البطل السوداني علي عبد اللطيف


رئيس جمعية اللواء الأبيض (1896-1948)

علي عبد اللطيف هو أحد الشخصيات البارزة في الحركة الوطنية السودانية خلال الربع الأول من القرن العشرين، فهو قاد ثورة 1924 ضد الاستعمار الإنجليزي للسودان عبر جمعية اللواء الأبيض التي أنشأها مع عبيد حاج الأمين وآخرين في عام 1923 على أنقاض جمعية الإتحاد السوداني
كان علي عبداللطيف يدعو لوحدة السودان شماله وجنوبه ويفتخر بأنه سوداني فقط، ويرفض القبلية والعنصرية ـ رغم انتمائه لاثنين من اكبر واعرق قبائل السودان وافريقيا وهما النوبة والدينكا ـ ولذلك أصبح رئيساً لأول تنظيم سياسي سوداني ينادي برحيل الاستعمار الانجليزي في العام 1924م وكان من ضمن هذا التنظيم عبيد حاج الأمين من أشراف الخندق، وحسين شريف من آل المهدي، وسليمان كشة من الجعليين، ومحمد سرالختم من أهالي حلفا، وصالح عبدالقادر من قبيلة الرباطاب، وتوحد كل هؤلاء تحت قيادته في زمنٍ كانت فيه درجة الحداثة والمدنية ضعيفة جدا، وكان صوت البيوتات والقبائل هو الاعلي.
ولم يكن طريق النضال مفروشاً بالورود لعلي عبداللطيف، فقد تعرض وهو يواجه المستعمر لخناجر الغدر ايضاً من خلفه بواسطة القوى الطائفية التي كانت تدور في فلك الاستعمار، ففي مقال نشر بجريدة (حضارة السودان) مثلاً جاء فيه علي لسان احد المتحدثين باسم الطائفية بانه قد: “أهينت البلاد لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها دون أن يكون لهم مركز فى المجتمع بأنهم المتصدون والمعبرون عن رأي الامة. ان الشعب السودانى ينقسم الى قبائل وبطون وعشائر، ولكل منها رئيس او زعيم او شيخ، وهؤلاء هم أصحاب الحق في الحديث عن البلاد. من هو علي عبد اللطيف الذى أصبح مشهوراً حديثاً والى أي قبيلة ينتمي؟”.

ولكن التاريخ يحفظ في سجلاته الابطال فقط بعيداً عن قبائلهم وانسابهم، وقد خلد علي عبداللطيف اسمه كأب ورمز للنضال والسودانوية بتجرده وترفعه عن العمالة للاستعمار والوقوع في فخ القبلية بينما كان بامكانه الاستمرار في حياة الوظيفة كضابط والافتخار بانتمائه لقبائل ذات تاريخ ضارب في الجذور.
. وقد شغل علي عبد اللطيف منصب رئيس الجمعية وقدم للمحاكمة مرتين، الأولى في عام 1924 بتهمة التحريض علي المظاهرات التى انتهت بالحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة سنوات، والثانية في عام 1925 لتأسيسه مع آخرين جمعية اللواء الأبيض المحظورة وحوكم فيها بالسجن لمدة عشر سنوات ونفيه إلى مدينة واو بجنوب السودان ثم نقل إلى مصر حيث توفي هناك.
أُعتُقِل علي عبد اللطيف وقدم للمحاكمة. واثناء المرافعات أجاب عبداللطيف إجابة أشتهرت فيما بعد في السودان عندما سأله القاضي عن قبيلته التي ينتمي إليها. وأجاب أنا سوداني ، ورفض التحدث عن قبيلته رقم ان القاضى كرر له السؤال اكثر من مرة.

ميلاده ونشأته
ولد علي عبد اللطيف عام 1896م وكان والده عبد اللطيف أحمد الذي ينتمي إلى قبيلة النوبة الميري من جبل ليما بجنوب كردفان ، وأمه واسمها النصر زين تنتمي إلى قبيلة الدينكا قوقريال، فرع دينكا ريك، بجنوب السودان.
شبّ علي عبد اللطيف في جو مشبع بالعسكرية وسط ثكنات الجيش ومعسكرات تدريباتهم، حيث كان والده جندياً بالأورطة الثالثة عشرة السودانية التي تتبع للجيش المصري. والسبب في التحاق والده بالجيش المصري انه كان يعيش في مدينة الخندق جنوب دنقلا، وعندما جاء جيش المهدية بقيادة النجومي متجهاً شمالاً الى مصر أخذ كل القادرين على حمل السلاح ومنهم عبداللطيف أحمد والد علي عبداللطيف.

وفي معركة توشكي هزم جيش الخليفة بقيادة النجومي وتم أسر بعض الجنود منهم عبداللطيف وتم ضمه للجيش المصري في الأورطة الثالثة عشرة المرابطة في حلفا. وكان عبداللطيف قد تزوج من النصر الزين وهي من دينكا قوقريال (احد فروع قبيلة الدينكا المشهورة وينتمي لها الرئيس الحالي لدولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت) وأنجبت له في وادي حلفا علي عبداللطيف.

وبعد استعادة مدينة الخرطوم من قوات المهدية بواسطة القوات البريطانية في 5 سبتمبر / أيلول 1898 م انتقلت الأسرة للعيش هناك في حي «هبوب ضرباني» الذي كان يقع خلف حي «الترس» المشهور آنذاك بالخرطوم.
وبعد أن أحيل والده للمعاش في عام 1908 م، انتقلت العائلة مع عائلات بعض الجنود الآخرين المتقاعدين إلى مدينة الدويم بمنطقة النيل الأبيض لإستغلال قطعة الأراضي الزراعية التي منحت لهم للإعاشة عليها، لكن لم يرق للفتي علي عبداللطيف جو فلاحة الأرض فغادر الدويم إلى الخرطوم.
تعليمه
إلتحق علي عبد اللطيف بالخلوة في الخرطوم حيث تعلم مباديء الكتابة والقراءة وحِفْظ سور القرآن الكريم. وأقام هناك مع خاله ريحان عبدالله الذي كان ضابطاً ومدرساً حربياً في مدرسة ضرب النار بحي بُرِّي في الخرطوم. ثم دخل عليّ القسم الإبتدائي بكلية غوردون التذكارية ( جامعة الخرطوم حالياً) . وعرف بإجتهاده في تحصيل العلم وتفوقه الدراسي واجتاز إمتحان القبول بالمدرسة الحربية المصرية. ونسبة لخلفية اسرته العسكرية واحرازه لنتيجة عالية في امتحانات الكلية فقد تم قبوله تلميذا حربياً بالمدرسة الحربية المصرية في عام 1912م.
تخرج علي عبد اللطيف في المدرسة الحربية المصرية عام 1914م وعمل بعد تخرجه جندياً في مدينة أم درمان ولكنه لم يلبث فيها كثيراً حيث تم نقله إلى الجبال الشرقية بجبال النوبة في جنوب كردفان في منطقة تلودي، ثم إلى حامية الفاشر بشمال دارفور حيث قضى فيها فترة من الزمن، نُقِل بعدها إلى مدينة رمبيك ببحر الغزال، ومن ثمّ تمّ تعيينه مأموراً. وفي عام 1918 م نُقِلَ إلى مدينة ود مدني وترقى إلى رتبة ملازم أول وأظهر في ود مدني نشاطاً أدبياً ملحوظاً. وكان يحضر في إجازاته إلى أم درمان حيث اصبح عضواً نشطاً في نادي الخريجين هناك، إلا أن ثمة حادثة مهمة تعرض لها في ود مدني عام 1921م ، كانت ذات وقع كبير على نمط حياته فقد التقي مصادفة وهو في الطريق العام ممتطياَ صهوة حصانه بمفتش إنجليزي وجرت العادة على ينزل السودانيون في مثل هذه الحالة من ظهور دوابهم تحية للضباط الإنجليز ، إلا أن علي عبد اللطيف لم ينزل عن صهوة حصانه لأداء التحية بإعتبار ذلك أمراً مبالغاً فيه مقصود وينطوي على إذلال، مما أثار استياء المفتش الإنجليزي وحنقه. فتم استدعاء علي عبد اللطيف وإحالته إلى محكمة عسكرية سريعة لمحاسبته نقل على إثرها إلى أم درمان للعمل في وحدة عسكرية أقل درجة من رتبته العسكرية القيادية كعقاب له.
تزوج علي عبد اللطيف بالسيدة العازة محمد عبدالله في عام 1916 م وأنجبت له إبنته الأولى نعمات في عام 1918 م، ثم إبنته الثانية سِتَنّا في عام 1924 م، والتي توفيت عام 1987م. وقد لعبت السيدة العازة دورا بارزاً في النشاط السياسي لجمعية اللواء الأبيض، إبتداء من قيامها بحفظ الوثائق السرية، ثم دورها كحلقة وصل بين زوجها ورفاقه ومن بينهم عبيد حاج الأمين خلال فترة سجنه فضلاً عن مشاركتها في مظاهرات عام 1924 ممثّلة للنساء المناضلات في تلك الفترة.[1]

نشاطه السياسي
كان عبد اللطيف يعدّ من القوى المتعلمة وينتمي بحكم تخرجه من مؤسسة تعليمية إلى تجمعات الصفوة التي تمثلها طبقة الأفندية بالعاصمة، وقد نما لديه بمرور الوقت شعور وطني واهتمام بالعمل السياسي فتقدم في مايو / أيار 1922 م بمذكرة مفتوحة في شكل مقال سياسي إلى جريدة «حضارة السودان» تحمل عنوان مطالب الأمة تتضمن انتقادات لسياسة إدارة الحكم الثنائي إزاء السودان بغرض نشرها، إلا أن رئيس تحرير الصحيفة حسين شريف، تردد في نشر المقال الذي تمكنت المخابرات الإنجليزية في نهاية المطاف ان تضع يدها عليه. وتم اعتقال علي عبداللطيف وتقديمه إلى محكمة برئاسة مفتش الخرطوم البريطاني ماكنتوش، .

مطالب الأمة السودانية
عبر عبد اللطيف في المقال عن احتجاجه على سياسة الحكومة الاستعمارية معددا بعض المظالم ومنادياً بتقرير المصير، وتضمنت مطالب الأمة التي ذكرها في مقاله إلغاء احتكار الحكومة لسلعة السكر والمواد التموينية الأخرى، والمساواة بين الموظفين السودانيين وغيرهم من الموظفين الإنجليز والمصريين ومنح حق تقرير المصير للسودانيين.
أُعتُقِل علي عبد اللطيف وقدم للمحاكمة. واثناء المرافعات أجاب عبداللطيف إجابة أشتهرت فيما بعد في السودان عندما سأله القاضي عن قبيلته التي ينتمي إليها. وأجاب أنا سوداني، ورفض التحدث عن قبيلته. تمت إدانة عبداللطيف وحوكم بالتجريد من الرتبة العسكرية والسجن لمدة عام والذي خرج منه في عام 1923 م ليؤسس حركة سياسية قادت أول مظاهرة ضد الحكم الثنائي في السودان.[2]

جمعية اللواء الأبيض
وفي مايو / أيار 1924 أسس علي عبد اللطيف جمعية اللواء الأبيض . وانتشرت لها بنهاية الشهر نفسه عدة فروع في مختلف مدن السودان الشمالية.
وبدأت التظاهرات التي نظمتها الجمعية في التواتر فى الخرطوم في 17 يونيو / حزيران ثم أم درمان في 19 من الشهر ذاته. وفي 23 أشهرت الجمعية علمها وشعارها. وكان العلم أبيض اللون يتوسطه رسم تقريبي لحوض النيل مع رسم للعلم المصري بهلال والنجوم في الركن الأعلى من العلم وكُتِبَت تحته عبارة «إلى الأمام » باللغة العربية. وقد بلغ أعضاء الجمعية ومناصريها حوالي الألفي شخص.

