ظهور أسمك على المقال المذكور.

إسمح لي أن أقول لك : إنك لم توفق في اختيار المؤرخ المثالي لتناول المسألة، عندما تصطف وراء رجل يتحدث عن “حق الدم” – أقل الشعارات قيمة أمام المحاكم الدولية و أكبر الخرافات التاريخية – في مواجهة شعب يعترف أنه سكن الأرض منذ 13 قرنا. و لم توفق كذلك في هجومك على الباحثين الموريتانيين في مجال التاريخ، و تلميحك إلى أن البلاد قد تكون خالية أصلا من هذا النوع من الباحثين. ألا يعكس ذلك حنينك إلى فنادق و ساحات باريس و نيويورك بعيدا عن أرض أجدادك. ألست في هذا تعاكس اليهود الذين قلت عنهم – أو قال عنهم واحد ممن يعجبونك من المتخصصين في التاريخ – إنهم يعودون بعد 13 قرنا إلى أرض أجدادهم.

لكنني أعتبر أن ما ورد في هذه المقالة، التي وقعت باسمك و قلت إنها ل “شيخ تيجاني اندياي” تتقاطع مائة بالمائة مع مذهبك في قراءة تاريخ “فوتا”، و لجوئك إلى “قانون الدم”، للتعاطي مع هموم و مشكلات الحاضر في فوتا و مختلف مناطق البلاد.

و عكسا لمذهبك، و لطريقة كتابة التاريخ لدى هذا ال”شيخ تجاني اندياي” الذي لا تستحق كلماته الحبر و الأوراق التي خصصت لها، سأقوم هنا بإيقاظ مجموعة من أجدادك العظام، ليحدثوك بأنفسهم عن تاريخهم، الذي غسلت دماغك منه المكاتب و الفنادق في أوربا و الولايات المتحدة. و بدلا من “حق الدم” الذي ورد في هذه المداخلة البائسة، لتشريع احتلال أرض أكبر شعوب العالم مظلومية في العصر الحديث و هو الشعب الفلسطيني، سنوضح لك في الحلقة الثانية من هذه المقالة كيف تحملت، أنت و الموقعون معك على وثيقة 1986، التي لم و لن تتبرؤوا من مسؤوليتكم عن كتابتها – كيف تحملتم – مسؤولية دماء الزنوج و غير الزنوج التي أريقت أعوام 87 و 89 و 90 من القرن الماضي. و سأستدعي لك “مارتن لوثركنغ” ليعلمك كيفية النضال المسئول و الشجاع و الصبور عن الحقوق المدنية. لأن في درس “لوثركنغ” الذي تخرج من جامعة “المهاتما غاندي” حالة نادرة من الحساسية اتجاه العنف النضالي و سفك الدماء، تغيب تماما في نص و روح وثيقتي 1966 و 1986 للقوميين الزنوج في موريتانيا.

من بيسي إلى فوتي كارولينا إسلام و عربية جبليان :

كم خسرت موريتانيا من أرواح أبناءها و استقرارها السياسي و الاجتماعي، و كم تأجل أو الغي من برامج التنمية، بسبب المواجهة السخيفة بين القوميين العرب و القوميين الزنوج. و ما أبعدها موريتانيا من تلك الهوية العروبية الناصرية أو البعثية، و بعد الشقة ما بين بولار و سوننكي و وولوف موريتانيا و الارتهان للهوية الفرنكفونية.

و لأن موضوعنا هو هوية و تراث زنوج موريتانيا، سنقدم الخلاصة التي تتفق عليها جميع مصادر تاريخ القوم، و هي أن ارتباطهم بالثقافة الإسلامية و باللغة العربية ظل ثابتا و صامدا صمود الجبال في حياتهم. إذا كان “عند لوثركنغ حلم”، فإن عندنا هنا درسا من التاريخ ندعو “تيام” و ال”فلاميين” إلى دراسته، كي يتوبوا من ضلالهم التاريخي، و يعودوا إلى رشدهم و أصالتهم و الهوية الحقيقية لأجدادهم.

و العنوان يلخص تلك الصفحة التاريخية التي فتحت مع “بيسي” السوننكي ملك غانا الذي دخل الإسلام على يد عقبة بن نافع في عهد معاوية ابن أبي سفيان، و حول نصف قصره إلى مسجد، لا يضاهيه إلا مسجد “جاكيلي” في كيدماغا في زماننا، و الذي قدر التمويل المنفق في بنائه بأربعمائة مليون أوقية. و إلى جانب المساجد تم إحصاء 125 مدرسة قرآنية و جامعة ما بين القرن الثامن عشر و العشرين، في مجتمعات السوننكي.

و فيما يخص “الوولوف”، هم مسلمون بنسبة 90%، و منطقة الوالو هي مهد وولوف موريتانيا، و هي إحدى ثلاث ممالك أسسها أمادو بوبكر، نجل القائد المرابطي أبوبكر بن عمر في وادي السنغال، و هي : مملكة والو و مملكة جولوف و مملكة كايور. و وفقا للشيخ أنتا جوب فإن أصل الوولوف يعود إلى نهر النيل و لغتهم أقرب إلى المصرية القديمة. قل لي بربك أين الهوية الفرنكفونية في ذلك.

أما البولار و هم المكون الزنجي الأكبر في موريتانيا، فمن أغرب الغرائب أن تكون منهم القيادات الرئيسية لأفلام، التي جعلت من الثقافة و اللغة الفرنسيتين المكون الرئيسي للهوية الإفريقية لزنوج موريتانيا، و نحن نعرف أن البولار في إفريقيا مرتبطون عضويا بالإسلام و باللغة العربية، حتي ليمكن تلخيص هويتهم في هاتين الكلمتين.

يقول المفكر السنغالي محمد سعيد باه، في بحثه بعنوان : “الفلان في موكب الحضارة الإسلامية أخذا و عطاء”، الذي راجعناه في موقع المركز الموريتاني للدراسات و البحوث الإستراتيجية” : بعد وجود متناثر اقتحم الإسلام قلب اكبر تجمع بشري للفلانيين مع مقدم عبد الله بن ياسين، و بلغت الذروة باعتناق ملك بلاد التكرور “وار جابي ابن رابيس انجاي” الإسلام عام 1041. و توجد اليوم العديد من الأسر الإسلامية العلمية في بلاد فوتا يحتفظون بسلسلة أسماء أجدادهم المسلمين العلماء بلا انقطاع، قد يصلون ما بين : 28 – 27 جدا.

و تميزت حياة المجتمع البولاري بقيام الكثير من الإمامات و الدول على أساس ديني، و من أهمها :

– إمارة “بندو” الإسلامية شرق السنغال نشأت سنة 1681 على يد العالم مالك سه الكبير

– دولة “صكتو” الإسلامية سنة 1810 بقيادة الشيخ عثمان بن فدوي في حوض اتشاد و ما جاوره

– إمارة “ماسينا” الإسلامية 1818 أحمد لب باه المنحدر من بلاد فوتا تور

– دولة الحاج عمر الفوتي تال 1797 – 1898 المعروفة في المصادر بالإمبراطورية التجانية

– دولة الأئمة في فوتا تور 1776 – 1891، تاريخ وفاة آخر الأئمة بجثو الاحتلال الفرنسي على البلاد.

و هذه الأخيرة هي الأهم عندنا، فإذا كان من مبرر تاريخي للدعوة الانفصالية ل”فلام”، فلا يجوز أنت تقوم إلا على أساس إعادة إقامة دولة “فوتا تور” الإسلامية، التي يفترض أن تقتطع أراضيها من الدول الثلاث، موريتانيا و السنغال و مالي. و هي شأنها شأن إمارات بني حسان و ممالك السنغال و مالي، ظلت قائمة حتى وصول المستعمر، رغم الضعف الذي أصابها بعد مقتل أمير المؤمنين عبد القادر كان.

و يغطي الحيز الجغرافي لدولة الإمامة الفوتية أجزاء من لبراكنة و غورغول و الترارزة و غيدماغا، و من مدنها كيهيدي و ماتام و بوغي و مقامة و بابابي و انجاجبني.

و المؤسس هو سليمان بال 1776 – 1880 من أسرة “تشارنو آسو بال” العلمية و الدينية المشهورة. و يعتقد أنه تأثر بحركة الإمام ناصر الدين، و كان رفض إتاوات بني حسان و مقاومة تجارة الرقيق من منطلقات ثورته. و قد اشتهر بوصيته التي هي بمثابة وثيقة المبادئ الدستورية للدولة الإمامية في فوتا. يقول : “إن النصر مع الصابرين، أنا لا أدري هل أموت الآن أم لا، فإذا مت فانظروا إماما عادلا زاهدا ورعا، لا يجمع الدنيا لنفسه و لا لعقبه، و إذا رأيتموه قد كثرت أمواله فأعزلوه و انهبوه، و إذا امتنع فقاتلوه و اطردوه، لئلا يكون ملكا عضودا يتوارثه الأبناء، و ولو غيره من أهل العلم و العمل من أي القبائل، و لا تتركوا الملك في قبيلة خاصة، لئلا تدعي الوراثة بل ملكوا كل مستحق”.

و قد تولى بعده أشهر أئمة فوتا عبد القادر كان 1776 – 1806. يقال أنه رفض في البداية تولي الخلافة. فاق أهل زمانه علما و حلما و قيادة. عرف بمقاومة الوجود الفرنسي و كان يمنع الفرنسيين من بيع و استعباد المسلمين. يقول فيه الشيخ محمد المامي : “زرت الأمير عبد القار كان و شاهدته يقيم حدود الله في المخالفين”. و كان الشيخ محمد المامي الذي يشتق اسمه من “الألمامي” و هي كنوة الإمام في “فوتا تور”، يعتبر هذه الدولة نموذجا مثاليا للحكم أو قل “يوتوبيا”. و يحلم بقيام دولة مشابهة لها في البلاد السائبة، أو بلاد المنكب البرزخي الممتد ما بين دولة الإمامة الفوتية جنوبا و المملكة السعدية في المغرب شمالا.

و كان الألمامي عبد القادر كان قد درس على خديجة منت العاقل الديمانية، و درس عليها معه أخوها أحمد ابن العاقل و المختار بن بونا الجكني. و من الوارد في سياق هذا التبادل العلمي بين علماء البولار و الزوايا، التنويه إلى أن أحمد ابن العاقل درس سبع سنين بمملكة فوتا جالون بغينيا، و صحب فيها العالم المتضلع بالأسرار الفا إبراهيم، الذي قد يكون هو نفسه الإمام الفا ابراهيم الذي تولى الحكم في فوتا جالون. و بعد عودة ابن العاقل عين قاضيا 1794 حتى وفاته 1828.

يقول حرمة بن عبد الجليل يمدح عبد القادر كان :

قد فقت كل ملوك الأرض قاطبة و فقت في العدل و العرفان كل ولي

ما سرك في شأو العلى أحد         إلا سميك عبد القادر الجيلي

تحالف ضده زعيم مملكة “بوندو” التكرورية الألمامي أحمد عيستا و زعيم مملكة “كارطة” البنبارية فلجأ إلى “خاي”، و لما خاف زعيم “خاسو” على مملكته وأبعد الألمامي عبد القادر من بلاده، لجأ إلى إمارة الترارزة، و ذلك في عهد الأمير أعمر ولد المختار. و كانت إقامته بالترارزة سجنا بالنسبة له، فقرر العودة ل”فوتا”، و ما إن وطئت أقدامه أرضها حتى علم به أعداؤه فحاصروه حصارا محكما، وقتله زعيم مملكة بوندو الألمامي أحمد عيستا بيده، ثأرا لأخيه الذي كان الألمامي عبد القادر قد قتله.

أما فيما يخص اللغة العربية عند القوم فيقول محمد سعيد باه : تجمع المصادر على أن عبد القادر كان أنشأ 80 مجلسا علميا على امتداد مضارب الفلان في ضفتي النهر، و كان من نتائج تلك النهضة الثقافية تسرب الثقافة الإسلامية إلى عمق الثقافة المحلية، حتى أصبحت الثقافة الإسلامية رافدا، بل مكونا من مكونات الثقافة الشعبية، كما نلمس في الألعاب و الأغاني و الإنتاج و الأساليب الأدبية و في كل مبادين الحياة العامة. و مما يستطرف أن الوله بالعربية و بما حملته في طياتها وصل بهذا الشعب الذكي أن زاحموا الشناقطة الذين أخذوا عنهم الكثير من صنوف المعرفة التي تم إنضاجها في بوتقة الثقافة الإسلامية. بل صعد بعضهم فادعى المشيخة على الجميع. حتى إذا قال صاحب “الطرة” العلامة المختار ولد بون الجكني في بيتين سارت بهما الركبان :

و نحن جمع من الأشراف منتظم        أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا

قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة        بها نبين دين الله تبيانا

انتشى شاعرهم فقال مفاخرا :

يا غاديا تركب الأهوال و الخطرا     و تطلع البيد كيما تدرك الوطرا

فبلغن كل قح من بني زمني             أني توجهت أني أشعر الشعرا

و البيتان ل”تشارن حامد”، الذي بوأه علو كعبه في العربية أن حكمه فطاحل الشعر من الشناقطة في منازعاتهم الشعرية، حتى تدخلت السلطات الاستعمارية فمنعته. و في هذا مقام يجدر فيه تذكير أمير الشعراء جاكيتي الشيخ سك بأنه ليس نادرة من نوادر تاريخ القوم، رغم أنه نادرة من نوادر زمانه.

يبقى الأعجب – و الكلام دائما لمحمد سعيد باه – متمثلا في تلك الظواهر الخارقة للعادة التي نتلقاها في جنبات أسواق الثقافة في ديارمسلمي غرب لإفريقيا عموما، و لدى ركبان الفلان خصوصا، و من أهمها ذلك الإنتاج الشعري ذي النكهة الخاصة، و نعني شعر أولئك الأدباء الأفذاذ الذين دبجوا القصائد باللغات الإفريقية، موظفين القوالب الشعرية التي تواضع عليها العرب دون أن يكون لهم أدنى إلمام باللغة العربية. و هو تيار أدبي مستقل يتسم بعمق التجربة و غزارة الإنتاج و تعدد المشارب

و نختم حلقة “الهوية المغدورة” لزنوج موريتانيا، بقصة ذلك الشاب الذي خبأ له القدر مصيرا عجيبا، و نهديها إلى فرع “افلام” في الولايات المتحدة الأمريكية. نقصد “عمر بن سعيد الفوتي” الذي أسر بعد قتل عبد القادر كان، و بيع عبدا، قبل أن ترميه الأقدار عل شاطئ “كارولينا”. و قد توفي سنة 1864 عن اربع و تسعين عاما دون أن يترك عقبا، ودفن على ربوة في منطقة “بلادن” Bladen بولاية كارولينا الشمالية، و شواهد قبره و ما عليها من الطين الأحمر المتصدع ماثلة للعيان. و قد بنت سلطات مدينة فايتفيل مسجدا باسمه سنة 1991 تخليدا لذكراه و اعترافا بمكانته الثقافية و الاجتماعية.

فهذا الفوتي الموريتاني هو الوحيد من الأمريكيين الأفارقة المستعبدين الذي ترك تراثا مكتوبا باللغة العربية. و ليس ذلك الأثر سوى سيرته الذاتية، التي تعتبر من أهم الوثائق الشاهدة على حياة المجتمع في “فوتا تور”، و على الأيام الأخيرة من حياة الخليفة عبد القادر كان، و على عمق ارتباط هذا المجتمع بالإسلام و بالثقافة العربية.

يتواصل

حكايات الغدر والموت والدم غاندي الزنوج انتصر من قبره مارتن لوثر كينغ… اغتيال الحلم

  • 39/12 2019
  • بواسطة منظمة الحرية الأفريقية

في 4 أبريل (نيسان) عام 1968، أودت رصاصة قاتلة بحياة مارتن لوثر كنغ، مهندس حركة الحقوق المدنية السلمية الرئيس وزعيمها في الولايات المتحدة، وكان عمره آنذاك 39 عاماً. وبلغ عدد الذين حضروا مراسم جنازته حوالى مئة ألف شخص.

كان كنغ تزعّم في اليوم الذي سبق مقتله، ضمن «حملة الفقراء» التي نظَّمها، نشاطاً لصالح عمال جمع القمامة الذين كانوا أساساً من السود، ومما قاله في خطابه: «لا أعرف ما الذي سيحدث الآن، فأمامنا أيام صعبة، ولكن الأمر لم يعد يشغلني الآن، لأنني وصلت قمة الجبل، والأمر سيان لديَّ، وأنا كالجميع أود العيش حياة طويلة، وللعمر الطويل مكانه».

كان عام 1968 عام الأحداث الجسيمة والجيشان السياسي في جميع أنحاء العالم. ففي الولايات المتحدة اغتيل السناتور روبرت كيندي في 5 يونيو (حزيران)، وهو الذي أمّن الدعم في الوقت المناسب للناشطين في حركة الحقوق المدنية، إذ كان وزيراً للعدل.

أدى اغتيال لوثر كينغ إلى أعمال شغب في العاصمة الأميركية واشنطن، وفي أكثر من مئة مدينة أميركية أخرى، مهدداً بتحويل نضال الأميركيين الأفارقة السلمي إلى مجابهة عرقية عنيفة، وقد بدت الحركة ـ حتى قبل الحادث الأليم ـ وكأنها تمر بتحوِّل كان أعوان لوثر كينغ المقرَّبين منه يتابعونه بتوجّس.

حياته

ولد لوثر كينغ في 15 يناير (كانون الثاني) 1929 في بمدينة أتلانتا الأميركية، وهو من جذور إفريقية اقتُلع منها أجداده ليباعوا ويشتروا في الأراضي الأميركية، ولكي تُستغل أجسادهم وأرواحهم لخدمة البيض.

إلا أن الأب كينغ كان ذا تطلعات واسعة، فعمل راعياً لكنيسة صغيرة بعد أن تلقى علومه في كلية «مور هاوس»، وعاش بعد زواجه في بيت صهره ويليامز، رفيقه في ما بعد في حركة نضال الزنوج، وهي الحركة التي سار فيها مارتن على درب أبيه وجدِّه حتى أصبح أشهر دعاة المطالبة بحقوق الزنوج المدنية.

في أتلانتا، تلك المدينة التي كانت تعجّ بأبشع مظاهر التفرقة العنصرية، كان يغلب على مارتن البكاء حين يقف عاجزاً عن تفسير نبذه من أقرانه البيض، ومنع الأمهات أبناءهن من اللعب معه.

لكن الصبي بدأ يفهم الحياة، ويعرف سبب هذه الأفعال، ومع ذلك كان دائماً يتذكر قول أمه: «لا تدع هذا يؤثر عليك بل لا تدع هذا يجعلك تشعر بأنك أقل من البيض فأنت لا تقل عن أي شخص آخر».

مضت السنوات ودخل مارتن المدارس العامة عام 1935، ومنها مدرسة «المعمل الخاص» في جامعة أتلانتا، ثم التحق بمدرسة «بوكر واشنطن»، وكان تفوُّقه على أقرانه سبباً لالتحاقه بالجامعة في آخر عام 1942، حيث درس في كلية «مور هاوس» التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه وللخدمة التي يستطيع تقديمها للعالم.

عام 1947 عيِّن كمساعد في كنيسة أبيه، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب عام 1948، ولم يكن عمره يزيد على 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة زنجية تُدعى كوريتا سكوت، فتزوجا عام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن.

في عام 1959 سافر مارتن، الذي درس فلسفة اللاعنف ومبادئها التي نادى بها المهاتما غاندي (1869- 1948)، إلى الهند حيث واصل دراسة التعاليم التي خلَّفها الأخير الذي وصفته أرملة مارتن، كوريتا سكوت كينغ، في وقت لاحق بأنه كان «أب مارتن السياسي الروحي»، وقد أشاد نيلسون مانديلا بدوره، في الكلمة التي ألقاها بمناسبة تسلمه جائزة نوبل للسلام في العام 1993، بمارتن لوثر كينغ بوصفه كان سلفه في محاولة حلّ القضايا المتعلّقة بالعنصرية والكرامة الإنسانية بشكل عادل.

نقطة التحوّل

في سبتمبر (أيلول) 1954 قدِم مارتن وزوجته إلى مدينة مونتغمري التي كانت ميداناً لنضاله. وفيها كان السود يعانون الكثير من مظاهر الاضطهاد والاحتقار، خصوصاً ما كانوا يلقونه من شركة خطوط أتوبيسات المدينة التي اشتهرت بإهانة عملائها من الزنوج، إذ كانت تخصِّص لهم المقاعد الخلفية وللبيض المقاعد الأمامية، لذا كان من حق السائق أمر الركاب الزنوج بترك مقاعدهم لنظرائهم البيض، هذا بالإضافة الى السخرية منهم، فكان عليهم دفع الأجرة عند الباب الأمامي، والدخول من الباب الخلفي، وكان بعض السائقين يستغل الفرصة، ويقود سياراته ليترك الركاب الزنوج في منتصف الطريق.

واستمرت الحال على هذا النحو إلى أن جاء الأول من ديسمبر عام 1955، إذ رفضت إحدى السيدات وهي حائكة زنجية أن تخلي مقعدها لراكب أبيض، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال البوليس الذين ألقوا القبض عليها بتهمة مخالفة القوانين، فكانت تلك الحادثة بداية مشوار كينغ النضالي.

مقاومة سلبيّة

كانت الأوضاع آنذاك تنذر برد فعل عنيف قد يفجر أنهار الدماء، لكن مارتن لوثر كينغ اختار للمقاومة طريقاً آخر غير العنف، فنادى بمقاومة تعتمد على مبدأ «اللا عنف» أو «المقاومة السلبية». وكان يستشهد دائماً بقول السيد المسيح عليه السلام: «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم»، فكانت حملته إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في حياة الزنوج الأميركيين.

كان النداء الأول، مقاطعة شركة الأتوبيسات، والذي نفِّذ فعلاً لمدة عام كامل، ما أثَّر كثيراً على إيراداتها ودخلها السنوي، إذ كان الزنوج يمثلون 70 % من ركاب خطوطها.

وعلى رغم أنه لم يكن ثمة ما يدين مارتن، إلا أنه ألقي القبض عليه بتهمة قيادة سيارته بسرعة 30 ميلاً في الساعة في منطقة أقصى سرعة فيها 25 ميلاً، فوُضع في زنزانة مع مجموعة من السكارى واللصوص والقتلة، وكان هذا أول اعتقال له أثَّر فيه بشكل عميق، إذ شاهد وعانى بنفسه من أوضاع غير إنسانية، إلى أن أُفرج عنه بالضمان الشخصي.