محاكمة علي عبد اللطيف
وفي أغسطس 1924 م تم اعتقال علي عبداللطيف مرة أخرى ومعه قادة جمعية اللواء الأبيض وتم تقديمه في فبراير 1925 م، إلى محكمة جنائية كبرى علنية برئاسة القاضي أوزبرن وعضوية كل من الميجر برادلي والشيخ حسين الفيل. وعقدت المحكمة جسات مرافعاتها في منطقة كوبر بالخرطوم بحري . وحوكم علي عبد اللطيف ورفقاه تحت المواد 94 من قانون عقوبات السودان )التآمر على الحكومة وارهابها بواسطة القوة الجنائية وانفاذها من خلال العضوية في جمعية غير قانونية في السوان) و90 (ترويج المظاهرات والجمعيات غير القانونية ) و96 ( إثارة الكراهية على الحكومة بألفاظ أو كلمات قيلت أو كان في النية قراءتها أو وضعت بقصد أن تُتلى) والمادتين 82 و 96 (التحريض على تلك الجرائم المتقدم ذكرها). كما أضيفت إلى قائمة التهم تهمة حيازة أو وضع كتب أو محررات من شأنها إثارة الكراهية والإزدراء بالحكومة وبث روح الحقد والعداوة بين الأهالي، والتي يُعاقِب عليها قانون البضائع المهربة لسنة 1901م.
نفى علي عبد اللطيف هذه التهم ووجهت إليه المحكمة اسئلة حول نشاط الجمعية وصلتهم برئيس الحزب الوطني في مصر سابقاً حافظ رمضان عندما زار هذا الأخير السودان قبيل حوادث عام 1924، وعن المظاهرات التي خرجت حينذاك. وأكد عبد اللطيف للمحكمة رئاسته للجمعية، وإلتقائه بحافظ بك رمضان في الخرطوم بمعية عبيد الحاج الأمين وصالح عبد القادر وسليمان كشة لاستفساره عن اخوين لهذا الأخير كانا يقيمان في مصر.
كما التقى بحافظ رمضان مرتين أخريين للتحدث عن مواضيع ذات طبيعة سياسية و الاستفهام عن غرض المصريين وسياستهم إزاء السودان. ووصف عبد اللطيف رمضان بأنه كان «متحفظاً جداً» في حديثه. ورداً على سؤال حول أغراض الجمعية وفيما إذا كانت تعمل لبحث مظالم الأهالي، أجاب عبد اللطيف قائلاَ: «ليس من أغراض الجمعية أن تبحث في مظالم الأهالي بل كنّا معارضين للتغيير المطلوب أي أن يكون الإنجليز مطلقي التصرف بالسودان دون المصريين. وقد صرح البرلمان المصري بأن السودان جزء من مصر لا يتجزأ، أما البرلمان الإنجليزي فقال أن السودان جزء من الإمبراطورية البريطانية لأن لنا فيه مصالح مالية وزراعية ومسؤوليات أدبية لا يسعنا أن نعرضها للضياع. وقد قرأت أنا بنفسي مقالاً في التيمس عن تصريح مكدونالد الذي ذكر فيه بأن 92% من الأهالي السودانيين مع الإنجليز. وهذا ما جعلنا نجهر برأينا لنصحح هذا الخط».
وعن المظاهرات ذكر عبد اللطيف بأن المشاركة فيها كانت بمحض إرادة المتظاهرين وإنها لم تقم إلا بعد المنشور الذي صدر بمنعها وقد أراد المتظاهرون أن يُظهروا شعورهم نحو ما يجري في البلاد. و أقر عبد اللطيف بعلم الجمعية ومعرفتها بحظر التظاهر إلا انها قامت بتنظيم المظاهرات بأغلبية الأصوات فيها. ونفى استلام الجمعية لأية أموال من مصر.
وقد مثَّلَ الدفاع المحامي أمين الشاهد، بينما كان بيلي نائب مدير مديرية الخرطوم يمثل الإدعاء العام. وتمت إدانة المتهمين بمن فيهم علي عبد اللطيف بالتهم المنسوبة إليهم وصدرت ضدهم أحكاماُ بالسجن لمدد مختلفة .
حوكم علي عبد اللطيف بالسجن لمدة عشر سنوات ونُفِيّ مع كل من عبيد حاج الأمين وعلي البناء ومحمد المهدي الخليفة إلى مدينة واو بمديرية بحر الغزال في جنوب السودان
. ثم أطلقت الحكومة سراح جميع المسجونين بموجب معاهدة عام 1936م بين مصر وبريطانيا وكان من بنودها العفو الشامل عن جميع المسجونين السياسيين. ولم يشمل العفو علي عبد اللطيف الذي نُقِل مرة أخرى إلى سجن كوبر في الخرطوم بحري وبقي فيه حتى عام 1938 م حيث تم نقله سرا إلى مصر بناء على طلب من الحكومة المصرية ، بحجة إصابته بالجنون لتقوم السلطات المصرية بالإشراف على صحته النفسية والعقلية.
وفاته
توفى علي عبد اللطيف في 29 أكتوبر / تشرين الأول 1948 م في مستشفى القصر العيني في القاهرة بمصر ، ودفن بمقابر العامة وهي مقابر تخص عبدالعزيز عبدالحي، وهو أحد اقربائه من قبيلة الدينكا وكان مديراً لمديرية أسوان (وهو شقيق الشاعر المشهور عبدالمنعم عبدالحي). وعندما جاءت ثورة يوليو 1952م تم نقله الى مقابر الشهداء بمصر بقرار من الرئيس محمد نجيب الذي كانت تربطه صلة وثيقة بعلي عبداللطيف وكان معجباً بمواقفه

المراجع والمصادر
? لمحه من الماضى لفهم الحاضر وتغيير المستقبل: عن ضابط وثورة | sudanya الصحافة – للمراسلة: [email]sahafawriters@yahoo.com[/email]-رأي(الأرشيف(

? حسن نجيلة:ملامح من المجتمع السوداني، الطبعة الأولى، دار الخرطوم للطباعة والنشر، الخرطوم (1994(
جمعية اللواء الأبيض 1924 – موسوعة التوثيق الشامل

The Sudan, A Record of Achievement, J.S.R Duncan, William Blackwood and Sons, 195

بابكر ابراهيم حبيب ابراهيم

الطبيعة الذهبية للشيخوخة في أفريقيا

الطبيعة الذهبية للشيخوخة في أفريقيا
بواسطة|AFO

15 سبتمبر ، 2020 0 17


في إفريقيا والعرق الأسود ككل ، يعتبر الشيخوخة ثروة لا تقدر بثمن. لذلك يتم التعامل مع كبار السن لدينا مع كل أوقية من الرعاية والاحترام. في بعض القبائل والأسر الأفريقية ، يُنظر إلى الآباء الأكبر سنًا على أنهم يتمتعون بسمات إلهية. وذلك لأن صلواتهم وبركاتهم يعتقد أنها أكثر كفاءة. هم أقرب رابط لأسلافنا.

في الأوقات الماضية ، كان من المعروف أن لسان حال المجتمع. كانت كلماتهم هي البوصلة التي استعان بها المجتمع الأفريقي بحقائق الحياة اليومية. لقد أثرت الحداثة على هذه الممارسة بطريقة ما. تحترم بعض القبائل اليوم المال وتعبده بدلاً من حكمة كبار السن

.

تعزز احترام واحترام الشيخوخة في أفريقيا بقوة من خلال تربية طفل أفريقي. يؤدي هذا دائمًا إلى نمو الأطفال لرعاية والديهم في سن الشيخوخة. لقد ساهمت هذه الأيديولوجية تجاه الحياة في إفريقيا بشكل كبير في ندرة “منازل المسنين” في القارة الأفريقية.

يذكرنا هؤلاء المسنين بالرحلة التي يجب علينا جميعًا القيام بها – رحلة التجارب. بشرتهم المترهلة والمفاصل الضعيفة هي شهادة على مجد وألوهية الشيخوخة. ولذا يجب أن نبقيهما ونحترم آرائهما.

لا يُقصد من كبار السن أن يكونوا في منازل منعزلة (مأوى الشعوب القديمة) بينما نركض إلى عالم دون توجيهاتهم. اليوم الذي سنبدأ فيه دور المسنين في إفريقيا الداخلية هو اليوم الذي سيتنفس فيه مجتمعنا آخره.

تم رفض النسوية في إفريقيا بسبب طبيعتها المتشددة


بواسطة/AFO

16 مارس 2019 0 36


شهد القرن 20 و 21 عددًا أكبر من نساء الشتات الأفريقيات والأفريقيات يعتمدن بعض المصطلحات والأيديولوجيات الأجنبية. أحد هذه المصطلحات هو “النسوية” ، ومما يبعث على الإحباط أن نقول إن المرارة والألم جعلا العديد من نسائنا يغيرن الأهداف الحقيقية للحركة النسائية. لقد أصبح الآن جيشًا عملاقًا يسعى دائمًا إلى دوس الرجال.

قبل المتابعة ، من المهم أن نصف ونعرّف الحركة النسائية ، بحيث يمكن للقارئ أن يفهم حقًا الزاوية التي ينتمي إليها الكاتب.
إذا تم بحث تعريف “النسوية” في القاموس ، فسترى هذه العبارات:

النسوية هي:

الدفاع عن حقوق المرأة على أساس المساواة بين الجنسين
نظرية المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الجنسين
الاعتقاد بأن الرجال والنساء يجب أن يتمتعوا بحقوق وفرص متساوية
العقيدة التي تدافع عن الحقوق الاجتماعية والسياسية وجميع حقوق المرأة الأخرى مساوية لحقوق الرجل


الآن ، هذه تطلعات الحركة النسوية المذكورة أعلاه نبيلة ويجب النضال من أجلها “بسلام وإنسانية”. ولكن يبدو أنه مع مرور الأيام ، فقدت العقيدة الحقيقية.

النسوية في أنقى صورها جميلة وجديرة بالطبع. وبالطبع ، يجب أن تتمتع المرأة بحقوق متساوية. لكن ما لدينا اليوم هو مجموعات من النساء اللاتي قامن بتحريف أهداف الحركة النسائية وجعلتهن “صرخة حرب” لإخضاع الرجال وإيذائهم. آخرون دعوا إلى أن يكونوا غير محترمين ومهينين لرجالهم.

في كل مكان تقوم فيه بتشغيل وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ، هناك “مجموعات فيسبوك على موقع فيسبوك” حصريًا للنساء ، مكرسة لمحاربة الرجال. يذهب البعض إلى حد إعطاء النصائح السلبية للنساء الأصغر سنا للطلاق أو اختيار المعارك مع رجلهم ، عندما يكون هناك شجار. كانت بعض هؤلاء الشابات بحاجة إلى كتف ليبكي ، لكن بعد أسابيع قليلة في هذه المجموعات ، أصبحن عسكريات ويعتبرن الرجال عدوات. سؤالي هو: هل نحن في حالة حرب؟

كان هناك حادث في نيجيريا في عام 2018 ، حيث طعنت امرأة زوجها حتى الموت ، وقطعت أعضائه التناسلية ، ووضعتها على يده اليمنى. عندما اندلعت الأنباء على وسائل التواصل الاجتماعي ، كان من صدمة العديد من الرجال أن يجدوا نساء يؤيدن سلوك المرأة.

قالت العديد من النساء إن هذا هو طريق الصحيح ، وأنه حان الوقت للنساء للوقوف والقتال. قالت بعض النسويات الشعبيات الأخريات إنها كانت بداية ثورة وأنه يجب على الرجال أن يخافوا مما سيحدث لأن النساء سئمن من سوء المعاملة.

أنا متأكد من أن معظمنا قد رأى مثل هذه التعليقات البغيضة تأتي من بعض النساء اللائي يدعين أنهن يقاتلن من أجل مسيرة الحركة النسائية. هناك العديد من الفتيات الصغيرات والسيدات اليوم ، الذين يعتقدون أن الطهي أو القيام بالأعمال المنزلية يجعلهن ضحايا. ثم تندهش في التساؤل كيف وصلنا إلى هنا كشعوب افريقيا .

يقول الكثير منهم إنهم لن يطبخوا وينظفون عندما يتزوجون. يبدو الأمر سخيفًا ، لكن هذه هي الطريقة التي يبدا بها النسوية من مشاكل البسيطة الي الكراهية و هز تركيبة الحركة النسائية الحقيقية في المجتمع الأفريقي. ما علاقة الطبخ بالطفل والعناية به في المنزل ، حيث يرتبط الأطفال والرجل بالمساواة بين الجنسين؟ لا شيء مطلقا!!!

الاتجاه الأخير بين بعض نسائنا ، ليس أكثر من النسوية المتشددة والسلبية والمضللة. وهذا هو السبب وراء غضب الكثير من الرجال وبعض النساء من مفهوم النسوية. ليس لأنها لا قيمة لها . ولكن لأنه تم اختطافه بسبب الكراهية والمرارة والنية لتعويض التوازن في المجتمع الأفريقي.

ساهمت الحركة النسائية المتطرفة في عدد كبير من حالات الطلاق بين أفراد شعبنا. وذلك لأن العديد من هؤلاء النسوية المريرة يعتقدون أن “الرجال هم حثالة” لذلك يفضلون الابتعاد عن زواجهم أو علاقتهم. إنهم يعتبرون الطلاق “الحرية” كرجال كما يُرى المستعبدون

وهذا بدوره يحطم دائرة عائلتنا ويجعل مجتمعنا أكثر عرضة للخطر. أسوأ جزء هو أن الأطفال في مثل هذه الزيجات يميلون إلى المعاناة العاطفية بسبب الطلاق.

اليوم ، هناك رجال يعاملون زوجاتهم مثل الملكات والآلهة ، لكنهم لا يريدونهم أن يقتربوا من الحركة النسائية. وذلك لأن هناك احتمال بنسبة 80 ٪ أنها ستنضم إلى مجموعة وسيتم تسمم عقلها ضد زوجها. كل مناقشة عائلية صغيرة أصبحت الآن مشكلة كبيرة – صراع من أجل التفوق.

على مساحة وسائل الإعلام الاجتماعية الأفريقية ، هناك مقاومة ضد الحركة النسائية اليوم أكثر مما كانت عليه قبل 4 سنوات. اجتمع كل من الرجال والنساء لرفض الموقف البغيض أحيانًا الذي تتخذه بعض النسويات بشأن القضايا.

خرجت العديد من النساء ليقولن إنهن يؤمنن بالمساواة بين الجنسين ، لكنهن لا يرغبن في التعرف على أنهن نسويات. الآن ، لماذا هذا؟ حسنًا ، لأنهم لا يريدون أن يُنظر إليهم في ضوء “النسويات المتشددين الحامض والمر.”

في الختام ، أنا لا أشك في أعمال أو تطلعات النسويات الحقيقيات (رجالًا ونساءً) الذين يبذلون قصارى جهدهم للمطالبة بالمساواة بين الجنسين والتمسك بها دون مرارة. لقد صفقوا لي وبالكثير من الآخرين. لكن ما رفضناه في مجتمعاتنا هو محاولة من النساء اللائي تعرضن للأذى من قبل الرجال ، لتحريض النساء الأخريات على إيذاء الرجال أو عدم احترام الرجال.