وبعدها بأربعة أيام فقط، أي في 30 يناير 1956، وحين كان يخطب مارتن أمام أنصاره أُلقيت قنبلة على منزله كاد يفقد بسببها زوجته وابنه، فذهب يتفقد ما حصل ليجد جمعاً غاضباً من الزنوج المسلحين على استعداد للانتقام، وبدت مدينة مونتغمري على حافة انفجار بركان من الغضب، فوقف لوثر كينغ أمام الجمع قائلاً: «دعوا الذعر جانباً، ولا تفعلوا شيئاً يمليه عليكم شعور الذعر، إننا لا ندعو إلى العنف».

بعد أيام عدة من الحادثة أُلقي القبض عليه ومجموعة من القادة البارزين، بتهمة المشاركة في مؤامرة لإعاقة العمل من دون سبب قانوني بسبب المقاطعة، واستمر الاعتقال إلى أن قدّمت أربع سيدات زنجيات طلباً إلى المحكمة الاتحادية لإلغاء التفرقة في سيارات الأتوبيس في مونتغمري، فأصدرت المحكمة حكمها التاريخي الذي ينص على عدم قانونية هذه التفرقة العنصرية، وحينذاك طلب لوثر كينغ من أتباعه إنهاء المقاطعة والعودة إلى استخدام سيارات الأتوبيس «بتواضع ومن دون خيلاء»، ولذلك أُفرج عنه.

على درب غاندي

كان كينغ من مؤسسي «مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية» في عام 1957، وهو تحالف بين رجال دين سود وكنائس للسود هدفه القيام بعمليات مباشرة بعيدة عن العنف ضد الفصل العنصري، وكان زعماء المؤتمر يأملون بتغيير الرأي العام بالإضافة إلى تحديات الفصل العنصري القانونية التي كانت تدفع بها الجمعية القومية الى تقدُّم الملونين، وكان كينغ قوة ديناميكية في المؤتمر، وسرعان ما برز كأفضل جامع تبرعات وكمخطط سياسي بارع التكتيك، إذ نجح في عقد تحالفات مع البيض الذين يعيشون في المناطق الشمالية ويتعاطفون مع السود، ثم سافر في عام 1959 إلى الهند، حيث اجتمع بأتباع غاندي ونقح أفكاره الخاصة بالاحتجاج الاجتماعي السلمي.

في يونيو (حزيران) عام 1957، وفي السابعة والعشرين من عمره، أصبح مارتن لوثر كينغ أصغر شخص وأول قسيس يحصل على ميدالية «سينغارن» التي تعطى سنوياً لشخص يقدم مساهمات فاعلة في مواجهة العلاقات العنصرية.

ولهذه المناسبة وأمام نصب إبراهام لينكولن وجّه لوثر كينغ خطاباً هاجم فيه الحزبين السياسيين الرئيسين «الجمهوري» و»الديموقراطي» وردَّد صيحته الشهيرة: «أعطونا حق الانتخاب»، ونجحت مساعيه في تسجيل خمسة ملايين زنجي في سجلات الناخبين في الجنوب.

في 19 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه وبينما كان يزور لوثر كينغ أحد المحلات المملوكة من البيض والواقعة في قلب مدينة غرهارلم، ظهرت فجأة امرأة وأخذت تسبّه وتلعنه، ثم أخرجت فتاحة خطابات ودفعتها بقوة إلى صدر لوثر كينغ الذي كاد يفقد حياته قبل أن يُنقل المستشفى، وحين استجوبت الشرطة المرأة المعتدية عللت دافعها بأسباب عدة غير مترابطة، فتقرر إيداعها في أحد مستشفيات الأمراض النفسية.

مرت الأيام ولوثر كينغ يحاول ترسيخ فلسفته في النضال من أجل حقوق الزنوج، ولكن من دون عنف حتى تلقى ضربة قوية لم يكن متأهباً لها كادت أن تقضي عليه كرمز يُحتذى به وتعصف بأفكاره ونضاله ضد العنصرية، ففي 17 فبراير (شباط) 1959 ألقى البوليس القبض عليه في مكتب كنيسته بأتلانتا، بتهمة التزوير في تقديم إقرارات ضريبة الدخل، فأعرب عن دهشته البالغة من تلك التهم قائلاً: «ولو لم أدّعِ الصلاح الكامل إلا أن الفضيلة الوحيدة التي أتمسك بها هي الأمانة»، ثم أفرج عنه بكفالة وسرعان ما بدا واضحاً أن القضية التي أقامتها الولاية عليه كانت مرتكزة على أساس بالغ الضعف.

مسيرات وإضرابات

بعد تولِّي جون كيندي منصب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، ضاعف لوثر كينغ جهوده المتواصلة لإقحام الحكومة الاتحادية في الأزمة العنصرية المتفاقمة، إلا أن كيندي استطاع ببراعة تفادي هجمات لوثر كينغ الذي لم يتوقّف عن وصف الحكومة بالعجز عن حسم الأمور الحيوية.

من هنا قرر لوثر كينغ في أواخر صيف عام 1962 بدء سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعمل على تعبئة الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وفي اليوم التالي وقعت أول معركة بين الزنوج المتظاهرين ورجال الشرطة البيض الذين اقتحموا صفوف المعتصمين بالعصى والكلاب البوليسية، ثم صدر أمر قضائي بمنع كل أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، فقرر كينغ للمرة الأول في حياته أن يتحدى علانية حكماً صادراً من المحكمة، وسار خلفه نحو ألف متظاهر كانوا يصيحون «حلت الحرية في برمنغهام»، لذا ألقي القبض عليه وأودع في سجن انفرادي، وفيه حرَّر خطاباً أصبح في ما بعد من المراجع المهمة لحركة الحقوق المدنية، وقد أوضح فيه فلسفته التي تقوم على النضال في إطار من عدم العنف.

أطفال في الواجهة

بعد خروج لوثر كينغ من السجن واصل قيادته للحركة، ثم خطرت له فكرة مشاركة الأطفال في التظاهرات السلمية، لكن لم يكن إلا القليلون على استعداد لتحمّل المسؤولية التي قد تنشأ عن مقتل طفل، ولكنه لم يتردد كثيراً فسمح لآلاف الأطفال باحتلال المراكز الأمامية في مواجهة رجال البوليس والمطافئ والكلاب البوليسية المتوحشة، فارتكبت الشرطة خطأها الفاحش واستخدمت القوة ضد الأطفال الذين لم يزد عمر بعضهم على السادسة، ثم اقتحمت صفوفهم بعصيها وكلابها، ما أثار حفيظة الملايين من الناس، فانتشرت في أرجاء العالم صور كلاب البوليس وهي تنهش الأطفال، وبذلك نجح لوثر كينغ في خلق الأزمة التي كان يسعى إليها، ثم أعلن أن الضغط لن يخف، وقال: إننا «على استعداد للتفاوض، ولكنه سيكون تفاوض الأقوياء».

لم يتردّد البيض من سكان المدينة في تشكيل لجنة للتفاوض مع زعماء الزنوج، وبعد مفاوضات طويلة شاقة تمت الموافقة على برنامج ينفَّذ على مراحل هدفه إلغاء التفرقة وإقامة نظام عادل، والإفراج عن المتظاهرين.

غير أن غلاة دعاة التفرقة اعتدوا بالقنابل على منازل قادة الزنوج فاندفع الشبان الزنوج الى مواجهة رجال الشرطة والمطافئ، وحطموا عشرات السيارات، وأشعلوا النيران في بعض المتاجر، حتى اضطر الرئيس كيندي الى إعلان حالة الطوارئ في القوات المسلحة، فسارع لوثر كينغ محاولا تهدئة المواطنين الغاضبين، وكان عزاؤه أن من شاركوا في العنف هم من غير الأعضاء الناشطين المنتظمين في حركة برمنغهام، وما لبث أن قام بجولة ناجحة في مدن عدة كشفت عن البركان الذي يغلي في صدور الزنوج تحت تأثير مائة عام من الاضطهاد.

غضب زنجي جارف

هذه الأحداث الكبيرة كلها كانت دافع زنوج أميركا، في عام 1963، الى القيام بتظاهرة صوب نصب لينكولن التذكاري لم يسبق لها مثيل، شارك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، فكانت الأكبر في تاريخ الحقوق المدنية، وفيها ألقى لوثر كينغ خطبته الشهيرة الرائعة {إنّي أحلم» التي قال فيها: «إني أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوماً ضمن شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم».

كذلك وصف لوثر كينغ المتظاهرين «كما لو كانوا اجتمعوا لاقتضاء دَين مستحق لهم، ولم تفِ أميركا بسداده، فبدلاً من أن تفي بشرف بما تعهدت به أعطت الزنوج شيكاً من دون رصيد، شيكاً أعيد وقد كُتب عليه أن الرصيد لا يكفي لصرفه».

دقت القلوب وارتجفت، بينما أبت نواقيس الحرية أن تدق بعد، فما أن مضت 18 يوماً حتى صُعق لوثر كينغ والملايين غيره من الأميركيين بحادث وحشي، إذ ألقيت قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك زاخرة بتلاميذ يوم «الأحد من الزنوج»، فهرع مجدداً إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف.

جائزة نوبل

في العام نفسه أطلقت مجلة «تايم» على لوثر كينغ لقب «رجل العام»، فكان أول زنجي يُمنح هذا اللقب، ثم حصل في عام 1964 على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة (35 عاماً).

بعدها لم يتوقف لوثر كينغ عن مناقشة قضايا الفقر لدى الزنوج، وبدأ يدعو إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل، إذ انتشرت البطالة بينهم، فضلاً عن الهزيمة السنوية التي كانوا يلقونها على أيدي محصّلي الضرائب، والهزيمة الشهرية على أيدي شركات التمويل، والهزيمة الأسبوعية على أيدي الجزار والخباز، ثم الهزائم اليومية التي تتمثل في الحوائط المنهارة، والأدوات الصحية الفاسدة والجرذان والصراصير والبق…

مقتله

في 14 فبراير (شباط) عام 1968 اغتيل مارتن لوثر كينغ ومعه أحلامه، ببندقية أحد المتعصِّبين البيض ويُدعى جيمس إرل راي، فيما كان يتأهب لقيادة مسيرة زنجية في ممفيس لتأييد إضراب «جامعي النفايات»، الذي كاد ينفجر في مئة مدينة أميركية.

وقد حكم على القاتل بالسجن 99 عاماً، غير أن التحقيقات أشارت إلى احتمال أن يكون الاغتيال مدبراً، وأن جيمس كان مجرد أداة!.

على رغم مقتله نجحت أهداف لوثر كينغ، وألغيت التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة، وأصبح للزنوج كل حقوق المواطنة، وتولى البعض منهم مناصب كبيرة في الحكومة الفيدرالية ومنهم: كولن باول، رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي سابقاً ووزير الخارجية الأميركية الأسبق، وكونداليزا رايس، وزيرة الخارجية السابقة أيضاً، وثمة راهناً حوالى 50 نائباً في الكونغرس من الأميركيين الأفارقة، ويتمتع عدد منهم بنفوذ سياسي كبير كرؤساء لجان مهمة في الكونغرس، ليس هذا فحسب، بل إن من يحكم أميركا الآن، باراك أوباما، هو واحد من هؤلاء الزنوج الذين اقتيد أجدادهم من مجاهل إفريقيا مكبّلين بالسلاسل عبيداً يباعون ويُشترون.

وفي العالم الماضي (2008) عقد الكونغرس الأميركي جلسة خاصة في الذكرى الأربعين لاغتيال المدافع عن حقوق الأفارقة في الولايات المتحدة مارتن لوثر كينغ.

كذلك أقيمت مسيرة شموع تضم الآلاف في مدينة ممفيس الأميركية تحت مياه الأمطار تكريماً لبطل النضال من أجل حقوق السود المدنية.

ويحيي الأميركيون، في 3 يناير من كل عام، ذكرى حياة وإنجازات القس مارتن لوثر كينغ، وتُعطي مراكز وجامعات كثيرة إجازات رسمية.

من أقواله: ه

• قد يعتقد البعض أن هذه طريقة الجبناء، بل هي وسيلة للمقاومة غير العنيفة لمواجهة الشر، فنحن نعارض العنف فكيف يكون وسيلتنا للمطالبة بحقنا؟ العنف الجسدي يولد الكراهية ويعمل على استمرارها لا إنهائها، وتستمر سلسلة العنف من دون جدوى بينما اعتمدنا على العقل والمشاعر الإنسانية في محاولة إقناع الخصم بأنه مخطئ، فسيساعد هذا على مخاطبته إنسانياً لا هوجائياً، ما يجعلنا نتواصل روحانيا، وقد تكون هذه الطريقة سلبية جسدياً ولكنها فاعلة روحانياً.

• المعارضة السلمية لا تسعى إلى هزيمة أو إذلال الخصم إنما تحاول كسبه كصديق ، لذلك فإن المقاطعة وعدم التعاون هما من الوسائل السلمية للاعتراض لإحراج الخصم وإيقاظ إحساسه بالخجل كإنسان.

• نحن لا نكره البيض فهم بشر مثلنا، إن ما نقاومه هو الشر وليس الأشخاص إنما ما نسعى إليه هو هزيمة ذلك الشر وليس الإكثار من الضحايا فالصراع ليس بين البيض والسود، وإنما بين العدل والظلم، النصر المحقق ليس للسود ضد البيض وإنما للحق وهزيمة الظلم.

• لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنياً.

• المصيبة ليس في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار.

دو بويز

دو بويز 

ماساتشوستسعلم الاجتماعجامعة هارفارد

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

دو بويز
(بالإنجليزية: William Edward Burghardt Du Bois)  
معلومات شخصية
الميلاد23 فبراير 1868
مقاطعة بيركشاير
الوفاة27 أغسطس 1963 (95 سنة)
أكرا
مواطنةالولايات المتحدة  
عضو فيالأكاديمية الألمانية للعلوم في برلين،  والأكاديمية الهنغارية للعلوم،  وألفا فاي ألفا،  والرابطة الوطنية للنهوض بالملونين،  والأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب  
الزوجةشيرلي غراهام دو بوا (1951–)  
الحياة العملية
المدرسة الأمجامعة هارفارد
المهنةمؤرخ،  وروائي،  وفيلسوف،  وكاتب،  وعالم اجتماع،  وعامل اجتماعي،  وناشط حقوقي،  ومصور،  وشاعر،  وكاتب سير ذاتية  
الحزبالحزب الاشتراكي الأمريكي  
اللغة الأمالإنجليزية  
اللغاتالإنجليزية[1]  
مجال العملحقوق مدنية  
موظف فيذا نيو سكول،  وجامعة جورجيا  
الجوائز
قلادة سبينغارن
جائزة لينين للسلام
التوقيع
المواقع
IMDBصفحته على IMDB  

W. E. B. Du Bois أو وليام إدوارد بورغاردت دو بويز(23 شباط 1868 – 27 آب 1963) هو عالم اجتماع وناشط سياسي أميركي من أصول افريقية، من أهم دعاة الحقوق المدنية والمهتمين بشؤون السود في مطلع القرن العشرين . وُلد في غريت بارينغتون في ولاية ماساتشوستس. أتيحت له نشأة في مجتمع متسامح نسبياٌ ومتكامل. تخرّج من جامعة هارفارد وكان أول أميركي إفريقي يحصل على الدكتوراه. أصبح أستاذ التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد في جامعة أتلانتا، وهو أحد مؤسسي الرابطة الوطنية لتحسين أوضاع المواطنين الملونين (NAACP) منذ عام 1909.

برز دو بويز في الساحة الوطنية كزعيم لحركة النيغرو (أي الزنوج)، وهي عبارة عن مجموعة من النشطان الأميركان الأفارقة الذين طالبوا بحق المساواة للسود. عارض دو بويز وأنصاره تسوية أتلانتا (وهي اتفاقية وُضعت من قبل بوكرت ت. واشنطن تنصّ علي أن يعمل ويخضع الجنوبيون السود إلي حكم البيض، بينما يضمن لهم البيض التعليم الأساسي والفرص الاقتصادية. عوضاً عن ذلك أصرّ دو بويز علي الحقوق المدنية كاملة وعلى زيادة التمثيل السياسي، واعتقد أن ذلك سيتحقق عن طريق نخبة من المفكرين الأميركيين الأفارقة، وقد أشار لهذه النخبة باسم “العُشر الموهوب” واعتقد أن الأميركيين الأفارقة بحاجة لفرص تعليم متقدم لكي يطوروا قياداتهم.

العنصرية كانت الهدف الأساسى في مجادلات دو بويز، وقد عارض بشدة الإعدام بدون محاكمة، وقوانين جيم كرو والتمييزفي الدراسة والتوظيف. شملت قضيته الأشخاص الملونين في كل مكان، وبخاصة الأفارقة والآسيويين ومقاومتهم ضد الاستعماروالإمبريالية. كان دو بويز يؤيد لـالوحدة الإفريقية (pan-Afticanism) وساعد في تأسيس عدة هيئات تشريعية مؤيدة للوحدة لتحرير المستعمرات الأفريقية من القوي الأوربية.

جال دو بويز في رحلات متعددة الي أوروبا وإفريقيا وآسيا. بعد الحرب العالمية الأولى قام ببحث عن خبرات الجنود الأميركيين السود في فرنسا، وقام بتوثيق التعصب الأعمى المنتشر في جيش الولايات المتحدة.

كان دو بويز مؤلفاً غزيراً، وقد كان كتابه التجميعي لمقالاته أرواح الشعب الأسود عملاً أساسياً في الأدب الإفريقي-الأميركي؛ وفي أعظم إبداع له عام 1935 إعادة الإعمار والسود في أميركاتحدى المعتقد التقليدي السائد علي أن السود هم المسؤولون عن فشل عصر إعادة الإعمار (ما بعد الحرب الأهلية الأميركية). كذلك كتب دو بويس أول دراسة سوسيولوجية علمية، وقد نشر ثلاث سير ذاتية في كل منها مقالات بصيرة في علم الاجتماع والتاريخ والسياسة. وكمحرر لجريدة الأزمة (ذا كرايسس) التابعة للرابطة (NAACP) قام بنشر العديد من القطع المؤثرة. آمن دو بويز بأن الرأسمالية كانت سبب العنصرية الأساسي، وقد كان متعاطفاً مع قضايا الاشتراكية طوال حياته، وناشط سلام متحمساً ومؤيداً لنزع السلاح النووي. وقد جسد “قانون الحقوق المدنية” التابع للولايات المتحدة العديد من الإصلاحات التي كان يدعمها دو بويز طوال حياته، وقد شُرعت بعد عام من وفاته.

بدايه حياته

كنيسة كنغريغاشنل في غريت بارينغتون، التي عاش بها دو بويز طفولته... جمع أعضاء الكنيسة التبرعات لدفع رسوم تعليم دو بويز في الجامعة[2].

كنيسة كنغريغاشنل في غريت بارينغتون، التي عاش بها دو بويز طفولته… جمع أعضاء الكنيسة التبرعات لدفع رسوم تعليم دو بويز في الجامعة[2].

ولد وليام إدوارد بورغاردت دو بويز في 23 شباط 1868 في غريت بارينغتون في ولاية ماساتشوستس الأميركية، من ألفريد وماري سيلفنيا (ابنة بورغاردت) دو بويز [3]. تُعَد عائلة ماري سيلفينيا بورغاردت جزءاً صغيراً جداً من السكان السود الأحرار في منطقة غريت بارينغتون، وقد تملكوا أراضي في الولاية لمدة طويلة؛ وهي تنحدر من أسلاف هولندية وإفريقية وإنكليزية [4]. ينتمي وليام دو بويز من جهه الأم إلي الجد الأكبر توم بورغاردت، وهو عبد (ولد في غرب أفريقيا حوالي 1730) احتجزه المستعمر الهولندي كوبراد بورغاردت. خدم توم لفترة وجيزة في الجيش الأوروبي خلال حرب الاستقلال الأمريكية، وقد يكون حصل على حريته خلالها[5]. جاك بورغاردت نجل توم هو والد أوثيللوبورغاردت، والد ماري سيلفينا بورغاردت[5].

كان الجد الأكبر لدو بويز من جهه الأب من أصول فرنسية، يدعى جامس دو بويز، من بوكيبسي في ولاية نيويورك. أنجب العديد من الأطفال الذين عانوا من عبودية عشيقاته[6]. ألكسندر كان واحداً من أبناء جيمس دو بويز، من سلالة مختلطة. سافر إلي هايتي وأنجب ابناً يدعي ألفريد من عشيقة له هناك[7]. أنتقل ألفريد إلى الولايات المتحدة في وقت ما قبل 1867 في هاوستونيك بولاية ماساتشوستس[7]، ثم هجر ألفريد ماري في 1870، أي بعد عامين من ولادة ويليام[8]. عملت والدة ويليام لتدعم أسرتها (تلقت بعض المساعدات من إخوتها وجيرانها) إلى أن أصيبت بالسكتة الدماغية في أوائل الثمانينات من القرن التاسع عشر وتوفيت عام 1885[9].

تعامل المجتمع الأساس الأوربي الأميركي في بارينغتون مع دو بويز معاملة حسنة عموماً. فقد درس بالمدارس المحلية العامة، ولعب مع زملائه البيض. ومع ذلك فقد تعرض لعنصرية في ذلك الوقت ستكون واحدة من الموضوعات التي سيكتب عنها لاحقاَ في رشده. شجّع المعلمون نشاطه الفكري وقادته تجربته المثمرة في الدراسات الأكاديمية إلي إيمانه بإمكانية استخدام علمه في دعم وتمكين الأفارقة الأميركيين[10]. عندما قرر دو بويز الالتحاق بالجامعة تبرعت كنيسة كنغريجاشنل، التي عاش بها طفولته في غريت بارينغتون، بالأموال اللازمة لدعم تعليمه[11].

التعليم الجامعي

واجه دو بويز قانون جيم كرو للفصل بين البيض والسود لأول مرة حينما درس في جامعة فيسك في ولاية تينيسي[12].

واجه دو بويز قانون جيم كرو للفصل بين البيض والسود لأول مرة حينما درس في جامعة فيسك في ولاية تينيسي[12].