هذا من شأنه أن يسبب الفوضى والمزيد من الانقسام بيننا كشعب. وبصدق ، نحن بحاجة إلى الوقوف أكثر في هذه المرحلة من تاريخنا.

الحرب المعمدانية -التمرد العنيف ل60،000 أفريقي مستعبدين في جامايكا (1831-1832)

الحرب المعمدانية – التمرد العنيف لـ 60،000 أفريقي مستعبدين في جامايكا (1831-1832)

قلم ليبرتي أدباء إفريقيا – 30 يناير 2020 0 15

إن توثيق رحلة الرجل الأسود عبر التاريخ هو جانب مهم من مهمتنا ورؤيتنا. نحن نفخر بتزويد شعبنا بتاريخ إفريقيا قبل أن يقابل الأفارقة الأوروبيين والعرب.

والأكثر من ذلك ، أننا نفخر بشكل استثنائي بتقديم روايات للعديد من الثورات والحروب التي ذهب إليها الأفارقة في محاولة للدفاع عن أرضهم وشعوبهم من الإرهابيين الأوروبيين أثناء العبودية والاستعمار.

كانت الحرب المعمدانية ، التي تسمى أيضًا تمرد عيد الميلاد ، واحدة من بين العديد من المقاومة التي قادها الرجل الأسود لاستعادة حريته وتأكيد نفسه في عالم كان مصمماً على إبادته بالكامل من الوجود .


استمرت الحرب المعمدانية لمدة 11 يومًا ، وجمعت أكثر من 60،000 من السود في جامايكا ، للقتال من أجل حريتهم. العدد الذي شارك في التمرد لم يصل إلى نصف سكان السود المستعبدين في جامايكا – تشير السجلات إلى أن عددهم بلغ حوالي 300000 بين 1831-1832.

كان السبب في تسميتها حرب المعمدانيين هو أن غالبية السود الذين ثاروا ضد خاطفيهم الأوروبيين الوحش كانوا من الكنيسة المعمدانية.

كان للحرب المعمدانية 60،000 من الجامايكيين ، و 300 من العبيد ، وتمت تسميتها بـ “التمرد المسيحي”. كان التمرد أحد عشر يوما ، وكان يعتبر أكبر تمرد الرقيق في منطقة البحر الكاريبي البريطانية.

بدأت الضجة التي أدت إلى التمرد بعد وقت قصير من يوم عيد الميلاد 25 ديسمبر ، والسبب وراء ذلك يسمى “تمرد مسيحي”. ويسمى على في نفس الوقت الحرب المعمدان لأن الكثير من المتمردين كانوا من طائفة المعمدانيين.

مثل معظم المستعمرات البريطانية ، فاق عدد العبيد السود عدد البيض في جامايكا. مع نسبة 12: 1 ، طغى المستعبدون البيض في الجزيرة ، التي كانت إلى حد بعيد أكبر مستعمرة بريطانية في البحر الكاريبي. أصبحت التوترات عالية للغاية بسبب إلغاء العبودية التي كانت تجري مناقشتها في البرلمان البريطاني.

ألقى المزارعون الجامايكيون ، الذين انزعجوا من هذا الاحتمال ، خطابات استفزازية وكتبوا مقالات في الصحف تهاجم التحرر. أثارت هذه الإجراءات السخط والإثارة بين أغلبية الرقيق. تمردوا جزئيا في عام 1831 بسبب الكساد الاقتصادي الذي أثر على بعض البيض المحرومين وجعلهم شركاء في التمرد..

كان صموئيل “دادي” (شارب) أحد القادة المستعبدين الذين تم تقييد حركتهم في جميع أنحاء الجزيرة هو المخطط الرئيسي والمنظم للثورة. كان لدى صموئيل شارب فقط حرية السفر في عطلة تقليدية أو خدمة دينية ، ثم استخدم هذه الحرية الصغيرة لمناقشة والتخطيط للثورة الفعلية.

في ديسمبر 1831 ، اختار شارب مجموعة من القادة للبقاء في الخلف ومناقشة خطط التمرد في نهاية اجتماع صلاة منتظم. وهو يشجع أتباعه على الاستشهاد بأمثلة من غويانا و المتمردين في جزيرة الكاريبي و تمرد عبيد دي مرارا في عام 1823. وتعهد شارب بالاطلاع على خططه الموضحة ، بل أقسم الكتاب المقدس.

في الخامس والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) من عام 1823 ، قرر قادة الانتفاضة الإضراب عن مطالبهم بزيادة أجور العمل وحرية الوقت. تعهدوا بعدم العودة إلى العمل حتى يتفق أصحاب المزارع على المطالب. جاء التمرد الكامل عندما رفض المزارعون مطالبهم. اندلعت التمردات في كينسينجتون إستيت بالقرب من مونتيغو يوم الإثنين 27 ديسمبر 1831 ، حيث تم إحراق حقول قصب السكر.

هرب البيض الذين لم يسافروا في عطلة عيد الميلاد إلى مونتيغو والمجتمعات المجاورة. تُعرف المجموعة العسكرية المتمردة باسم “الفوج الأسود” بقيادة عبد يعرف الآن فقط باسم الكولونيل جونسون ومن بينهم كريستيان ريبيل. في 28 ديسمبر 1823 ، هزم الفوج الأسود وحدة من الميليشيات المحلية التي تراجعت إلى خليج مونتيغو بينما غزت الفوج عددًا من العقارات.

وحث الفوج الأسود العبيد الآخرين على الانضمام إليهم في حقول حرق قصب والمنازل المزروعة مع استمرارها. واجهوا هجومًا مضادًا من وحدة عسكرية سوداء أخرى أصغر من حوالي مائة وخمسين متمرداً من الطرف الغربي من الجزيرة حيث اكتسبت أعمال الشغب المزيد من الإيقاع. قُتل واحد من المتمردين البيض وحوالي خمسة وعشرين متمرداً في الصراع أثناء هزيمتهم.

في الأسبوع الأول من شهر يناير عام 1832 ، أصبحت الأمور هادئة حيث أنهى التمرد المسيحي التمرد. لكن المقاومة المتفرقة استمرت لبضعة أشهر حيث لجأ المتمردون إلى أساليب حرب العصابات أثناء القتال في المناطق الجبلية في جامايكا.

دفعت الحرب المعمدانية بريطانيا العظمى إلى تبني الحرية الكاملة في جميع مستعمراتها ، بما في ذلك جزر الهند الغربية وجامايكا في عام 1838. تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من مائة من المتمردين قد قُتلوا مع أربعة عشر من السود الأحرار الذين دعموا التمرد في نهاية قتال.

المصدر: الماضي الأسود

ربما تسألت يومآلماذا أصبحت أديس أبابا مقرآ للإتحاد الإفريقي الجواب في هذه السطور

كل الدول الإفريقية لديها عيد #استقلال
أما اثيوبيا فلديها عيد #إنتصار 💚💛❤✊

معركة عدوة هي اول هزيمة مؤثرة للمستعمر الأوربي من قبل دولة إفريقية غير أوروبية وتحتفل إثيوبيا وجميع الأفارقة بذكرى المعركة لانها تعتبر هي بمثابة كسر شوكة المستعمر في القارة الإفريقية .

اثيوبيا تحتفل بذكرة إنتصار عدوة ال 124عام.

معركة عدوة وقعت يوم 1 مارس 1896م عندما حاولت إيطاليا غزو إثيوبيا وكانت عدوة أول هزيمة عسكرية مؤثرة لقوة استعمارية أوروبية على يد قوة غير أوروبية منذ بدأ الأستعمار وقد أثرت كثيراً على معنويات سكان المستعمرات حيث قضت على أسطورة أن الأوربى لا يقهر ما ألهب الشعور الوطني لدى الشعوب المحتلة أراضيها وأعطاهم الأنطباع بأن المقاومة ممكنة والتحرير ممكن.

إذ كانت اثيوبيا الدولة الوحيدة إلى جانب ليبريا المحافظة على استقلالها في أفريقيا وقتئذ .

لكن الأوروبيين – والإيطاليين تحديدًا – كانوا ينظرون إلى أفريقيا التي تُسيل لُعابهم بمنظار آخر، خصوصًا بعد مؤتمر برلين سنة 1885 حيث اتّفقت الدول الأوروبيّة على تقاسم أفريقيا بينهم كالعكعة من أجل توسّعاتهم الاستعماريّة.

قاد الجنرال باراتيري، الذي حصل على وسام جديد في روما مباشرة قُبيل الحرب، جيشًا من #20_ألفجنديّإيطاليّ مدجّجين بأحدث الأسلحة الأوروبيّة، بلباس شتويّ ثقيل يصلح للقتال في أوروبا، لكنه كان كارثيًّا بالنسبة للجنود الذين سيقاتلون في أدغال أفريقيا. انطلق الجنود إلى منطقة عدوة بدون استخبارات مُحكمة ولا خرائط دقيقة، ليجدوا جيشًا جرّارًا يتكوّن من #100_ألفمقاتلإثيوبيّ من #مختلفالأعراقوالمناطق في انتظارهم. في نهاية اليوم تمّ القضاء على 4 آلاف جنديّ إيطاليّ، وقد كانت حينها أكبر خسارة في التاريخ الأوروبي الاستعماريّ، إذ تمّ القضاء على جنرالين وأسر واحد، والاستيلاء على كل عتاد وسلاح الجيش الإيطالي.

بعد هذا النصر الإثيوبي، جلس الطرفان على مائدة الحوار، واعترفت إيطالية باستقلال إثيوبيا التّام، كما دفعت لإثيوبيا مبلغًا يقدّر بخمسة ملايين دولار ذهبًا.

تُعرف معركة عدوة بأنها #أعظممعركةبينأوروباوأفريقيا ، وقد شكّلت حينها صدمة للرأي العام والطبقة السياسية في أوروبا، وأقنعته بأن الحملات الاستعمارية في أفريقيا ليست نزهة خالية من العواقب كما كان يتخيّل؛ وقد وقع خبر الهزيمة النكراء كالصاعقة على إيطاليا وكامل أرجاء أوروبا .
#بوابةأفريقياالآن

قلبأفريقياالنابض

افريقيا_العظيمة 💚💛❤

حركات التحرر في القارة الإفريقية: حركة التحرر في جمهورية تشاد

حركات التحرر في القارة الإفريقية: حركة التحرر في جمهورية تشادعوامل قيام الثورة في القارة الإفريقية

كانت أسباب الثورة في القارة الإفريقية كثيرة ومتعددة ومتنوعة ولكن من أهم أسبابها هو سلب الحريات بطريقة وحشية، فقد سلب الاستعمار الأوربي من المواطن الإفريقي حريته في أرضه وفي تنقله وحتى في طراز حياته الذي ورثه عن آبائه وأجداده خلفاً عن سلف. فقد أجبره المستعمر الأوربي بقوانينه التي فرضها عليه على أن يترك أرضه الجيدة وأجبره على زراعة محصول واحد هو الذي يحدده كما أجبره على العمل بالسخرة أو بأجور زهيدة لا تكفيه سداد حاجياته الضرورية اليومية. كما قتل الآلاف من أبنائه وأقاربه ولم يميز بين صغير وكبير أو بين رجل وامرأة.

الحرب العالمية الثانية

ومن العوامل التي نبهت الأفارقة إلى حالتهم المزرية وكيف يجب أن يتعلموا الدفاع عن مصالحهم هو اشتراكهم بعشرات الألوف في الحرب العالمية الثانية، واتصالهم بمجتمعات يتمتع فيها الأفراد بالحرية والمساواة وتعلموا أن هناك حروبًا قامت ضد الاستبداد وفي سبيل الحرية.

كما كان لدور الأحزاب التي لم تتكون إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي في عقبها شهدت القارة وعياً سياسيا شمل قطاعًا واسعًا من مكونات الشعب الإفريقي وفي كافة مناطقه الجغرافية. في المدن والقرى والأرياف وحتى رؤساء الشعوب و العشائر كثير منهم أنضم إلى حركات التحرر وشاركوا بفاعلية في المطالبة باستقلال شعوبهم وخروج الاستعمار من بلادهم.

فكانت الحرب العالمية الثانية عاملاً مؤثراً في قضية تحرر الشعوب الإفريقية وسببا في امتداد حركة البعث إلى جميع أجزاء القارة الإفريقية. فقد جمعت ميادين الحرب المختلفة الرجل الإفريقي إلى جانب الرجل الأوربي المستعمر، ورأى الأول سيد الأمس يذبح ويُذبح كما كان يفعل بهم من قبل وخاصة مع بدايات دخول المستعمر الأوربي إلى القارة السمراء.

كما كان للوسائل وسبل كسب الأنصار أثر في سعي الأوربيين سواء الحلفاء أو دول المحور إلى اللجوء إلى نشر الدعاية لقضيتهم وتوظيف الوعود إلى الأفارقة بنيل استقلالهم في حال انضمامهم لأحد الأطراف وفي حال تحقيق النصر على العدو


فادَّعى كل طرف من الخصمين المتحاربين أنه يمثل الاتجاه الديمقراطي وصاحب النهج التحرري الذي يقوم على الحرية والمساواة والرغبة في تحرر الشعوب ونيلها استقلالها ومنحها حريتها وتقرير مصيرها.

وعرف الإفريقي أنه يوم تنتهي الحرب سواء بانتصار المحور أو الحلفاء فسوف ينال استقلاله ويقرر مصيره وينعم بحريته.