اعتماداً علي الأموال التي تبرع بها جيرانه، درس دو بويز في جامعة فيسك، وهي كلية تاريخياً للسود في ناشفيل، تينيسي بين 1888 و1885[13]. كانت أولى تجارب دو بويز مع العنصرية الجنوبية حين سافر وانتقل للعيش في الجنوب، فهي تضم قوانين جيم كرو للفصل بين البيض والسود، وفيها تعصب أعمى وحالات إعدام بدون محاكمة[14]. بعد حصوله علي درجة بكالوريوس من جامعة فيسك، درس في جامعة هارفارد (التي لم تقبل بالمواد الدراسية المعتمدة من جامعة فيسك) بين 1888-1890، حيث تأثر بشدة بأستاذه ويليام جيمس وبدوره البارز في الفلسفة الأمريكية[15]. اعتمد دو بويز خلال دراسته لمدة ثلاث سنوات في جامعة هارفارد علي العمل الصيفي والأموال التي ورثها والمنح الدراسية والقروض التي قدمها له أصدقائه لدفع رسوم الجامعة. في 1890 كرّمت هارفارد دو بويز إثر حصوله على البكالوريوسللمرة الثانية، وذلك في مجال التاريخ وبرتبة امتياز[16]. 1891 حصل دو بويز علي منحة دراسية للالتحاق بالدراسات العليا في علم الاجتماع في جامعة هارفارد.[17]

في عام 1892، تلقي دو بويز درجة الزمالة من صندوق جون سلاتر لتعليم العبيد المعتوقين لحضور جامعة برلين للعمل في الدراسات العليا.[18] وبينما كان طالب برلين، سافر إلى جميع أنحاء أوروبا. عاش دو بويز في عصر المثقفين في العاصمة الألمانية، حينما كان يدرس في هذه البلدة مع بعض أبرز علماء الاجتماع ومن بينهم غوستاف]] فون سكموللير وأدولف فاغنر وهاينريش فون ترايتشكه[[.[19] وبعد عودته من أوروبا أنهى دو بويز الدراسات العليا عام 1895 وكان أول أميركي من أصول إفريقية يحصل علي شهادة دكتوراه من جامعة هارفارد[20].

ويلبرفورس وجامعة بنسلفانيا

“بيني وبين العالم الآخر هناك دوماً سؤال غير مسؤول: ما هو شعور أن تكون مشكلة؟ يشعر المرء دائماً بأنه اثنان، أميركي وزنجي، روحان، فكران، كفاحان غير متصالحين، مثالان متقاتلان في جسد واحد مظلم، جسد وحدها قوته العنيدة تحميه من التمزّق إرباً. لن يؤفرق أميركا، لأن أميركا لديها الكثير لتعلّمه للعالم وإفريقيا. ولن يبيّض روحه السوداء في فيض التأمرك، لأنه يعلم أن الدم الزنجي لديه رسالة للعالم. هو ببساطة يتمنى أن يكون ممكناً للإنسان أن يكون زنجياً وأميركياً معاً، دون أن يلعنه من حوله أو يبصقوا عليه، ودون أن يرى أبواب الفرص مغلقة بشراسة في وجهه طوال الوقت.” —Du Bois, “Strivings of the Negro People”, 1897″[21]

في صيف 1893، تلقى دو بويز العديد من فرص العمل، تشمل فرصة عمل في معهد توسكيجي المرموق؛ ولكنه وافق على وظيفة التدريس في جامعة ويلبرفورس في ولاية أوهايو[22]. تأثر دو بويز في ويلبرفورس بشدة بألكسندر كروميل، الذي يؤمن بأن الأفكار والأخلاق هم الأدوات اللازمة للتأثير في التغيير الاجتماعي[23]. أثناء تواجده بويلبرفورس، تزوج دو بويز واحدة من طلابه، ديبو نيانا جومر، في 12 أيار عام 1896[24].

بعد قضاء عامين في ويلبرفورس، قبل دو بويز وظيفة لمدة عام من الأبحاث بجامعة بنسلفانيا كمُساعد في علم الاجتماع عام 1896[25]. كان يقوم بالأبحاث الميدانية الاجتماعية في أحياء فيلادلفيا ذات التواجد الإفريقي، والتي شكلت الأساس في عمله الدراسي البارز. بعد عامين من التدريس نشرت جامعة أتلانتا له كتاب زنوج فلادلفيا الذي يعتبر الحالة الأولى في دراسة المجتمع الأسود[26].

عام 1897، بينما كان يحضر دو بويز أكاديمية للزنوج، رفض طلب فريدريك دوغلاس من الأميركان السود أن يندمجوا في المجتمع الأبيض. وكتب “نحن الزنوج، إرادة السلالة التاريخية الشاسعة التي نامت من فجر الخليقة، ولكنها نصف يقظة في غابات وطنه الإفريقية المُظلمة”[27]. في آب 1897 نشر دو بويز في مجلة أتلانتا الشهيرة “نضال الشعب الأسود”، ووجّه أول عمل له إلى عامة الشعب، حيث توسعت نظريته القائلة بوجوب احتضان الأميركان الأفارقة لتراثهم[28].

جامعه أتلانتا

وليام بورغاردت دو بويز في عام 1904

وليام بورغاردت دو بويز في عام 1904

في تموز 1897 غادر دو بويز فيلادلفيا ليصبح أستاذ التاريخ والاقتصاد في جامعة أتلانتا السوداء تاريخياً[29]. كان أول إنجاز أكاديمي له هو نشر فلادلفيا الزنوج عام 1899، وهي دراسة اجتماعية مفصلة وشاملة للأفارقة الأميركان الذين يعيشون في فيلادلفيا، استناداً على العمل الميداني الذي قام به في 1896-1897. حقق عمله طفرة في المنح الدراسية، لأنها كانت أول دراسة اجتماعية علمية في الولايات المتحدة، وكذلك أول دراسة علمية من الأميركان الأفارقة[30]. في هذه الدراسة استخدم دو بويز مصطلح “العشر المغمور” (لوصف الطبقة الدنيا الفقيرة بين السود) ومصطلح “العشر الموهوب” (لوصف طبقة النخبة في المجتمع الأسود) وهو المصطلح الذي رُوّج له عام 1903[31]. عكست مصطلحات دو بويز رأيه في نخبة هذة الأمة، من البيض والسود، وكان الطرف النقدي في المجتمع المسؤول عن الثقافة والتقدم[31]. رفض دو بويز في كتاباته في هذا العصر وصف الطبقة الدنيا بأوصاف مثل “كسول” أو “غير موثوق به”، بل (بخلاف علماء غيره) أرجع الكثير من مشكلات المجتمع إلى ويلات الرق[32].

كانت نتائج دو بويز في جامعة أتلانتا مذهلة، حيث على الرغم من الميزانية المحدودة إلا إنه أنتج العديد من الأبحاث في علم الاجتماع، كما استضاف مؤتمر أتلانتا السنوي لمشاكل الزنوج[33]، وتلقى دو بويز منحة من الحكومة الأميركية لإعداد تقارير عن الطبقة العاملة وثقافة الأميركان الأفارقة[34]. اعتبره طلابه معلماً بارعاً غير أنه متحفظ وصارم[35].

بوكر تليفور واشنطن وتسوية أتلانتا

تصغير|أحد الأميركان الأفارقة المقتول بإعدام دون محاكمة سنة 1925 خلال العقد الأول من القرن الجديد، برز دور دو بويز كمتحدث باسم سلالته (الأفرو-أميركنز)، وجاء بوكر تليفور واشنطن في المرتبة الثانية بعد دو بويز[36]. كان بوكر ت. واشنطن مدير مؤسسة توسكيجي، وكان لها تأثير كبير في المجتمع الأميركي[37]، وقد كان المدبر الحقيقي في تسوية أتلانتا، وهي اتفاقية غير مكتوبة عُقدت عام 1895 مع القادة الجنوبيين الذين استولوا علي الحكومة بعد فشل حكومة “إعادة الإعمار”. نصّت هذة الاتفاقية علي أن السود الجنوبيين الذين يعانون من االتمييز والتفرقة والحرمان من حقوق التصويت وعدم الانتماء إلى نقابة العمال، أن على البيض الجنوبيين السماح لهم بحقوق التعليم الأساسي وببعض الفرص الاقتصادية وبالعدالة في حدود النظام القانوني، وأن يستثمر بيض الشمال وشركات الجنوب في صندوق دعم تعليم السود[38].

رفض العديد من الأميركان الأفارقة أتفاقية بوكر واشنطن، ومن ضمنهم دو بويز وأرشيبالد غريم وكيلي ميلر وجيمس ويلدون جونسون وبول لورنس دنبار، والذين يمثلون الطبقة المثقفة من السود الذين لاحقاً أَطلق عليهم دو بويز مصطلح “العشر الموهوب” [39]. رأى دو بويز أنه ينبغي على الأميركان الأفارقة النضال من أجل المساواة في الحقوق بدلاً من أن يخضعوا بشكل سلبي للتفرقة وللتمييز في اتفاقية بوكر واشنطن (“تسوية أتلانتا”) [40].

كان إعدام سام هوس (Sam Hos) الذي طُبّق عليه بدون محاكمة بالقرب من أتلانتا عام 1899، هو الحدث الذي ألهم دو بويز المزيد من النضال[41]. تعرض هاوس للتعذيب والحرق والإعدام من قبل حشد مكوّن من ألفي شخص أبيض[41] وذلك حينما تحدث مع محرر صحيفة بالنظر من خلال تسوية أتلانتا لمناقشة حالات الإعدام بدون محاكمة. انصدم دو بويز بحادث هوس الذي حُرق في استعراض أمام العامة. كان الحادث بمثابة محفّز لدو بويز، فعزم علي أنه “لا يمكن أن يعيش مواطن حياة هادئة ومشاعره باردة، ويعيش المثقفون في عزلة، بينما يعاني الزنوج الإعدام والحرق والجوع”[42]. رأى دو بويز أن “العلاج لن يتم عن طريق مواجهة الناس بالحقيقة فقط، بل حثهم على العمل على الحقيقة”[43].

في 1901، نشر دو بويز نقده لكتاب بوكر واشنطن الخروج من الرق[44]، والذي اتسع نطاق نشره ونُشرت لجمهور أكبر (مثل مقالة “السيد بوكر تليفو واشنطن ” وغيرها من مقالات جُمعت في كتاب “أرواح الشعب الأسود”)[45]. واحد من التناقضات الرئيسية بين الزعيمين كان منهجهم في التعليم: واشنطن كان يرى أن تقتصر مدارس الأميركان الأفارقة على تعليم مهني من مهارات الزراعة والميكانيكية[46]، بينما رأى دو بويز أنه ينبغي على مدارس السود أن تقدم مناهج الأدب والفنون (تضم المناهج الكلاسيكية والفنون والعلوم الإنسانية)، وهذا لأن ساحة الفنون المتحررة في حاجة شديدة لتطوير نخبة من القيادات[47].

حركة نياغرا

مؤسسو حركة نياغرا عام 1905. يجلس دو بويز في الصف الثاني ويرتدي قبعه بيضاء.

مؤسسو حركة نياغرا عام 1905. يجلس دو بويز في الصف الثاني ويرتدي قبعه بيضاء.

عام 1905، اجتمع دو بويز والعديد من النشطاء الحقوقيين من الأميركان الأفارقة (من بينهم فردريك ماكغي وجيسي ماكس باربر ووليام مونرو تروتر) في كندا بالقرب من شلالات نياغارا[48]، وكتبوا هناك بياناً لمبادئ معارضة تسوية أتلانتا، وأطلقوا عليها اسم “حركة نياغرا” عام 1906[49]. أراد دو بويو وأعضاء “حركة نياغرا” نشر مبادئهم للأميركان-الأفارقة. ولكن معظم الصحف الدورية للسود كانت ملك ناشرين متعاطفين مع بوكر واشنطن، ولهذا اشترى دو بويز مكنة طباعة وبدأ بنشر صحيفة أسبوعية تحت عنوان القمر يتضح (Moon Illustrated) في كانون الأول 1905[49]. كانت هذة أول صحيفة مصورة للأميركان الأفارقة، واستخدمها دو بويز لمهاجمة موقف خصمه بوكر واشنطن، ولكن استمرت هذه الصحيفة لمدة ثمانية أشهر فقط[50]. وفي أسرع وقت قام دو بويز بتأسيس وتحرير صحيفة أخرى لينشر بها هجومه، صحيفة حدود اللون التي صدر عددها الأول عام 1907[51].

عقد أعضاء حركة نياعرا المؤتمر الثاني في آب 1906، احتفالاً بعيد ميلاد جون براون المائة، وذلك في ساحة “غارة براون” في هاربرز فيري[50]. تحدث ريفيردي كاسيوس رانسوم وأوضح حقيقة الهدف الرئيسي وراء اتفاقية واشنطن وهو توفير فرص عمل للسود: “يوجد اليوم فئتان من السود تقفان على مفترق طرق… تقدم أحد المحامين بدعوي لتعرض مريض إلى الأهانة والإذلال… الفئة الأخرى تعتقد أنه لا ينبغي أن تخضع للإذلال والإهانة او للبقاء في مكانة متدنية… لا يؤمنون بمقايضة القوة والشجاعة من أجل الربح”[52].

أرواح الشعب الأسود(كتاب)

غلاف كتاب أرواح الشعب الأسود، الطبعة الثانية.

غلاف كتاب أرواح الشعب الأسود، الطبعة الثانية.

في محاولة لتصوير عبقرية وإنسانية الجنس الأسود، نشر دو بويز كتاب أرواح الشعب الأسود (وهو مجموعة من 14 مقال) عام 1903[53]. كان تأثير هذا الكتاب على الأميركان الأفارقة، وفقاً لجيمس ويلدون جونسون، مشابهاً لتأثير كتاب كوخ العم توم[54]. أعلن دو بويز في مقدمة الكتاب الشهيرة أن “مشكلة القرن العشرين هي مشكلة حد اللون”[55]. في بداية كل فصل وضع اقتباسان، واحدة من شعر البيض وواحدة من الحياة الروحية للسود، وذلك كدليل على المساواة الفكرية والثقافية بين ثقافة البيض والسود[56]. كانت الفكرة الرئيسية للكتاب هي الوعي المزدوج الذي يواجه الأميركان الأفارقة: مكانتك كمواطن أميركي أسود تعتبر هوية فريدة من نوعها، وفقاً للويس، ففي الماضي كانت عائقاً ولكن في المستقبل يمكن أن تكون مصدر قوة: “من الآن فصاعداً يمكن تصور مصير الجنس الأسود كروّاد ليس للانصهار ولا للعزلة ولكن ليكونوا دائماً فخورين بالهوية المزدوجة”[57].

العنف العنصري

الصفحة الأولي بجريدة فرنسية نشرت في تشرين الأول 1906، صورة لاعتداء البيض على السود في أحداث الشغب التي وقعت في أتلانتا.

الصفحة الأولي بجريدة فرنسية نشرت في تشرين الأول 1906، صورة لاعتداء البيض على السود في أحداث الشغب التي وقعت في أتلانتا.

في خريف 1906، حدثت نكبتان صدمت الأميركان الأفارقة وساعدت دو بويز علي نضاله الحقوقي والتغلّب علي تسوية بوكر واشنطن. الأولى أن الرئيس تيدي روزفلت أقال 167 جندي من منصبهم لاتهامهم بأرتكاب جرائم في قضية براونزفيل. وقد خدم هؤلاء الجنود (الموقوفون) لمدة 20 عاماً وكانو قد اقتربوا من التقاعد[58]. الحديث الثاني كان في أيلول، حيث نشبت أعمال شغب في أتلانتا واندفعت الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة باتهام الرجال السود بالاعتداء علي النساء البيض، وتفاقمت هذة التوترات بين الأعراق التي نشأت نتيجة لنقص فرص العمل وأصحاب البزنس الذين يتلاعبون بالعمال السود ضد العمال البيض[59]. اقتحم عشرة آلاف شخص من البيض مدينة أتلانتا، واعتدوا علي كل شخص أسود تمكنو من العثور عليه، مما أدى لموت أكثر من 25 أسود[60]. عقب أحداث العنف تلك، 1906، حث دو بويز السود علي سحب دعمهم من الحزب الجمهوري، وذلك لأن ثيودور روزفلت وويليام هوارد تافتالجمهوريين لم يقفوا إلى جانب الضحايا السود. وكان معظم األأميركان الأفارقة موالين للحزب الجمهوري منذ عهد أبراهام لينكون[61].

كتب دو بويز مقالاً في أتلانتا جزم فيه أن أحداث الشغب أظهرت بوضوح مدى فشل تسوية أتلانتا، لأنها علي الرغم من هدفها فشلت في تحقيق العدالة القانونية للسود[62]. لم تعد تسوية أتلانتا فعالة، وفقاً للمؤرخ ديفيد لويس، لأن ملاك المزارع الأرستقراطيين البيض الذين وافقوا على التسوية في البداية تم استبدالهم برجال أعمال عدائيين حرضوا السود ضد البيض[62]. كانت هاتان الحادثتان نقطة تحول في مجتمع الأميركان الأفارقة، وأدت لسقوط أتفاقية واشنطن المسمّاة “تسوية أتلانتا” وتصعيد نظرية دو بويز وهي المساواة في الحقوق[63].

عمله الأكاديمي

بالإضافة لكتابة المقالات الافتتاحية، أستأنف دو بويز إنتاج الكتابات الأدبية في جامعة أتلانتا. عام 1909، وبعد خمس سنوات من العمل، تمكن دو بويز من نشر السيرة الذاتية لجون براون، والتي تحتوي على العديد من الحقائق ولكنها أيضاً تتضمن بعض الأخطاء[64]. تم نقد العمل بقوة من قبل صحيفة ذا نيشن، التي كانت ملكاً لأوزوالد فيلارد، المؤلف الذي نافس دو بويز في كتابة السيرة الذاتية لجون براون[65]. تجاهل الأدباء البيض عمل دو بويز بشكل كبير[65]. ثم بعد نشر دو بويز لمقالة في صحيفة كولير يشير فيها إلى نهاية “سيادة البيض”، أصبح من الصعب بعد ذلك حصوله على موافقة من الصحف الكبرى ليكتب بها عموداً أو مقالاً، ورغم ذلك استمر في نشر وكتابة عمود بشكل منتظم في صحيفة الأفق (هورايزن).[66].””قيل لنا: كن ملائماً ومناسباً والطرق مفتوحة أمامك. الآن سبل التقدم في الجيش والأسطول والخدمة المدنية وحتى في البزنس والحياة المهنية ما تزال جميعها مغلقة بشكل مستمر للمتقدّمين السود ذوي الملائمة والمناسبة المؤكدة، ببساطة لأسباب عنصرية ولونية صريحة.” —[67] Du Bois, Address at Fourth Niagara conference”, 1908

كان دو بويز أول أميركي إفريقي يتلقى دعوة من المنظمة الأمريكية للتأريخ (American History Association, AHA) ليقدم نظريته في مؤتمر المنظمة السنوي. في كانون الأول 1959 ألقى دو بويز ورقته بعنوان “إعادة الإعمار وفوائده”، وأذهل جميع الحضور في مؤتمر المنظمة[68]. كانت نظرية دو بويز ضد تيار المنظمة الأمريكية التاريخية، الذين رأوا أن إعادة الإعمار كانت كارثة بسبب كسل وفشل السود، وعلي العكس أكد دو بويز على الفائدة التي حققتها القيادة الأفروأميركية خلال فترة قصيرة وذلك عبر ثلاثة أهداف: الديمقراطية والمدارس المجانية العامة والقوانين الاجتماعية الجديدة[69]، كما أكدت كلمات دو بويز على فشل الحكومة الفدرالية في إدارة وكالة فريدمان في تقسيم وتوزيع الأراضي، وإنشاء نظام تعليمي، وبهذا الفشل قُضي على توقعات وأمال الأمريكيين الأفارقة في الجنوب[69]. عندما قدم دو بويز نظريتة مكتوبة لينشرها بعد بضعة أشهر في الصحيفة الرسمية لـAHA، طلب طباعة كلمة “negro” (أى زنجي) بحرف أول كبير: Negro. رفض المحرر فرانكلين جيمسون ونشر الصحيفة دون طباعة كلمة نيغرو كما طلب صاحب العمل[68]، ثم تجاهل أعضاء المنظمة البيض كلمات دو بويز فيما بعد[69]. تطورت كلمات دو بويز لاحقاً إلى عمله الأدبي عام 1935 حيث أصدار كتاب السود يعيدون الإعمار[68]، وعرض فيه للنهج الذي اتبعه أهل الجنوب السود لإعادة الإعمار بعد هزيمة الحرب الأهلية الأميركية، كما سلط الضوء على النهج الأقتصادي للوصول إلي إعادة الإعمار. لم تدعُ المنظمةالتاريخية الأمريكية AHA متحدثاً أميركياً إفريقياً مرة أخرى حتي عام 1940[70].

العودة إلى أتلانتا

لم يكن دو بويز علي علاقة طيبة مع والتر فرانسيس وايت، رئيس الجمعية الوطنية لنحسين أوضاع الملونين NAACP منذ عام 1931[71]. كانت تلك الصراعات والضغوط المالية الناتجة عن الأزمة الأقتصادية العظمى أدت للصراع على رئاسة صحيفة الأزمة [72]. قلق دو بويز على خسارة منصبه كمحرر للجريدة، واستقال من الصحيفة وقبل بمنصب أكاديمي في جامعة أتلانتا في أوائل 1933[73]. عام 1934 نما الخلاف مع الجمعية الوطنية لتحسين أوضاع الملونين NAACP عندما عكس دو بويز موقفه من التمييز، مشيراً إلى أنهم منفصلون ولكنهم متساوون، وكان هذا هدفاً مقبولاً للأميركان الأفارقة[74]. ذُهل قادة NAACP وطلبوا من دو بويز سحب هذا التصريح، لكنة رفض. وأدى هذا الخلاف إلى استقالة دو بويز من NAACP تماماً[75].