تحرر إندونيسيا

واستنادا إلى الوعود التي أسرف الفريقان في بذلها وزاد يقينية بالاستناد إلى الميثاق الذي أعلن الحلف الأطلنطي والذي نادى به الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت؛ فلم تكد الحرب تضع أوزارها حتى قامت إندونيسيا تطرح عنها نير الاستعمار الهولندي الذي أستمر كثر من ثلاثة قرون وكانت وسيلتها الكفاح المسلح، في الوقت الذي نالت فيه الهند استقلالها عن طريق الكفاح السلمي وهذا ما فتح أمام الكفاح التحرري في إفريقيا نموذجين ناجحين في تحقيق الاستقلال وطرد المستعمر وتقرير المصير.

النقابات العمالية

كما لم تكن الاشتراكية الشيوعية بأقل تأثير في بث بذور الثورة على الرأسمالية الغربية المتمثلة في دول الاستعمار الأوربي؛ ففي المستعمرات الفرنسية اضطرت الحكومة إلى السماح بتكوين نقابات عمالية تضم الأفارقة والأوربيين معًا إلا أنَّ زمام القيادة سرعان ما أصبح في يد الأفارقة، خاصة بعد نشوب الحرب وخروج كثير من العمال الفرنسيين ليأخذوا مكانهم في الجيش مما سهل كيفية تحكم الأفارقة في النقابات العمالية ومصائرها؛ فاستطاعوا خلال فترة قصيرة أن يكسبوا إلغاء السخرة العمالية التي كانت سائدة ومعمولًا بها بل تأخذ الصبغة القانونية حتي سنة 1949 ميلادية.

كما كسبوا إجبار الشركات على الاعتراف بالحد الدنى من الأجور والحصول على لائحة تنظيم العمل بالنسبة للموظفين، وكذلك الحصول على قانون بتشريع نظام خاص للعمل في القطاع الخاص كما كسبوا الحق في الإجازة المدفوعة الأجر، وحق العمال في نظر قضاياهم في محاكم عمالية.

والحق أنه لا يمكن بحال من الأحوال أن نفصل الكفاح في المجال الاقتصادي والاجتماعي عن الكفاح في المجال السياسي. فمن صفوف النقابيين خرج القادة السياسيين فوُلِدت الأحزاب السياسية المنظمة من أجل الكفاح لتحرير الوطن، وخرج كثير من العمال الذين كانوا قد دخلوا المجالس التشريعية الجديدة، وكذلك المجالس التنفيذية على أساس عمالي إلى حيز السياسة؛ بل أسرع ممثلو النقابات المختلفة بعد أن اشتغلوا بالسياسة إلى الانضمام إلى بعضهم في أحزاب سياسية موحدة الأهداف من أجل حرية الوطن. ولا يمكن إنكار الأحزاب ذات التوجه الاشتراكي والشيوعي المؤيدة لهذه الحركات التحررية الإفريقية.

كما سعى الزعماء الأفارقة إلى الاتصال أو الوقوف وراء دراسة الآراء الماركسية من أجل الاستعانة بها، وكان محركهم سياسة الترفع والاستعلاء التي أتبعها المستعمر والمستوطنون الأوربيون الذين يقيمون في القارة الإفريقية.

أثر اختلاف المصالح بين المستعمرين على المؤتمرات وتوصياتها

لقد كان للسياسة التحررية لبعض الدول الأفريقية أكبر الأثر في دفع هذه الحركات الثورية الإفريقية نحو الأمام. تبعته سلسلة مؤتمرات وجهت هذه الحركات الإفريقية مثل مؤتمر باندونج الذي عقد في سنة 1955م وناقش الوسائل التي تُمكِّن شعوب قارتي أفريقيا وأسيا من تحقيق تعاون ثقافي وسياسي، وأكد أن خضوع الشعب للسيطرة والاستغلال الأجنبي هو إنكار لحقوق الإنسان الأساسية، كما دعا الدول المعنية إلى منح الاستقلال لتلك الشعوب.

ثم جاء بعد ذلك مؤتمر الشعوب الأسيوية الأفريقية الذي عقد في القاهرة في سنة 1957م واستنكر الاستعمار، والتفرقة العنصرية، وطالب بإقرار حق المستعمرات في الاستقلال التام. وأيد شعوب الكاميرون، وكينيا، وأوغندا والجزائر ومدغشقر والمغرب والصومال في التمتع بحرياتهم.

كما ضم مؤتمر أكرا الذي عقد في أبريل 1958م دول أفريقيا المستقلة، وبحث مشكلات الشعوب الإفريقية غير المستقلة، والخطوات اللازمة لتأمين استقلال وسيادة الدول الإفريقية حتى إذا ما انقسمت دول إفريقيا في سنة 1960م إلى كتلتين أصرت كل منهما على تأييد الحركات القومية في كل دول أفريقيا وإن اختلفت في وسائل التأييد.

كل هذه العوامل مجتمعة شاركت في بعث روح القومية الإفريقية ونفخت فيها الرغبة في الحرية والاستقلال عن ربقة الاستعمار الأوربي البغيض.

حركة التحرر التشادية نموذجا

كانت بحيرة تشاد نقطة التقاء الحدود التي صنعها المستعمر بعد اتفاق سنة 1893م والتي بموجبها فُصل بين نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر، أو بالأصح بين مناطق نفوذ الدول الاستعمارية الثلاث، فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

خاضت خلالها المقاومة التشادية حروبًا طويلةً ضد المستعمر الفرنسي دامت أكثر من سبع سنوات كانت سِجالاً بين الطرفين كان آخرها معركة بالقرب من مدينة (قصيري) قُتل فيها القائد الفرنسي (لامي) وجرح الأمير (رابح) الذي توفي على أثر هذه الجروح سنة 1900م واستطاعت القوات الفرنسية احتلال مدينة (ديكوا) وقاد لواء المقاومة بعد الأمير رابح ابنُه (فضل الله) الذي قاوم الاستعمار بعد أبيه إلى أن قُتِل سنة 1909م وتم القضاء على المقاومة بعد معركة (عين جالا) عام 1911م.

على إثر هذه المعركة قررت الحكومة الفرنسية إطلاق اسم تشاد على هذه المنطقة وتم ضمها إلى منطقة إفريقيا الاستوائية الفرنسية التي شملت إضافة إلى تشاد، الغابون، والكاميرون والكونغو، وإفريقيا الوسطى وبذلك تم اتصال مناطق المستعمرات الفرنسية مع بعضها وأصبحت تمثل منطقة جغرافية متصلة دون فواصل طبيعية أو سياسية.

مذبحة رجالات ديانة الاسلام الافريقي

أراد الفرنسيون أن يستوطنوا في البلاد ويجعلوا من أهلها أذلة فلم يجدوا لهم عدواً كالإسلام الشعبي الافريقي في تشاد الذي كان يقف كالطود العظيم الذي يحول دون تحقيق أهدافهم في الاستعمار والاستقرار والاستغلال، فعَمد المستعمر إلى إعداد خطة محكمة للنيل من خصمهم–الإسلام تشاد الافريقي الشعبي –فدعوا جميع العلماء من مختلف جهات تشاد وأوهموهم بأن اللقاء حول إدارة البلاد وكيفية تصريف شئونها. ولكن الخديعة والغدر كانا وراء هذه الدعوة؛ حيث تم جمع ما يقارب من أربعمائة عالم في مدينة (أبشة) في إقليم (واداي) سنة 1917م وتم القضاء عليهم بدم بارد في مرة واحدة. وعُرِفَت هذه المذبحة الشنيعة بمذبحة (كبكب) وهو دليل على المعنى الشامل للمذبحة عدم نجاة أحد من العلماء ودليل على أن المستعمر أجهز على الجميع ولم يبقِ أحدًا منهم.

لم تنكر سلطات الاستعمار الفرنسي ما قامت به من جريمة نكراء في حق العلماء المسلمين في تشاد بل قامت بتبرير ما قامت به من عملية إجرامية هو أقبح مما فعلته أياديها الظالمة حيث أعلنت ودون حرج أن فعلتها جاءت للقضاء على الرجعية وأوكارها-المتمثلة في علماء الإسلام الشعبي الافريقي التشادي ودعاته –وقد آن للبلاد أن تتحرر من كل قيد يفرضه الدين– الإسلامي إفريقي –والأخلاق.

حركات التحرر في القارة الإفريقية: حركة التحرر في جمهورية تشاد 1

ولم تكتفِ قوات المستعمر الفرنسي بمذبحة (كبكب) بل شرعت في تتبع وملاحقة من بقي من مُعَلِّمِي القرآن والمربين والوعاظ والعلماء الذين لم تطالهم يد غدر المستعمر في مذبحة (كبكب) بسبب عدم تواجدهم أثناء مباشرة الجريمة؛ حتى اضطروهم إلى الهروب والنجاة بأنفسهم إلى خارج البلاد واستمرت محاربة زعماء و رجالات الديانة الإسلامية الافريقية في تشاد وفق خطة محكمة طويلة المدى وضعها المستعمر تقوم على طريقين:

الأولى مباشرة

عن طريق نشر الدعاية ضد إسلام الشعبي وتشويهه والرموز التي تمثله باعتباره دين رجعية وتخلف وهو دخيل على المنطقة جاء من مناطق أخري بعيدة ولا صلة لها بالمنطقة، وأراد أصحابه أن يكون ذريعة لبقائهم في البلاد وبسط نفوذهم عليها؛ وأن العالم لم يعد بحاجة إليه وأن البديل يكمن فيما يقدمه المستعمر الأوربي، وَوَصْفِه بالاعتقاد البالي الذي لم يعد يصلح في هذا العصر وأن البديل هو ما يقدمه المستعمر من قيم وأفكار وثقافة.

الثانية

كما عمل الفرنسيين على إبقاء أبناء الشعب التشادي بعد القضاء على العلماء ومداس التعليم في حالة من الجهل والفقر مع معاناة المرض والتخلف وحرمانهم من الدخول في المدارس الحكومية التي تشرف عليها حكومة الاستعمار؛ بل بلغ بالمستعمر الفرنسي أنه لا يسمح للمواطنين التشاديين بالعلاج في المستشفيات التي يشرف عليها–المُنصِّرون–إلا الذين يعتنقون الديانة المسيحية.

لهذا وصل الحد من وحشية المستعمر وتجرده من أبسط معاني الإنسانية التي يُحرَم فيها الإنسان من أبسط حقوقه في التعليم والعلاج. بل جعل من العلاج وسيلة ابتزازٍ لتحويل وإخراج أهل تشاد من مومني اديان الكريمة و الكجور و الإسلام الشعبي تحويل ديناتهم الذي هو ديانات أبائهم وأجدادهم إلى الدين المسيحي مقابل العلاج أو جرعة من الدواء تبقيهم على قيد الحياة! وكانت فرنسا تسعى لامتصاص واحتواء كل مُكوِّن ثقافي أو اجتماعي من السكان المحليين إلى الثقافة الفرنسية وهو ما عرف بالثقافة (الفرانكوفونية).

منعت السلطات الفرنسية التشاديين من تكوين الأحزاب السياسية والوطنية خشية مطالبتها بحقوق الشعب التشادي المتمثلة في تحقيق مصيره في الحرية والاستقلال؛ ولذلك عمدت إلى تبني سياسة فرض تبعية الأحزاب السياسية في تشاد للأحزاب السياسية في دولة فرنسا.

وكان أهم هذه الأحزاب هو الحزب الراديكالي الذي تولى رئاسته في تشاد (فرانسوا تمبلباي) والحزب الاشتراكي وحزب (أوديت) والحزب الوطني التشادي الذي ترأَّسه أحمد أبا.

 بقيت أوضاع تشاد تسير بشكل عادي حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية وسقطت فرنسا أمام الآلة العسكرية الألمانية وتشكلت حكومة فيشي الموالية لألمانيا تحت رئاسة الجنرال الفرنسي (فيشي بيتان) التي لم يعترف بها بعض الفرنسيين وعملوا على تشكيل حكومة أخرى موازية برئاسة الجنرال (شارل ديغول) وسُمِّيت بحكومة فرنسا الحرة.

أعلن حكام تشاد الفرنسيين اعترافهم وتأييدهم لحكومة فرنسا الحرة واشترك سكان تشاد المحليين في الحرب بعد سماعهم وعود وتعهدات (ديغول) بمنحهم الحرية والاستقلال عقب نهاية الحرب. وكانت تشاد مركز دعم وتموين مهم جداً لقوات الحلفاء خاصة الجيوش التي حاربت في صحراء إفريقيا.

تحرر صوري بشروط المُستعمِر

تم في تشاد نظام ما عُرف بنظام (بلاد جمهورية فرنسا لما وراء البحار) سنة 1944م وتم الوصول إلى انتخاب أول مجلس نيابي في سنة 1947م وأُعلنت أول حكومة برئاسة رجل من أصول هندية أسمه (غابرييل ليزبت) جاء إلى تشاد كموظف في القطاع الإداري ثم عمل في المجال السياسي إلى أن وصل إلى تأسيس حزب (التشاديين التقدميين).

قام شارل ديغول بعرض ما عُرف بدستور ديغول سنة 1958م وطلب من المستعمرات الفرنسية التصويت عليه، وكل مستعمرة تقره تصبح تلقائياً ضمن مجموعة الشعوب الفرنسية، وتحصل على الاستقلال الذاتي مباشرة، ويصبح سكانها متساوين مع الفرنسيين في المجالس والقوانين، وتصبح المستعمرات التي لا توافق عليه منفصلة عن فرنسا.