بعد وصوله إلى وظيفته الجديدة كأستاذ في جامعة أتلانتا، كتب دو بويز سلسلة من المقالات الداعمة للماركسية في العموم. لم يكن دو بويز من المؤيدين والمناصرين لنقابات العمال أو للحزب الشيوعي، لكنه رأى أن تفسير ماركس العلمي للمجتمع والاقتصاد صالح لشرح وضع الأميركان الأفارقة في الولايات المتحدة[76]، كما ضرب إلحاد ماركس على وتر حساس مع دو بويز، الذي انتقد بصورة روتينية كنائس السود لتبلّد حساسيتها من العنصرية[77]. في كتابات دو بويز عام 1933، كان هناك تبنّي للاشتراكية، لكن مع تأكيد أنه “لا يوجد أساس مشترك بين العمال الملونين والعمال البيض”، وقد كان موقفاً مثيراً حيث كان له جذور لم تعجب دو بويز في نقابات العمال الأميركية، التي استبعدت العمال الأفارقة بشكل منتظم منذ عقود[78]. لم يدعم دو بويز الحزب الشيوعي الأميركي ولم يصوت لمرشحه في الانتخابات الرئاسية عام 1923، رغم وضعه كأميركي إفريقي على البطاقة الأنتخابية (رمز يدل على دعمة للأمريكان الأفارقة ).[79]

السود يعيدوا التشييد في أمريكا” كتاب

عندما عاد دو بويز إلي الوسط الأكاديمي، كان دو بويز قادر على أستئناف دراسته في إعادة التشييد، وهو موضوع الورقة 1910 التي قدمها إلى الجمعية التاريخية الأمريكية.[80] في عام 1935 نشر إبداعه، كتاب ” السود يعيدوا التشييد في أمريكا “.[81] عرض في المقدمة، حسب كلمات المؤرخ ديفيد ليفيرينج لويس، أن ” أعتراف السود المفاجأ بأن المواطنة في بيئة من العداء الوحشي، برزت الإرادة الرائعة والذكاء بالأضافة إلى انها برزت الكسل والجمود والجهل المتأصل منذ ثلاثة قرون من العبودية”.[82]وثق دو بويز كيف لعبت شخصيات من السود دور محوري في الحرب الأهلية الأمريكية وفي إعادة التشييد، كما أظهرت أيضاً كيفية إتمام تحالفات مع السياسيين البيض. قدم دو بويز أدلة تثبت أن الحكومة الأتلافية التي أنشئت التعليم العام في الجنوب، وكذلك أنشئت العديد من برامج الخدمات الاجتماعية اللازمة. شرح الكتاب الطرق التي تحرر بها السود من العبودية والعتق – جوهر إعادة التشييد – روج لإعادة هيكلة جذرية للمجتمع في الولايات المتحدة، وكذلك كيف ولماذا فشلت البلاد في مواصلة تقديم الدعم للسود ليحصلو علي حقوقهم المدنية في أعقاب إعادة التشييد.[83]

تتعارض رسالة الكتاب مع التفسير الأرثوذكسي لمفهوم إعادة التشييد التي أحتفظ بها المؤرخيين البيض، تجاهل المؤرخيين من التيار السائد هذا الكتاب حتى عام 1960.[84] بعد ذلك، برغم من أشتعال الأتجاة ” التنقيحي ” ( هو شكل معدل ومنقح للماركسية وتختلف عن المركسية التقليدية في أنها تعتقد أن الأنتقال من الرأسمالية إلى الأشتراكية لا يحتاج إلى أستعمال العنف ) في علم التأرخ لإعادة التشييد، والتي شجعت السود على البحث عن الحرية والتغييرات الجذرية في تلك الحقبة السياسية.[85][86] مع حلول القرن الحادي والعشرين، كان السود الذين أعادو التشييد يدركون على نطاق واسع ” النص التأسيسي للتنقيحية الأمريكية الأفريقية في علم التأرخ “.[87]

في عام 1932، تم أختيار دو بويز من قبل العديد من المؤسسات الخيرية – بما في ذلك صندوق فيلبس ستوكس ومؤسسة كارنغي في نيويورك ومجلس التعليم العام – ليتولى منصب مدير التحرير للموسوعة المقترحة الخاصة بشؤن الزنوج، وقد عمل وأهتم بهذا العمل لمدة 30 عاماً.[88] بعد عدة سنوات من التخطيط والتنظيم، ألغت المؤسسات الخيرية المشروع في عام 1938, بسبب أعتقد بعض أعضاء المجلس أن دو بويز منحاز للغاية لكي يقدم موسوعة هادفة.[89]

رحلة حول العالم

في عام 1936 قام دو بويز برحلة حول العالم, شملت هذة الرحلة زيارات إلى ألمانيا النازية والصين واليابان.[90] وفي أثناء رحلتة في ألمانيا، علق دو بويز علي معاملتة بحرارة وأحترام،[91] ولكن عند عودتة إلى الولايات المتحدة أعرب عن أزدواجية وتناقض النظام النازي.[91] كما أعرب عن أعجابة بتحسين النازية للأقتصاد الألماني، لكنه شعر بالفزع بسبب معاملة النازية للأمة اليهودية، والتي وصفها بأنها ” هجوم على الحضارة، والتي يمكن مقارنتها فقط بأهوال محاكم التفتيش الإسبانية وتجارة العبيد الأفارقة“.[92]

عقب أنتصار اليابان في الحرب الروسية اليابانية في عام 1905، أصبح دو بويز معجباً جداً بتزايد قوة الإمبراطورية اليابان. كما رأى أن انتصار اليابان علي الإمبراطورية الروسيةمثال علي أمكانية انتصار الشعوب الملونة على الشعوب البيضاء.[93] سافر ممثل اليابان عن ” عمليات الدعايا للزنوج ” إلى الولايات المتحدة ( وهي محاولة لتفاقم التوترات العرقية في الولايات المتحدة،[94] خططت اليابان لهذة العمليات ورتبتها في ثلاثة خطوات،[94] الأولي جمع معلومات عن نضال الزنوج في الولايات المتحدة، والثانية أستخدما سجناء الحرب السود في الدعايا, أما الخطوة الثالثة والأهم أستخدم البث الأذاعي \الراديو علي الموجة القصيرة،[94] ومن خلالها التركيز علي أذاعة الأحداث الجديدة التي تنطوي تحت مسمي العنصرية وبث الدعايا للتوترات العرقية في الولايات المتحدة.[95][96]) مابين عام 1920 وعام 1930، حيث أجتمع مع دو بويز وكشف عن أنطباع الأمبراطورية اليابانية القاطعة للسياسات العنصرية. في عام 1936، رتب السفير اليباني لدو بويز ومجموعة صغيرة من الأكادميين رحلة إلى اليابان.[97]

الحرب العالمية الثانية

عارض دو بويز تدخل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية, لأنة يعتقد أن قوة الصين واليابان نشأت من قبضة وسيطرة أمبريالية البيض ( الشعوب البيضاء ), كما رأى أن شن الحرب ضد اليابان بمثابة فرصة للبيض لأعادة نفوذهم في آسيا.[98]كانت خطة الحكومة للأمريكان الأفارقة في الجيش كارثة كبيرة لدو بويز : تقتصر نسبة السود على 5.8 في المائة من الجيش, حددت الحكومة هذة النسبة لكي لا يكون هناك وحدات قتالة من الأمريكان الأفارقة – تقريبا القيود نفسها كما حدث في الحرب العالمية الأولى.[99] هدد السود بتحويل دعمهم لخضم الرئيس فرانكلين روزفلت في الأنتخابات في عام 1940, لذلك عين روزفلت عدد قليل من السود في المناصب القيادية في الجيش.[100] نشرت ” داسك اوف داون ” , السيرة الذاتية الثانية لدو بويز عام 1940.[101] يشير العنوان إلى أمال دو بويز في مرور الأمريكان الأفارقة من ظلمات العنصرية إلى عصر بية مزيد من المساواة.[102] كان هذا العمل مقسم إلىجزء لليرة الذاتية, وجزء للتاريخ, وجزء للرسالة الاجتماعية.[103] وصف دو بويز هذا الكتاب ” السيرة الذاتية لمفهوم العرق … توضيح وتضخيم وتشوية مما لا شك فية في أفكاري وأفعالي … وهكذا في كل الأوقات حياتي مهمة لحياة كل الرجل “.[104]

هذا القومي الكاميروني يقطع رؤوس التماثيل الاستعمارية في بلاده

هذا القومي الكاميروني يقطع رؤوس التماثيل الاستعمارية في بلاده

بواسطة :منظمة حرية الأفريقية ٢٩ ديسمبر ٢٠١٩


السيرة الذاتية الكاملة
إسماعيل أكوي هو صحفي دولي ومستشار في مجال الاتصالات والإعلام ومحرر وكاتب ومدافع عن حقوق الإنسان وعموم أفريقي وعشاق للتكنولوجيا ومتعصّب للتاريخ ومحب للفنون والثقافة. لقد عمل مع شركات وسائط متعددة الجنسيات في جميع أنحاء القارة ولديه خبرة تزيد عن عشر سنوات في مجال الصحافة.

أندريه بليز عصام مع رأس تمثال لجنرال استعماري فرنسي – Souce: أندريه بليز عصام
تم تحرير هذه المقالة وتم نشرها لأول مرة في 08 ديسمبر 2017.

إنه بطل للكثيرين ، لكنه مجرم سيئ السمعة للحكومة الكاميرونية لتخريب تماثيل وآثار الحقبة الاستعمارية التي بناها المستعمرون الفرنسيون في العاصمة الاقتصادية دوالا.

يصف أندريه بليز عصام البالغ من العمر 41 عامًا نفسه بأنه ناشط يهدف إلى استبدال جميع التماثيل الاستعمارية في المدينة بتماثيل الأبطال الوطنيين الذين ناضلوا من أجل استقلال البلد ثنائي اللغة.

حصل على اهتمام وطني بعد أن بدأ حملته في عام 2015 عندما قطع رأس تمثال البطل الاستعماري الفرنسي الجنرال فيليب لوكليرك دي هوتكلوك الذي أقيم في دوالا منذ الحقبة الاستعمارية.

أعلى 8 أماكن للزيارة في الكاميرون
منظمة العفو الدولية تتهم الكاميرون بتعذيب المشتبه بهم من بوكو حرام
حبس الصحفي الكاميروني 10 سنوات بتهمة الاشتباه في ارتباطه بوكو حرام
حكومة الكاميرون تنهي إغلاق الإنترنت

لقد تفاخر بغزوه بمشاركته على مدونته وعلى صور فوتوغرافية احترافية لوسائل الإعلام الاجتماعية وهو يتظاهر برأس التمثال.

قُبض على عصام وحكمت عليه محكمة دوالا بونانجو بالسجن لمدة ثلاثة أشهر وغُرم بتهمة “تدمير الممتلكات العامة” بعد أن هدم “تمثال الجندي المجهول” الاستعماري الفرنسي في وسط المدينة بعد أيام من “الفتح” الأول .

وطالب بتشكيل تمثال لروبن أم نيوبي في تلك المواقع تكريما للزعيم الكاميروني المناهض للاستعمار الذي قتل على يد الجيش الفرنسي.

في عام 2016 ، قطع رأس Andre Blaise Essama مرة أخرى التمثال الذي تم إصلاحه للجنرال الفرنسي الذي أحضره لمدة ستة أشهر في السجن بعد رفضه عرضًا بالدفع مقابل إصلاحه بدلاً من عقوبة السجن.

بعد بضعة أشهر من إطلاق سراحه من السجن في ديسمبر 2016 ، أقام الناشط تمثالًا لجون نجو فونشا – شخصية محورية في توحيد الكاميرون البريطانيين والفرنسيين – عند تقاطع مزدحم في المدينة.

وأشاد به أنصاره المتزايدين لإقامة التمثال الذي لم ير النور. وسحب رجال الشرطة الغاضبون الذين لم يتم تحديد هويتهم التمثال لأسفل خلال ساعات قليلة وسحبه بعيدا.

بعد مرور عام ، أقامت السلطات الكاميرونية دمية للمصور الفرنسي سيلفي بلشر في نفس المكان الذي تم فيه هدم تمثال عصام للبطل الوطني.

كانت الدمية الجديدة التي أقيمت يوم الأربعاء تحمل لافتة عليها كتابات بالإنجليزية والفرنسية تقول: “حتى لو لم يكن لدي الحق ، أعتذر”.

بينما كان السكان يتساءلون عن السبب وراء إقامة الدمية ورسالتها ، قام Andre Blaise Essama التعيس بهدم النصب التذكاري يوم الخميس بحضور مؤيدين بمن فيهم سائقي السيارات والمشاة الذين كانوا يصفقون لأفعاله.