وعند ذلك سوف تقوم فرنسا بقطع جميع المساعدات المالية عن تلك المستعمرات. وقد تم إجراء هذا الاستفتاء على الدستور في 28 سبتمبر 1958م، وكانت نتيجته لصالح فرنسا وأصبحت تشاد حسب الدستور الجديد (الديغولي) دولة ذات استقلال ذاتي سنة 1949م.

تم إجراء انتخابات في تشاد سنة 1959م حقق فيها الحزب الراديكالي وحزب أوديت الفوز فَشكَّلا ائتلافًا سمي (الحزب التقدمي التشادي) وحاز هذا الائتلاف على جميع مقاعد الجمعية التأسيسية التي كان عددها (58) مقعدا، واستطاع السيد فرانسوا تمبلباي أن يشكل الوزارة برئاسته بينما أصبح السيد غابرييل ليزبت نائباً لرئيس مجلس الوزراء، وفي أغسطس من عام 1960م  أصبحت تشاد جمهورية مستقلة وقبلت كعضو في هيئة الأمم المتحدة ثم عدل الدستور في أكتوبر من نفس العام وبموجبه أصبحت اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية كما أصبحت السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية الذي يشغل منصب رئيس الوزراء أيضاً وينتخب من قِبَل الجمعية العمومية.


قائمة المراجع

  • استعمار أفريقيا، معهد الدراسات الإفريقية، زاهر رياض، جامعة القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة
  • تشاد، محمود شاكر، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر،1972م

تنويه

بعد هذا التحرر الصوري لتحسين صورة الاستخراب وتولية العملاء أمور وشئون العباد والبلاد، ما زالت تشاد وغيرها من البلاد الإفريقية تحت نير الاحتلال وعملائه، وما كانت هذه سوى مرحلة من تجميل الأنظمة لوجهها القبيح والالتفاف على حقوق هذه الشعوب المُستعبَدة، ولك أن تعلم أن فرنسا (التي أزكمت أنوفنا بعطور الحرية والديموقراطية الزائفة) ما زالت تحتفظ باحتياطات النقد القومية لـ 14 دولة إفريقية منذ عام 1961: (بنين، بوركينا فاسو، غينيا –بساو، ساحل العاج، مالي، النيجر، السنغال، توجو، الكاميرون، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، جمهورية الكونغو، غينيا الاستوائية، الجابون).

ولسنا بحاجة للتأكيد على أن هذه المسارات الديموقراطية الفارغة والعبثية ومسلسلات التحرر الوهمي إنما صُنعت على أعين النظام الدولي والذي لا يمكن التحرر من ربقته دون الخروج عن مساراته وصُنع المسار الخاص بنا.

.

تاريخ الإيرانين السود وكيف تم نسيانهم مع مرور الوقت


|AFO- 10 يناير 2020 0


تاريخ شعب إيران الأسود وكيف نسيهم مع مرور الوقت

عندما يحفر المرء في عمق تاريخ العالم ، فمن المستحيل عدم العثور على السود كأول سكان معظم أجزاء العالم. على الرغم من أن الفرس ، الذين احتلوا دائمًا الأراضي التي تُعرف اليوم بإيران ، كان لديهم دائمًا أناس سود في صفوفهم ووسطهم ، إلا أن بلاد فارس لم تكن إمبراطورية سوداء. وصل شعب بلاد فارس الأسود (إيران) إلى الخليج الفارسي من خلال العبودية وغيرها من الطرق التي قد لا نوثقها في هذه المقالة.

عند مناقشة العبودية ، يولي كثير من العلماء اهتمامًا كبيرًا لاستعباد الأفارقة في أمريكا وأوروبا ، تاركين استعباد الأفارقة في العالم العربي دون ذكر أو حذف.

صرح العديد من المؤرخين أن عدد الأفارقة الذين تم أسرهم وبيعهم واستعبادهم في العالم العربي بلغ الملايين .


يقدر المؤرخ بول لوفجوي في رواياته أن حوالي 9.85 مليون أفريقي تم شحنهم كعبيد إلى شبه الجزيرة العربية ، وبأعداد صغيرة ، إلى شبه القارة الهندية. كسر الرقم كما يلي:

كان تشحن متوسط 5000 إفريقي يوميًا من قبل العرب ، ما بين 650 إلى 1600 ميلاديً، وبذلك يرتفع العدد إلى 7.25 مليون أفريقي تقريبًا. ثم تم شحن 1.4 مليون أفريقي آخر بين عامي 1600 و 1800. عُرفت القرن التاسع عشر التي بذروة تجارة الرقيق العربية ، كانت تتم شحن 12000 أفريقي كل عام. استحوذت القرن التاسع عشر وحدها على 1.2 مليون من العبيد الذين تم شحنهم إلى الجزيرة العربية.

تجارة الرقيق العربية التي تقدر ب 9.85 مليون من العبيد الأفارقة ، تقع في مرتبة الثانية مقارنة بتجارة الرقيق في المحيط الأطلسي حيث تم شحن ما يقرب 12 مليون أفريقي. على الرغم من أن بعض المؤرخين الأفارقة يجادلون بأن رقم 12 مليون شخص رقم اقل بكثير من رقم الحقيقي و متحفظ عليه. و الرقم الحقيقي تشير إلى أنه تم شحن أكثر من 50 مليون أفريقي خلال التجارة في المحيط الأطلسي وحدها.

السود المستعبدين في إيران أشغلهم في مختلف الخدمات. بعضهم كانوا خصيًا ، تم تجنيدهم بشكل أساسي في جيوش النخبة في القاجار. كان هناك عدد قليل من العبيد الذين يستطيعون أن يربوا أطفالهم. على الرغم من أن هذا لم يكن هو الحال بالنسبة للعديد من الآخرين – الإيرانيون ، مثلهم مثل الآخرين في المنطقة ، لم يرغبوا في أن يتكاثر الأفارقة المستعبدين وأن يكون لا تنمو نسبة الإيرانين السود

كان العبيد الذين لم يكونوا خصيًا يُسندون أحيانًا جيوش نخبة القاجار. ينتمي ال 14 المصورون هنا لأمير قاجار زيل سلطان وغامشولو في أصفهان ، 1904. تصوير: زيل سلطان / أرشيف الصراع الحديث ، لندن ، المملكة المتحدة


تم استخدام الأفارقة المستعبدين الآخرين كحراس شخصيين ، وجنود ، وكذلك كخدم للأسر الثرية. استمروا في الاستعباد حتى عام 1928 عندما تم إلغاء العبودية في إيران. بعد إلغاء العبودية ، ذُكر أن العديد من الأفارقة (الإيرانيين من أصل أفريقي) انتقلوا إلى المنطقة الجنوبية من إيران.

حتى يومنا هذا ، فإن موضوع العبودية في إيران يندثر تحت السجادة أو في كثير من الحالات مرفوض كحدث لم يحدث قط. كما أن الافتقار إلى البحوث أو التوثيق الكافي لفترة طويلة من استعباد الأفارقة ، يضيف أيضًا إلى سبب عدم الوعي في إيران والعالم.

وفقا لخبير الأنثروبولوجيا بيدرم خسرونيجاد ، في جامعة ولاية أوكلاهوما ، “هناك بعض عائلات القاجار التي لديها مشاكل مع مصطلح” العبد “، أشار خسرونجاد ، في إشارة إلى الأسرة الحاكمة في إيران من 1794 حتى 1925.” يقولون ما كانت أسرهم كان خدم المنازل ولم يعاملوا كعبيد. قد يكون هذا صحيحًا ، لكن العبودية عبارة عن عبودية ويجب أن نكون قادرين على التحدث عنها بصراحة “.

حتى اليوم ، يوجد في إيران عدد كبير من السود ، وهو ما يسمى الإيرانيين الأفرو. وقال عالم الأنثروبولوجيا ، خسرونجاد ، إنه جمع حوالي 400 صورة تُظهر وجود وأدوار العبيد والخدم الأفارقة في إيران. يخطط لتجميع كتاب يحتوي على هذه الصور.

كما تدخّل مهنيون آخرون متحمسون لرواية قصص الشعب السود في إيران لإضافة مصداقية إلى وجودهم وحياتهم. أحد هؤلاء الأشخاص هو مصور إيراني ألماني ، مهدي إحسائي ، الذي استخدم صوراً جميلة في رسم صورة للمجتمع الأسود. يسمى الكتاب المصور الذي نشره “إيران-الأفرو- استكشاف تاريخي وثقافي للوجود الأفريقي في إيران.

في هذه الصورة التي التقطت بواسطة زيل سلطان في قصره الصيفي للصيد بالقرب من أصفهان ، يحمل أحد الأفارقة المستعبدين ابنه. ووفقًا للتعليق ، فإن الرضيع (إقبال) هو الابن الحقيقي للشخص المستعبد البالغ ، حجي ياقوت خان ، مما يوحي بأنه لم يكن خصيًا وكان بإمكانه أن يربي أبنائه. يقول التعليق أن ياقوت خان كان يرتدي ملابسه العرقية (اللغة الإنجليزية) ، والتي كان يرتديها بشكل أساسي الأفارقة خارج إيران. الصورة: زيل سلطان / أرشيف النزاعات الحديثة ، لندن ، المملكة المتحدة
قال مهدي إحسائي في تفكير عن مشروعه وكتابه للصور: “إن مقاطعة هرمزجان في الخليج الفارسي هي منطقة تقليدية وتاريخية تضم سكانًا متنوعين وغير مستكشفين. تم تأطيرها مع المناظر الطبيعية الفريدة والأشخاص الذين لديهم شخصيات عميقة. الإيرانيون ، الذين ما زالوا ملطخين بالدماء الأفريقية ويواصلون تراثهم الأفريقي بأسلوب ملابسهم ، وموسيقاهم ، ورقصهم وتقاليدهم وطقوسهم الشفهية. “

تكشف الصور الناتجة عن جوانب جديدة ووجوه غير مألوفة ، وهي ليست نموذجية بالنسبة للصورة المشتركة لإيران. إنهم يعرضون تفاصيل توثيق تاريخ قرون طويلة لهذه الأقلية العرقية. مواجهة بين الثقافة الفارسية والوعي الأفريقي بالنسبة إلى إيران.

الأخبار عن إيران هذه الأيام هي أخبار الحرب ، بينما تستعد أمريكا لخوض الحرب مع إيران ، بعد مقتل قاسم سليماني. بينما يركز العالم على التوترات في الشرق الأوسط وإيران على وجه الخصوص ، من المهم أن يتم تذكير السكان السود في إيران.

الممالك الأفريقية في البحيرات الكبرى – أول البشر الذين عاشوا في النيل

الممالك الأفريقية في البحيرات الكبرى – أول البشر الذين عاشوا في النيل

بواسطة|AFO


تعد القوميات العرقية القديمة في إفريقيا فريدة من نوعها وعميقة لدرجة أن حكاياتها تبعث الرعشات الجريفة في أفق أي أفريقي يصادفها حقًا. واحدة من هذه الشعوب هي شعب بوغندا ورواندا ، الذين كانوا من ضمن أوائل البشر على الأرض. قصتهم تجلب الطبيعة النبيلة لأفريقيا إلى المقدمة وتصرخ في السماء العالية ، الطبيعة المتساوية للجنس الأسود.

خلال الحقبة الامبريالية السفلى ، كانت ممالك البحيرات الكبرى ممالك رائعة و تسود فيها المساواة وكانت معروفة بقيادتها وبنيتها الاجتماعية. من هذه الممالك ، سوف نركز أكثر على بوغندا ورواندا ، التي كانت في ذلك الوقت أكثر الممالك شهرة وأهمية في البحيرات الكبرى.

بوغندا وأصله


هناك عدة رويات لأصل المملكة ، بوغندا. يقول أحد الروايات أن المملكة نشأت من كينتا. وفقا للأسطورة ، كان أول من البشر ووجوده يتوافق مع ولادة الرجل الحديث في منطقة البحيرات الكبرى.

يقول رواية أخرى إنه كان محاربًا من المناطق المجاورة التي أتت لغزو الأراضي ، شمال البحيرات العظمى التي تسمى نيانزا أو فيكتوريا الحالية. تقول القصة إن كينتا ربما كانت أول كاباكا (ملك بوغندا). رواية أخرى تقول إنه كان كيميرا ، أمير المملكة المجاورة ، بونيورو.

في كل هذه الروايات ، هناك شيء واحد واضح ، فقد كان شعب الغاندا دائمًا في البحيرات الكبرى ، التي هي أصل النيل ، وهم أحفاد البشر الأوائل. نمت بوغندا فقط لتصبح أهم الممالك في القرن الثالث عشر ، حيث سيطرت على بونيورو وتوسعت إلى درجة تغطي مساحة تبلغ ضعف مساحة بلجيكا.

نظام الحكم بوجاندان

كان نظام الحكم في بوغاندان متوافقًا مع النظام الأموي الأفريقي. تم وضع الكاباكا تحت حماية والدته ، من خلال الأشقاء. كانت الملكة الأم ، التي كان لها أيضًا قصرها الخاص ، ولقبها Namasole ، موضع تقدير كبير من قبل الناس. الأخوات Kabakas كانت أيضا بتقدير كبير.

ومع ذلك ، في حين خلف الملك ابن أخته ، في بوغندا ، خلفه أخوه. في نظام بوغاندان ، تم دعم الكاباكا من قبل رئيس الوزراء المعروف باسم كاتيكورو ومجلس من 10 رؤساء المقاطعات وكبار الشخصيات في المحاكم ، والمعروفة باسم لوكيكو. في حالة وفاته ، تم اختيار ملك آخر من قبل Katikoro و Mugenia (رئيس أكبر عشيرة).

اعتمد اقتصاد المملكة على الزراعة الغنية. كانت أراضي البحيرات الكبرى أراضي خصبة للغاية. غذت الزراعة الناجحة 2 مليون شخص. أشرف رؤساء المقاطعات على دفع الضرائب ، في حين تمكن المسؤولون من إدارة الطرق المؤدية إلى العاصمة. والدليل على وجود اقتصاد عاصف هو أن كابكا كأبوريس كانت تحمل أدوات وخزفًا من الخزف في القرن السابع عشر. وكانت باغاندا أيضا عمال المعادن المهرة.

بدأت بوغاندا في مواجهة المشاكل عندما تسبب المستكشف الإنجليزي اسبيكي في حدوث انقسام في المملكة. أقنع سبيك الكباكا بأنه من إثيوبيا وأن شعبه كانوا من نسل الملك داود ملك إسرائيل. تم خداع كل من الملك والملكة من قبل هذه الكذبة ، وهذا جعل الملك يريد التحول إلى المسيحية. كان نفس المخطط هو الذي أدى إلى الإبادة الجماعية عام 1994 في رواندا.

واعتبر نظام الدفاع بوغندا أن تكون جريئة وأنيقة. كانت هناك معركة أدت إلى زيارة المستكشف ستانلي. كان الملك في ذلك الوقت قادراً على تجميع 125000 رجل و 230 قارب. تم تصميم زوارق بطول 25 مترًا بواسطة بوغاندا .

كان كابكا موانقانق آخر ملوك بوغندا المستقلين. تم غزو المملكة من قبل الإنجليز في عام 1894 وتم الإطاحة بالملك. أعطت اللغة الإنجليزية المستعمرة الجديدة التي كانت في شمال بحيرة نيانزا ، الاسم السواحيلي أوغندا. وعلى الرغم من احتلالها للإنجليز ، إلا أن المملكة ظلت قوية وموقرة.

كان لدى سبيك هذا القول عن كاباكا موتيسا في نهاية القرن التاسع عشر:

“كان (موتيسا) يجلس على سجادة حمراء ، ملقى على منصة ، وكان يرتدي ملابس متأنقة في بدلة مرسومة من لحاء شجرة. على العنق ، كان لديه حلقة كبيرة من اللؤلؤ ، مرتبة بدقة. على كل يد وأرجل ، حمل حلقات بالتناوب من النحاس والنحاس. كان كل شيء خفيف ونظيف وأنيق. عند قدميه شارة الملوك ، رمح ، درع وكلب أبيض “.

سيصبح موتسا الثاني أول رئيس لأوغندا المستقلة في عام 1939.

مملكة رواندا

كان الناس يُعرفون باسم بانابورواندا ، كما يسمون بالله كينويرواندا ، تمامًا كما أطلق المصريون على الإله امينا. تتبع الناس أصولهم إلى شمال إفريقيا من خلال قصص من التوتسي الذين كانوا يعتبرون الطبقة الحاكمة. بالإضافة إلى ذلك ، يُقترح أن يكونوا على الأرجح من مصر الزنجية بعد أن أظهروا الكثير من أوجه التشابه مع مصر الزنجية.

كانت النخب ترتدي فساتين شعر مشابهة لتصميم الخوذة العسكرية للفرعون. وبعبارة أخرى ، كانوا أشخاصًا شماليين أتقنوا المناطق الجنوبية لبحيرة نيانزا.

كان هناك نظام طبقي واضح ومقبول في المملكة. كان الشعب التوتسي هو الطبقة الحاكمة ، التي يحددها عدد الأبقار التي يمتلكونها والتي لا تقل عن 8 ودورهم في الدفاع عن البلاد. من ناحية أخرى ، كان شعب الهوتو المزارعين الذين يمتلكون أقل من 8 بقرات.

ومع ذلك ، يمكن أن يحصل الهوتو على طبقة التوتسي عندما يستوفي المعايير والعكس بالعكس ، ولكن الطبقة الحاكمة ظلت هي التوتسي. كان لدى كلا الشعبين نفس اللغة ، نفس الله ، وكان يحكمها نفس الملك. كان الأرستقراطيين متورطين في الشعر والتفكير ، وتم ابتكار الأساليب الشعرية للمملكة الرواندية من قبل الملكة الأم التي كانت تدعى نيراروماغا.

كانت بانييارواندا معروفة بميلها الشديد إلى الحرب ، وكان لديها مصارعون شجعان حقًا ، وكانوا معروفين أيضًا باحترام النساء. وفقًا لما ذكره يولاندي موكاجاسانا ، كانت الحرب قد توقفت مؤقتًا لأن جنديًا كان يرتدي ملابس في المعركة. تم إحباط النساء بشكل خطير من الانخراط في تلك المآثر الشرسة. أصبحت رواندا في وقت ما حليفة لبوروندي ، مما جعل علاقاتها قوية بشكل خاص.

سيتوصل المحتلون البلجيكيون والألمان للأرض إلى فكرة أن التوتسي والهوتو يمثلان مجموعتين إثنيتين مختلفتين ، مما أدى ، لسوء الحظ ، إلى حصول التوتسي على مجمع تفوق سيؤدي في النهاية إلى الإبادة الجماعية الرواندية سيئة السمعة. هذا ما جربه المستكشف سيبكي أيضًا مع موتوساا في بوغاندا .

استنتاج

في جميع أنحاء أفريقيا ، لقد باركنا ذكرى ووجود الرجال الأوائل – أول البشر. في الوقت الذي كان فيه الجزء الآخر من العالم في ظلام دامس ، كانت هذه المناطق في أفريقيا تنبض بالضوء والصناعة والهندسة والتعليم وجميع أشكال الحضارة المتقدمة.

ولكن عند كل منعطف تجد فيه محنة للشعب الأفريقي ، كان هناك دائمًا وجود للأوروبيين. الأوروبيون الذين كانوا إما يقتلون الأفارقة ويسرقون ثرواتهم أو يكذبونهم على أصدقائهم وجيرانهم للتسبب في الحرب.

ولكن على الرغم من أن الأوروبيين ما زالوا مصممين على تقسيم إفريقيا وحكمها ، إلا أن التاريخ والحكايات النبيلة مثل هذه مهمة حتى يتمكن الأفارقة في جميع أنحاء العالم من فهم من هم كاملًا ويفخرون بتراثهم.