وقد أكسبه هذا تاريخًا آخر في المحكمة يمكن أن يجتذب فترة سجن أخرى. شارك الناشط الشعبي في العديد من الاحتجاجات الفردية على القضايا الاجتماعية الأخرى وضد الحكومة.

احتج الآلاف من الناس بنجاح في جنوب إفريقيا ضد التماثيل الاستعمارية. كما نُظمت احتجاجات جماهيرية في غانا والولايات المتحدة ، لكن هناك رجل واحد يفعل الشيء نفسه في الكاميرون حيث تنتهك حقوق المواطنين وحرياتهم.

يعتقد الكثيرون أن أندريه بليز عصام غير مستقر عقلياً بما في ذلك والدته التي قالت في مقابلة معه إن اعتقال ابنها الأول في عام 2008 – بعد عودته من فرنسا حيث درس علوم الكمبيوتر – كان يمكن أن يؤثر عليه عقلياً.

تم احتجاز عصام في تلك السنة لدخولها القصر الرئاسي دون دعوة لتقديم اقتراح إلى السيدة الأولى شانتال بيا للمساعدة في تنفيذ مشروع أطلقته.

مريض عقليا أم لا ، هل تعتبر دعوة أندريه بليز عصام سببًا جيدًا للقتال من أجله؟

إن تنوع إفريقيا يعني أن الأفكار المحلية أكثر إقناعًا من التعميمات على مستوى القارة


إن تنوع إفريقيا يعني أن الأفكار المحلية أكثر إقناعًا من التعميمات على مستوى القارة

بقلم جون رايل • 1 نوفمبر / تشرين الثاني 2008 • الجارديان (“كيف تكتب عن إفريقيا: لا تفعل”) •

في 2016 • 1،20


يجب على الناس ألا يكتبوا كتبًا عن إفريقيا. ليس كل أفريقيا. متى كانت آخر مرة رأيت فيها كتاباً يطمح إلى تغطية أوراسيا ، أو الأمريكتين ، كل واحدة منها عبارة عن مناطق شاسعة نسبياً من الأرض؟ ليس على الإطلاق ، على ما أعتقد. حجم الكتلة الأرضية الأوروبية الآسيوية والتنوع البشري داخلها يحول دون تعميم مفيد. وأفريقيا مختلفة تمامًا ، إن لم تكن ضخمة. هناك ما يقرب من R&C – يوجد في إفريقيا عدد من المراسلين في إفريقيا ، كما هو الحال في أوراسيا (بأوسع تعريف لها) ، والعديد من اللغات ، وعلى الأقل التنوع البيئي.

مع ذلك ، لا تزال كتب “إفريقيا” قادمة. لماذا هذا؟ يوجد في المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في القارة – والتي تضم حوالي خمسين دولة – شيء واحد مشترك: استعمار القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر. (حتى هنا ، هناك استثناء ، إثيوبيا ، التي احتلتها إيطاليا لفترة وجيزة من عام 1936 إلى عام 1941 ، ولكنها لم تستعمر.) حدد التدخل الأوروبي حدود معظم الدول الأفريقية الحالية ، مما مهد الطريق لاستغلال اقتصادي مستمر من قبل القوى الخارجية ، عادة بالتواطؤ مع النخب المحلية. ما فعلته أيضًا هو تأسيس فكرة واحدة عن إفريقيا في خيال العالم الخارجي ، مصحوبة بجمعيات متناقضة من الوحشية والنبلاء ، عن الثروة الطبيعية والفقر البشري ، والإيقاع والإشعاع الفائق ، والجمال والكوارث.

بمعنى مهم ، إذن ، “إفريقيا” هي اختراع غربي. على الرغم من محاولات الرؤى من الدول الإفريقية لتعزيز الوحدة بين الدول التي ورثت الهيمنة من الإمبراطوريات الأوروبية المتراجعة ، فإن السياسيين في إفريقيا لم يدفعوا أبدًا أي شيء أكثر من مجرد خدمة للمثل الأعلى لعموم إفريقيا. الكتاب الأفارقة لديهم مهمة شاقة لاستعادة مصطلح “أفريقيا” من الجمعيات الأسطورية لديها في الأدب الغربي. ومعظم هؤلاء الكتاب لا يكتبون عن التطلعات القارية ، بل عن العوالم داخل بلد واحد ، تاركين التعميمات لخبراء البنك الدولي ، وسياسيين رائعين وممثلين للحملات ونجوم الروك.

ما لا يكتب عن افريقيا
بالنسبة للغرباء على وجه الخصوص ، فإن الكتابة عن إفريقيا مليئة بالمخاطر – رعاية التعميمات والكليشيهات المدوية وعدم الدقة والكذب. كما وصفها الكاتب الكيني بينيافانغا ويناينا في مقالته الساخرة “كيف تكتب عن إفريقيا” ، التي نُشرت في جرانتا قبل عامين:

استخدم دائمًا كلمة “Africa” أو “Darkness” أو “Safari” في عنوانك. قد تتضمن العناوين الفرعية عبارة “زنجبار” أو “الماساي” أو “الزولو” أو “الزامبيزي” أو “الكونغو” أو “النيل” أو “الكبير” أو “السماء” أو “الظل” أو “الطبل” أو “الشمس” أو “الشمس” أو منصرم”. من المفيد أيضًا استخدام كلمات مثل “Guerrillas” و “Timeless” و “Primordial” و “Tribal” … اذكر بالقرب من البداية مدى حبك لأفريقيا ، وكيف وقعت في حب المكان ولا يمكنك العيش بدونها. أيًا كانت الزاوية التي تتخذها ، تأكد من ترك الانطباع القوي بأنه بدون تدخلك وكتابك المهم ، فإن إفريقيا محكوم عليها.
لا أشك في أن ريتشارد دودن قد قرأ “كيفية الكتابة عن إفريقيا” واستوعب دروسها. بصفته موظفًا سابقًا في مجلة الإيكونومست ومديرًا للجمعية الملكية الإفريقية ، فإن داودن هي جهة مدفوعة لأفريقيا. وأحد الأشياء الجيدة في كتابه هي أنه على الرغم من عنوانه الجذاب ، فإنه لا يحاول تغطية إفريقيا بأكملها. وهو يتألف ، بدلاً من ذلك ، من عشرة فصول ماهرة في بلدان محددة: أوغندا ونيجيريا وجنوب إفريقيا وزيمبابوي والسنغال وعدد قليل آخر. تمزج تجارب دودن في هذه الأماكن كصحفي على مدى ثلاثة عقود مع التحليل التاريخي الموجز ورشفة من الأفكار الأكثر شمولاً. يتجنب معظم الميول في مقال Binyavanga Wainaina. من حياة التنقل التي قام بها الصحفي ، ومطاردة الأزمات من بلد إلى آخر ، انتقد داودين سردًا رصينًا عن السياسة والعمليات الاجتماعية في هذه البلدان ، والتي تهم الجمهور العالمي أكثر من المعتاد.

الدول الفاشلة التي تعمل
هناك رواية حادة ولكن عادلة للعلاقة الخاصة بين بريطانيا وزيمبابوي ، وهي الدولة التي تسببت مصائبها في العديد من الأعمدة في الصحافة البريطانية أكثر من الكوارث الكبرى في الكونغو أو السودان. من خلال مراقبة سياسة جنوب إفريقيا تجاه زيمبابوي برئاسة ثابو مبيكي ، وجد داودين صدىً لمعاملة مارغريت تاتشر لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا: كلاهما يحمي الحكومات غير الشرعية من تأثير العقوبات.

لديه أيضا كلمات لطيفة لنيجيريا ، الدولة الأفريقية التي يحب الغرباء أن يكرهوها. يجادل دودين بأن نيجيريا دولة فاشلة تعمل ، مثلما فعلت موبوتو زائير ، قبل أن تنحدر إلى الفوضى المتقطعة في جمهورية الكونغو الديمقراطية اليوم. إن حياة النيجيريين دليل على ما يسميه أعظم مواهب الأفارقة – موهبة البقاء. إن الفساد ، القيد المستوطن على التنمية ، يقارن بالزراعة التي تزدهر على حساب قتل مضيفها.

فيما يتعلق بالسودان ، فإن دودن أقل تأكيدًا. يتضمن فصله عن الحرب الأهلية في الجنوب صورة لا تنسى لأحد الأبطال الحقيقيين في الصراع ، بيتر أدوك نيابا ، وهو عالم جيولوجي تحول إلى حرب العصابات (عين مؤخراً وزير التعليم العالي في حكومة الوحدة الوطنية الجديدة). لكن رواية Dowden الصفارة للتاريخ السوداني تحتوي على بعض الأخطاء التي يمكن تجنبها. المهدي ، الذي قاد تمردًا محليًا في السودان في الثمانينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر ، لم يثور ، كما يؤكد دودن ، ضد الحكومة البريطانية – التي لم تطالب السودان بعد – بل الحكومة العثمانية في مصر. (كان الجنرال غوردون ، الذي قُتل على أيدي قوات المهدي ، في خدمة الخديوي المصري). من الحرب الأهلية في الجنوب ، كتب داودن أنه بعد الانشقاق في حركة التمرد الجنوبية في عام 1991 ، ذهب ريك مشار ، زعيم المنشقين ، إلى الجانب الحكومي “بعد عدة أشهر”. في الواقع ، كان الأمر قبل عدة سنوات من إبرام اتفاق مع حكومة الخرطوم. يوصف ويليام نيون ، الذي قُتل في القتال نتيجة للانشقاق ، بأنه “رجل مسن محترم” ، لكنه كان قائدًا متمرداً شابًا عندما قابلته قبل وفاته بفترة وجيزة.

أخيرًا ، هناك ملاحظة محيرة للغاية حول الفرق بين شمال وجنوب السودان. يقول دودين إن جنوب السودان “يختلف جسديًا وثقافيًا عن الشماليين مثل الصينيين والنرويجيين”. لا يوجد بالفعل مثل هذا التمييز الجسدي بين الشماليين والجنوبيين في السودان ، ولا يوجد أي فرق ثقافي أو ديني أو لغوي واحد بينهم ، باستثناء أن القليل من الجنوبيين يصفون أنفسهم بأنهم عرب.

العيوب من هذا النوع لا تفسد الكتاب. لكنهم يوضحون مطبات الكتب الكبيرة عن إفريقيا. لا أحد لديه معرفة متساوية في كل مكان في القارة. عندما يتعلق الأمر ببلدان مثل السودان أو نيجيريا ، يمكنك قضاء حياتك في محاولة لفهم واحدة منها فقط. قد يواجه السودانيون والنيجرون أنفسهم صعوبة في فهم تاريخ توزيع اليد. يمكن بسرعة إنفاق السلطة المكتسبة بشق الأنفس من مكان ما من خلال نشرها في مكان آخر. أقل ما يمكن أن نفعله بالنسبة للبلدان الأفريقية ، سواء كنا من القارة أم لا ، هو احترام الفرق بينهما ، حتى عندما يكون الاختلاف الأكثر وضوحًا هو أسلوب مختلف لحكومة سيئة. يجب أن يُقال إن الاحترام هو أحد السمات الجذابة لأفريقيا: الدول المتغيرة ، المعجزات العادية ، احترام الأشخاص العاديين وطرق حياتهم. على الرغم من أن الكتاب موجه إلى حد كبير إلى جمهور غير أفريقي ، إلا أنه سيتم قراءته أيضًا بفائدة من قبل الأشخاص الذين يعيشون في البلدان التي يسردها.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