جريمة الصادق المهدي وأعوانه المسكوت عنه حول مذبحة الضعين ٢٨مارس ١٩٨٧

جريمة الصادق المهدي وأعوانه المسكوت عنه حول مذبحة الضعين ٢٨مارس ١٩٨٧

نقلا من كتاب مذبحة الضعين
تاليف: سليمان علي بلدو
عشاري احمد محمود خالد

في ذكرى ضحايا مذبحة الضعين يوم 28 مارس، 1987، يوم مذبحة الضعين قبل 32عاما فلنعتمد هذا اليوم يومَ مذابح السودان وجنوب السودان مجتمعةً وإلا عشنا حياتنا كل يوم في العام نستذكر مُفظِعة جماعية مماثلة من اقتراف الحكام في مساحات السودان القديم، رفض الاخوة في دولة جنوب السودان تعلم الدرس من مذبحة الضعين فنفَّذوا مذابحهم ضد شعب جنوب السودان وكانت مذابحهم أشد هولا.
في يوم السبت 28/3/1987، في مدينة الضعين، خلال فترة الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة رئيس الوزراء الصادق المهدي، نفذت قبيلة الرزيقات مذبحةً مريعة ضد المدنيين الدينكا النازحين بالمدينة عاصمة دار الرزيقات، وفق تخطيط سبق لهذه المذبحة، وكانت الخطة الإبادية معروفة من قيادة القبيلة، ولدى المسؤولين الحكوميين المحليين، والشرطة، وكذا سمع عن الخطة عدد مقدر من الدينكا المستهدَفين.
خلال ساعات قليلة، في ذلك يوم السبت، قَتل عشرةُ ألف من قبيلة الرزيقات، بقيادة “فرسان الرزيقات” على صهوات جياد عربات الكاروا أكثر من ألفين من المدنيين الدينكا النازحين من ديارهم في شمال بحر الغزال، أغلبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء، بعد أن كان أكثر الرجال الدينكا فروا من المدينة قبل يوم المذبحة.
قتل الرزيقات ضحاياهم في محطة السكة الحديد، وداخل بيوت الأسر الرزيقية، وقتلوهم في أماكن سكنهم العمالية في كماين الطوب ومصنع الصابون وفرنين، وفي شوارع المدينة. وكذا قتلوهم في مستشفى الضعين المحروسة بواسطة الرزيقيات المرابطات كَلَّفنَ أنفسهن بمهمة منع الدينكا الجرحى من تلقي الإسعاف والعلاج.
كان الرزيقات مسلحين بالمدافع الرشاشة والبنادق والسيوف والفؤوس والسكاكين والشلكايات والعصي والبنزين والزيت المحروق والخِرق والقش والمراتب القطنية والكبريت، وبالشر والتصميم على إبادة الدينكا بالمدينة.
دافع الصادق المهدي، كرئيس للوزراء، عن المذبحة، وبررها على أنها كانت للانتقام المستحق ضد جون قرنق، في راديو لندن 31 مايو 1987، ولاحقا بررها في مؤتمره الصحفي بتاريخ 8 سبتمبر 1987 أمام الصحفيين في الخرطوم وبتوجيهه المباشر أسقط نواب حزبه ونواب الحزب الاتحادي الديمقراطي المتحالف معه مقترحا لدى البرلمان قدمه نائب من جبال النوبة لإجراء مجرد تحقيق في المذبحة، ورفض الصادق المهدي تقديم الجناة وهم حلفاؤه إلى المحاكمة، وتعمد الإشاحة ببصره عن محاسبة المسؤولين الحكوميين المحليين الذين تقاعسوا عن تقديم الحماية للمدنيين الدينكا أو تواطؤوا مع المعتدين الرزيقات.
كذلك أغفل الصادق المهدي بفظيع الإهمال المتعمد اتخاذ التدابير اللازمة لمنع وقوع هذه المذبحة ابتداء، رغم معرفته السبقية عن العلاقات العنصرية المتوترة بالمدينة وعن الجرائم التي كان الرزيقات يقترفونها يوميا ضد الدينكا ويفلتون من عقوبتها المقررة في القانون، وكانت كل هذي أفعال الإتيان والترك من جانبه مشدودة إلى سياسته المعلاة لتسليح المليشيات القبيلية العنصرية وتعبئتها للعدوان تحديدا ضد المدنيين الدينكا، ليحرم بذلك العدوان الجيشَ الشعبي من الدعم البشري والمادي والمعنوي مما كان يقدمه المدنيون في قراهم
(3)
ثم اتهمني الصادق المهدي، معي سليمان علي بلدو، اتهمنا في ذلك مؤتمره الصحفي بالكذب الضار بشأن وقائع المذبحة والرق، وحرَّض الرزيقات على مقاضاتنا فلم يتجرأوا، فوجه وزيره النائبَ العام عبد المحمود حاج صالح لملاحقتنا جنائيا، وحين نصحه عبد المحمود، وهو كان جاري، أن لا أساس قانوني لمثل الملاحقة الجنائية المرغوبة، لجأ الصادق إلى مجلس الأمن الوطني واستصدر منه قرارا سريا لمعاقبتي بالحظر من السفر، مما كشف عنه في سودانايل ابن عمه مبارك الفاضل بعد ربع قرن من الزمان، ووجه الصادق المهدي جهاز الأمن باعتقالي، ليلة واحدة في سجن كوبر.
وحين وجدني الصادق المهدي لا أرعوي من الكتابة والمحاضرات عن المذبحة والرق، كلف وزيره صلاح عبد السلام بتوجيه مدير الشرطة اللواء عبدو كاهن بفبركة تهمة ضدي، فانصاع عبدو كاهن وامتثل للتوجيه، وكلف بالتنفيذ الرائد آدم دليل (اليوم لواء أو فريق)، فاختلق آدم تهمة عقوبتها الإعدام استخدم فيها أدوات الشرطي حين يكون الشرطي ذاته مجرما عديم الأخلاق، فبعض المجرمين ذوو خلق.
حاول الصحفي مصطفى عبد العزيز البطل دغمسة هذه الواقعة، وأنكر حدوثها وتفَّه موضوعها، بينما ثابت في الأوراق بعض منه منشور في الصحف اليومية أن عشرين شرطيا داهموا بيتي وفتشوه على مدى ساعات، ثم ألقوا القبض عليَّ وفق تخويل قضائي كانوا تحصلوا عليه، وقرأوا لي التهمة عقوبتها الإعدام، وشرحها لي المحامي مصطفى عبد القادر المكلف بالدفاع عني من قبل نقابة المحامين، شرحها بأنها خطيرة، وأنه يتعين عليَّ أن لا أستهين بالأمر كما كان وجدني أفعل، لكن الصادق المهدي الذي عذبه الكتاب فشل في مقصده بعد أن اضطرت الشرطة والنيابة وجهاز الأمن إلى شطب البلاغ وإطلاق سراحي بعد عشرين يوم في الحبس وتخلوا عن مشاركتهم في مخطط للصادق المهدي أراه إجراميا.
فلا قيمة لأقوال الصحفي عبد العزيز البطل الذي كان يعمل موظفا في مكتب الصادق المهدي بمجلس الوزراء.
كان التحقيق من قبل الرائد شرطة آدم دليل منحصرا في كتاب مذبحة الضعين الرق في السودان لا غيره، مَن مَوَّله؟ مَن ساعدكم فيه؟ من وجهكم بكتابة كتاب؟؟
فكيف حدثت مذبحة الضعين؟
ألخص الوقائع من المسودة المكتملة لكتابي الجديد عن المذبحة، كلما راجعتها لنشر الكتاب استحوذتني نوبات اكتئاب وبكاء. لكن النشر قريب.
البكاء والعويل والخوف في مدينة الضعين والرغبة في الانتقام ضد الدينكا ….
على مدى أيام حوالي منتصف مارس 1987، في فترة حكومة الصادق المهدي الأولى، وقبل أسبوعين من وقوع المذبحة، كان يُسمع بكاء وعويل في عدة أحياء بمدينة الضعين. للمرة الأولى في تاريخ الغزوات الرزيقية لجلب الرقيق وللنهب من منطقة شمال بحر الغزال، كانت العربات من جهة الجنوب هذه المرة تصل تباعا إلى الضعين وهي محملة بالجثث والجرحى، بدلا عن وصولها مصحوبة بالفرسان مشحونة بالأطفال والفتيات والنساء الدينكا وبالذرة وبالدجاج وبمتاع البيوت حتى الملابس المستخدمة والصحون وأكواب شرب الماء، مما كانت المدينة والقرى في دار الرزيقات اعتادت استقباله في الماضي القريب بزغاريد البهجة وبالذبيح من الأبقار المنهوبة، هذه المرة دارت الدائرة وألحقت قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان هزيمة ماحقة على مليشيات الرزيقات وكتيبة القوات المسلحة بدبابتها، في منطقة سفاهة، واستعاد شباب الدينكا العائدون لتوِّهم من التدريب في أثيوبيا أبقارهم المنهوبة.
تكثرت خلال تلك الأيام زيارة الرزيقات إلى المقابر لدفن الموتى، وإلى المستشفى لمعاودة الجرحى. خيم الحزن على أهل المدينة، وبدأ الخوف من المستقبل يستحوذ على الرزيقات، كقبيلة، صدمتها الهزيمة المرة، وأحبطها حرق المتمردين قائد المليشيا الرزيقي عمر قادم من أبناء أبو مطارق، عاصمة الرق في ذلك الوقت، حرْقُه داخل دبابة القوات المسلحة.
وعذبت القبيلةَ الوضعيةُ الطارئة فقدانُ ريع النهب الحرابي من منطقة شمال بحر الغزال ، وكان بمدينة الضعين أكثر من عشرين ألفا من الدينكا المُنزَّحين بسبب الخراب الذي أحدثته مليشيات الرزيقات في شمال بحر الغزال. وكان هؤلاء المنزحون الدينكا أقارب ذات الشباب من دينكا ملوال الذين جرعوا تلك المليشيات الرزيقية الهزيمة..
في يوم في منتصف شهر مارس، قبل اثني عشر يوما من تنفيذ المذبحة، أبلغت الدينكاوية أقول كول، واسمها أيضا حواء إدريس، كانت تعمل في أنداية نعمة بالضعين، أبلغت أهلها رجال الدينكا بأنها كانت سمعت خلسة في الأنداية عن مخطط يعده الرزيقات لقتل جميع الدينكا بالمدينة. عزَّزت أقول روايتها حالة التأهب القصوى لدى الشرطة منذ
الأربعاء 25 مارس. قبل وقوع أحداث المذبحة بثلاثة أياما، أعلنت قيادة شرطة الضعين حالة استعداد قصوى في وسط قوات البوليس. كانت تلك الواقعة من المؤشرات الغامضة أن مُفظِعة ستحدث. وأن الشرطة كانت منذ ذلك يوم الأربعاء وقبله على علم بأن التخطيط للمذبحة ضد الدينكا كان يسير على قدم وساق. مما أصلا كان عرفته الدينكاوية أقول كول.
في يوم الخميس 26 مارس، قبل يوم من تدشين المذبحة وقبل يومين من تنفيذها الكامل، زار شرطي اسمه الزبير، يعمل في مركز شرطة الضعين، من أولاد مدينة راجا، زار صديقَه الدينكاوي المدرس المسلم أرياك بيول، وأبلغه أن الرزيقات يخططون لقتل جميع الدينكا في المدينة.
في مساء ذات يوم الخميس 26 مارس، أرسل الرائد علي المنا، الضابط المسؤول في شرطة الضعين، أرسل سيارته الرسمية لاستحضار قيادات الدينكا رؤساء الأحياء بالمدينة إلى مكتبه بمركز الشرطة، دينق أنَيْ، ومالتِنق قوم، ودينق لوال، وتشويي عرديب مدوك، والمعلم المسلم أرياك بيول، ورئيس الكنيسة من قبيلة جور شول بنجامين كون.
عند حضورهم، طلب منهم الرائد علي المنا أن ينبِّهوا أهلهم الدينكا لأخذ حذرهم وللابتعاد عن أية مشكلة مع الرزيقات. ووجه الضابط علي المنا القيادات الدينكاوية بأن يبقى الدينكا في بيوتهم. لكن ضابط الشرطة لم يملِّك هذه القيادات كامل المعلومات التي كانت لديه عن خطة الرزيقات لإبادة الدينكا بالمدينة، وأنه كان يتم الإعداد لتنفيذها، وأن الشرطة كانت على علم.
“بعد ما مشينا قال يا جماعة غايتو في مشاكل بين الدينكا وعرب في سفاهة. إنتو تنزروا لجماعة بتاعكم دا طبعا بشربوا مريسة وبمشوا بشاكلوا وبسووا. العرب دي دايرين يتسببوا ليكم في مشاكل، بس هسي أي واحد بعد عشية أو ضهر ما يطلع من بيتو. تقعدوا واحد يحفظ نفسو”.
صباح الجمعة، العسكري الزبير يحذر الدينكا مجددا ومغادرة الدينكا المدينة
صباح الجمعة 27 مارس، جاء ذات العسكري الزبير من أولاد مدينة راجا مرة ثانية إلى صديقه المسلم أرياك بيول، وحذره مجددا، هذه المرة بإلحاح، بلزوم مغادرة جميع الدينكا مدينة الضعين مباشرة. “كلَّمْنا يوم الخميس، وجانا يوم الجمعة قال العندو ما عندو محل، يَمْرُق، يمشي أي محل. بس كلَّمنا زي دا”.
فالواضح هو أن الزبير العسكري من أولاد راجا كان سمع من داخل مركز شرطة الضعين حيث هو كان يعمل، سمع الأخبار المؤكدة عن وشوك وقوع العدوان على الدينكا، وربما كان سمع الأخبار من العساكر في الأجهزة الأمنية الأخرى بالمدينة. وربما كان أدرك أن الشرطة لن تحمي الدينكا.
أبلغ أرياك بيول أهله الدينكا بالمعلومات التي تحصل عليها من الزبير وبالتحذير. صدَّق بعضُ الدينكا الرواية، ولم بصدق البعض
في ذات صباح الجمعة غادر مدينةَ الضعين مئات الدينكا، خاصة الرجال، والرجال الدينكا هم المستهدفون بالقتل المباشر في مثل هذه الحالات، بينما كان الأطفال والنساء الدينكا يُستهدفون بالاسترقاق، فغادر هؤلاء الرجال المدينة بالعربات أو راجلين،
تدَخَّل الرزيقات لمنع بعض الركاب الدينكا من مغادرة المدينة، وحاولوا أحيانا إنزالهم قسرا من العربات المغادِرة.
بعد صلاة الجمعة، عقد الرزيقات اجتماعا في جامع حي الربع الرابع، أو في جامع السوق. لم يكن ذلك الاجتماع روتينيا أو أمرا عاديا، وسيصبح قابلا للتفسير فقط بعد الأحداث التي أعقبته بعد ساعات قليلة. تدشين شباب الرزيقات المذبحة بالهجوم على الكنيسة وعلى مساكن الدينكا وحرق حلة فوق……
في مساء ذات يوم الجمعة 27 مارس، هجم خمسون رزيقيا من رابطة شباب حي الربع الرابع على المصلين داخل كنيسة الضعين، وأطلقوا النار عليهم، ورموهم بالطوب وطاردوهم. كان هؤلاء الشباب الرزيقات يتضاحكون أثناء الاعتداء على الدينكا الذين لم يصب منهم أحد وهربوا من المكان. بعدها، توجه الشباب الرزيقات إلى بيوت الدينكا المجاورة للكنيسة، فطردوا ساكنيها منها، وشلَّعوا البيوت.
بعد ذلك بأقل من ساعة، هجمت جموع الرزيقات، من بينهم نساء وأطفال، على الدينكا في مكان ثقلهم السكني في حلة فوق بالربع الرابع، فأحرق الرزيقات بيوت الدينكا بالنار، واعترضوا عربة المطافئ، واعتدوا على الدينكا، وقتلوا منهم سبعة أشخاصا، وطاردوهم في شوارع المدينة، وصاحت نساء رزيقيات متحزمات بالكراهية يحملن أعواد الحيشان المُشلَّعة صِحن في وجه الشرطة يحذرنهم من مغبة الوقوف بينهن والدينكا.
في هذه الليلة، الجمعة، هرب آلاف الدينكا من المدينة، راجلين، واحتمى بمركز شرطة الضعين، القريب من مساكن آل مادبو أكثر من ألفين من الدينكا أغلبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء. وهرعت أعداد أخرى إلى حي السكة حديد الذي كانت تسكنه أسر من الدينكا مع خليط من قبائل أخرى. وقدمت أسر رزيقية وزغاوية الحماية في بيوتها لبعض الدينكا، مع مبيت أعداد من الدينكا في أماكن عملهم بالضعين في كمائن الطوب، ومصنع الصابون، والأفران، وربما في أماكن قشارات الفول (العتالة).
لأسباب بدت في لحظتها غامضة، أمرت قيادة الشرطة، بموافقة آدم الطاهر المدير الإداري، تحويل الدينكا من مركز الشرطة، حيث السور والسلاح وعتاد الشرطة وهيبة المركز، إلى حوش في المدرسة الغربية الخالية حتى من تلاميذ. ما أن استقر الدينكا في حوش المدرسة الغربية على مدى ساعة واحدة حتى استدعت الشرطة قيادات الدينكا، ووجه الرائد شرطة علي المنا إلى رئيس الكنيسة بنجامين كون، من قبيلة الجور شول، أسئلة تجريمية بالغمز عن أسلحة في كنيسته وعن سر “الاجتماعات” التي كان بنجامين “يعقدها في الكنيسة”. نعرف أن الرائد علي المنا سيقتاد غدا السبت من إحدى عربات السكة الحديد القس بنجامين كون ثم يعيده بعد ربع ساعة إلى محطة السكة الحديد جثة هامدة ألقاها بين الجثث.
في ذلك الاجتماع، أبلغ الرائد علي المنا القيادات الدينكاوية بقرار الحكومة تنقيل الدينكا مجددا من حوش المدرسة الغربية إلى حلة السكة حديد، ليكون “جميع الدينكا في مكان واحد”، قال لتسهيل حمايتهم، بسبب قلة عدد عساكره. لم يفهم الدينكا معنى كلامه.
تم تنفيذ تنقيل الدينكا من المدرسة، وباتوا ليلة الجمعة في حلة السكة حديد. هنا بلغ مجموع الدينكا أكثر من ثلاثة ألفا، دائما أغلبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء، بعد مغادرة أغلبية الرجال، ووفق ما سنعرفه لاحقا من حساب العداد ماركو باك لركاب العربة الخشبية في محطة السكة الحديد التي كان فيها أربعون رجلا فقط ومائتان من النساء والاطفال
في تلك ليلة الجمعة، رفض المدير الإداري آدم الطاهر مقترح كبار تجار مدينة الضعين، أغلبهم من الزغاوة العارفين ببواطن الأمور في مدينة الضعين وكانوا أنفسهم تعرضوا لعدوان رزيقي استهدفهم كمجموعة عرقية محددة، مقترحهم أن يتم ترحيل الدينكا مباشرة هذي ليلة الجمعة من المدينة، في عربات وفروها للمدير الإداري، وذكَّروه بسلطاته الاستثنائية أن بمقدوره الاستيلاء على أية عربة في المدينة لترحيل الدينكا (محادثة مع أحد الطبيبين المبتعثين للتحقيق من قبل نقابة الأطباء).
كان التجار على علم بخطة الرزيقات لإبادة الدينكا….
صباح السبت 28 مارس. يوم المذبحة. وصل بالصدفة الروتينية إلى الضعين القطار رقم 305، قادما من بابنوسة متوجها إلى نيالا. كان يجر عربة خشبية فارغة لشحنها بالبهائم من الضعين، وأربع عربات حديدية فيها مهام خاصة بالقوات المسلحة يحرسها أربعة جنود مسلحون.
أحدث وصول القطار 305 تغييرا جوهريا في جميع الوضعيات والخطط لدى جميع الأطراف. فغيَّر آدم الطاهر المدير الإداري للمنطقة رأيه المتعصب السابق ورفضه مقترح التجار لترحيل الدينكا من المدينة، واتخذ الآن قرارا بنقل الدينكا بهذا القطار 305 من الضعين إلى مدينة نيالا.
قرر أدم الطاهر استخدام العربات الحديدية الثمانية وعربة خشبية، كانت تسعتها متوقفة أصلا قبل وصول القطار 305 على القضيب الثاني، بدون قاطرة. فأفرغ العتَّالةُ من العربات الحديدية الثمانية جوالاتِ الفول المبشور التي كانت معدة لإرسالها مع القطار 305 إلى نيالا، وصدر التوجيهُ الحكومي بإيقاف إحضار البهائم المنتظرة في زريبة المواشي القريبة من المحطة، أيضا ليتم استخدام العربتين الخشبيتين المكشوفتين لذات غرض ترحيل الدينكا.
أبلغ رجال الشرطة المكلفون كبير شيوخ الدينكا تشيوي عرديب مدوك بالقرار. فخاطب الشيخ عرديب جميع الدينكا المتجمعين في حلة السكة حديد، باللغة العربية ثم بالدينكاوية، وشرح لهم قرار الحكومة ترحيلهم خارج الضعين، فوافقوا.
ترك الثلاثة ألفا من الدينكا حلة السكة حديد، وما أن وصلوا إلى محطة السكة الحديد المجاورة حتى اندفعوا نحو عربات القطار الحديدية الثمانية والعربة الخشبية على القضيب الثاني، ونحو العربة الخشبية المقطورة خلف القاطرة 305 على القضيب الأول، حتى امتلأت العربات العشرة عن آخرها لم يبق فيها موقع لقدم، ولمَّا بقي سبعمائة شخصا تقريبا بدون مكان في هذه العربات العشرة، تم توجيههم للانتظار في حوش نقطة شرطة السكة الحديد، ريثما تجد الحكومة لهم حلا. سيتم حرق خمسمائة منهم في هذا الحوش.
في ذات الوقت، عقد مجلس الأمن بمدينة الضعين اجتماعه تحت شجرة النيم الكبيرة في قلب محطة السكة الحديد، مباشرة أمام الحوش المذكور أعلاه. حضر الاجتماع جميع القيادات الأمنية والقوات النظامية واثنان من قادة الرزيقات، علي الرضي وحماد بشارة.
عندئذ، وصلت إلى محطة السكة الحديد المجموعات الأولية من الرزيقات المسلحين. فكان أول فعل نفذوه منعُ القطار من التحرك، وضعوا معوقات على القضيب وهددوا السائق.
ثم تكاثرت الأفواج الرزيقية، حتى بلغ عددهم عشرة ألفا، هكذا قال الصادق المهدي نفسه، في مؤتمره الصحفي بعد نشر كتاب مذبحة الضعين-الرق في السودان، وهي المعلومة في تقرير حاكم دارفور الذي أعده وكيل النيابة وضابطا شرطة.
وبدأ تنفيذ المذبحة المخططة المعروف أمرها للعشرة ألفا بأفعال النهب والتقتيل والحرق واختطاف الأطفال والفتيات.
تعرف الشهود الدينكا على الرزيقي اسماعيل نيوبي، الكموسنجي في سوق الضعين له فيه اليوم دكان. شاهدوه يدحرج برميل الوقود بمعاونة صِبْية، وقد شارك أطفال الرزيقات بفعالية في المذبحة، حتى توقف نيوبي والصِّبْية إزاء حوش نقطة شرطة محطة السكة الحديد وفيها أكثر من سبعمائة من الدينكا المنتظرين حلا.
لم يكن نيوبي لوحده مع الصبية الأشقياء “يعملون”، فقد كان آخرون من الرجال والنساء الرزيقات ذهبوا إلى المنازل القريبة لإحضار مستلزمات الحرق، مثل الشرقانيات، والمراتب القطنية، والقش، وخِرق القماش، وأدوات إضافية مثل الفؤوس التي سيكون لها دور مقدر في المذبحة.
لم يكن الرزيقات مستعدين للتغيير الذي أحدثه الوصول المفاجئ للقطار 305 وقرار ترحيل الدينكا بالقطار إلى نيالا. ولم يتوقعوا تركيبة وضعية الدينكا في محطة السكة الحديد، وهي تركيبة خلقها وصول القطار بالصدفة الروتينية. أي، لم يكن القطار 305 مشغولا بالضعين إلا كمحطة لشحن الفول والمواشي إلى نيالا. لكن الرزيقات بعبقريتهم العملياتية عدلوا خطتهم الإبادية لتستجيب للمستجدات التي خلقها وصول هذا القطار اللعين.
فتح إسماعيل نيوبي برميل الوقود، وصب منه للصبية ولآخرين من الرزيقات في مواعين منزلية أتوا بها. فرَشَّ هؤلاء الرزيقات الوقود على الدينكا المحاصرين داخل حوش نقطة بوليس المحطة. وقذفوا بالأشياء المشتعلة فوق الرؤوس، فحرقوا أكثر من خمسمائة طفلا وامرأة في هذا المكان.
سجلت قبيلة الرزيقات في بيانها الرسمي المنشور عن “أحداث بحر العرب والضعين” إشارة خافتة لهذه الواقعة على أنها كانت في البدء جزءا من عملية “تراشق” تحولت إلى “هجوم عام” شمل حوش نقطة شرطة السكة الحديد، سجلتها في كلمتين، “حوش البوليس”، في العبارة: “تطور التراشق إلى هجوم عام في … حوش البوليس …”، دون أن تذكر القبيلة في بيانها ذلك الذي حدث في “حوش البوليس”. تم إعداد البيان تحت إشراف موسى آدم مادبو، الوزير في حكومة الصادق المهدي، ووقع عليه ونشره باسمه أحمد عقيل أحمد عقيل عضو الجمعية التأسيسية، رئيس لجنة أبناء الرزيقات لتوضيح الحقائق حول أحداث بحر العرب ومدينة الضعين. وكان أحمد ممثل دائرة أبو مطارق، عاصمة الرق في دار الرزيقات.
أحرق الرزيقات ستين شخصا كانوا تحصنوا داخل مكتب نقطة الشرطة بالمحطة. أغلبيتهم من قبيلة الجور شول، عمال الدريسة بالمحطة وأسرهم، كان معهم إسماعيل ود أبُّو، دينكاوي من “أولاد الخرطوم”، ومرفعين أويل دينكاوي أيضا، كانا كسرا مخزن السلاح في نقطة الشرطة ودافعا حتى الموت.
أحرق الرزيقات جميع الأفراد الدينكا ركاب العربة الخشبية المكشوفة المتوقفة على القضيب الثاني. بقذف القش إلى داخل العربة وبرَشِّ الوقود فوق رؤوس ركابها وبإتْباع ذلك بقذف الخرق الملتهبة المشبعة بالوقود. مائتان وأربعون شخصا، أغلبيتهم من الأطفال والنساء، تم حرقهم جميعهم.
وجد الرزيقات أن كل واحدة من العربات الحديدية الثمانية، وكل واحدة منها فيها مطلبهم الدينكا 250 شخصا منهم في العربة الواحدة، كل عربة حديدية تمثلت صعابا تقنية وقفت حائلا بينهم والنفاذ إلى الدينكا لتقتيلهم بصورة جيدة. فقد كان الدينكا غلَّقوا عليهم أبواب العربات الحديدية من الداخل وأمَّنوا باب كل عربة وشباكها (وهو جزء من الباب ذاته). غلقوها من الداخل بالحبال وبكل ما كان يمكن استخدامه. فلم يكن ممكنا للمعتدين الرزيقات وأعوانهم النفاذ المباشر أو المسهل إلى الدينكا المتحصنين في هذه العربات، لتقتيلهم وحرق أجسادهم.
ابتدع الرزيقات حلولا ناجعة لهذه المشكلة العملية، مباشرة حين اعترضتهم. بأن حاصروا العربات، وبحثوا في محطة السكة الحديد عن البنزين فوجدوه، وابتعثوا الصبية والنساء وعددا من الرجال إلى الأحياء القريبة وفي داخل المدينة لاستجلاب الأدوات والمواد الضرورية، والوقود الإضافي، لتسهيل النفاذ إلى الدينكا داخل العربات أو إجبارهم على الخروج منها.
ركز الرزيقات المعتدون جهدهم الأولي في إعمال القوة الحديدية بالفؤوس لفتح أبواب العربات الحديدية المغلَّقة وحشر الخرق المشتعلة بين الشقوق، وأعملوا الجهد وفي إشعال النيران تحت كلِّ عربة حديدية مستهدفة. وفي حال فتح الدينكا المتمترسون داخل العربة المستهدفة الباب لطرد الدخان، كان المعتدون المرابطون يطلقون النار عليهم داخل العربة. وفي حال خروج أي من الدينكا من العربة الحديدية هربا من الحرارة المرتفعة داخلها أو من النار المشتعلة أو من الدخان فيها كان المعتدون المرابطون في المساحة الخارجية أمام أبواب العربات ينهالون عليه بالضرب وينهبون ما معه ويقتلونه تقتيلا ويحرقونه. بالإضافة إلى اختطاف المعتدين المرابطين الأطفال والفتيات لأغراض الاسترقاق.
فيتعين أن نفهم أن المذبحة كانت تدور في مسار زماني تخلله الانتظار أحيانا، للتفكير، ولتصميم الحلول، ولجلب الأدوات والمواد الضرورية لتنفيذ التقتيل، وأحيانا للراحة من التقتيل قبل العودة إليه مجددا.
حرق الرزيقات وأعوانهم جميع الدينكا أحياء في ثلاث من العربات الحديدية الثمانية، “لم ينج فيها أحد”، وفق قول الشاهد أرياك بيول. سبعمائة وخمسون شخصا. وقتل الرزيقات وأعوانهم أعدادا قليلة من الدينكا في عربتين حديديتين، لم يتجاوز عدد القتلى في كل واحدة من هاتين العربتين خمسة أو ستة أشخاصا. ولم يتم قتل أي شخص في واحدة من العربات الحديدية التي أحكم الأفراد الدينكا غلقها من الداخل، واستخدموا المراتب حاجزا بين الأقدام وأرضية العربة الحديدية التي سخَّنها الرزيقات بإشعال النار تحتها، وكان في هذه العربة الحديدية المعلم أرياك بيول، أحد أهم الشهود.
لا توجد لدي معلومات واضحة عن مصير عربتين حديديتين.
بعد أن هدأت قليلا عملية التقتيل في منتصف النهار، حضر إلى محطة السكة الحديد ضابط الشرطة علي المنا ومعه عسكري في سيارة لاندروفر، واقتادا القس بنجامين كون وشيخي الدينكا دينق لويل وماليت قوم من داخل عربتين حديديتين مختلفتين، وبعد ربع ساعة أعادا الثلاثة جثثا هامدة رمياها بين الجثث أمام العربات.
جرد الرزيقات أجساد الدينكا من الملابس القيِّمة والأحذية والساعات وجميع الممتلكات المحمولة، ومن المبالغ المالية الصغيرة، قبل قتل هؤلاء الأشخاص الدينكا أو حرقهم أحياء، أو قبل حرق جثثهم ، كان الرزيقات المعتدون في حالة هيجان يعبرون بإفصاح بليغ عن مشاعر اللذة والمتعة والسَّعر وكذا النشوة المستثارة بأدائية تقتيل الدينكا وحرقهم ونهب ممتلكاتهم. بينما استعرض “فرسان الرزيقات” فحولتهم أمام الحكامات شاعرات القبيلة، وكذا أمام المسؤولين الحكوميين المتحلقين في “اجتماع مجلس الأمن” تحت النيماية. كانوا كذلك يبشرون فوق رؤوس المسؤولين الحكوميين ويطلقون النار في الهواء.
قتل الرزيقات في أماكن أخرى في المدينة أكثر من خمسمائة شخصا من الدينكا، في الشوارع، وبيوت الأسر الرزيقية، ومستشفى الضعين، وكماين الطوب، ومصنع الصابون، والفرنين، وربما في القشارات، وفي القرى المجاورة.
قاوم الدينكا الرزيقات المعتدين بكل ما أوتوا به من عزيمة للبقاء قيد الحياة، قاوموا حتى آخر لحظة وإلى آخر رمق في الحياة، وكانت العزيمة والمقاومة هما اللتان أنقذتا أكثر من نصف الدينكا الذين حاصرتهم الجموع الرزيقية في محطة السكة الحديد.
نهاية يوم السبت 28 مارس، عاد المعتدون الرزيقات إلى بيوتهم، لتناول وجبة العشاء، تاركين خلفهم في محطة السكة الحديد وفي بقية أرجاء المدينة ألفين من الجثث. لا يوجد أي دليل يعتد به أن أكثر من شخصين من الرزيقات فقدا حياتهما، ربما قتلهما دفاعا عن النفس وعن الآخرين الدينكاوي إسماعيل ود أبو، الموصوف أنه من “أولاد الخرطوم”، أو قتلهما القس بنجامين كون في إحدى الروايات حين كان في البداية مع أهله الجور شول المحاصرين داخل مكتب نقطة الشرطة، قبل أن يتحول إلى عربة حديدية فتم أخذها منها وتصفيته.
في الخامسة والنصف مساء السبت، بعد ذهاب الأغلبية الساحقة من الرزيقات، حيث بقي آخرون قليلون “يعملون”، تحرك القطار 305 الذي كان على القضيب الأول، إلى نيالا، يجر معه عربات القوات المسلحة الأربعة وفيها مهمات الجيش، ومعه العربة الخشبية وفيها 241 من الدينكا. هؤلاء نجوا من المذبحة بعد أن استعصرت منهم الشرطة رشوة لقاء تقديم الحماية لهم.
قال جيمس دينق أشول وكان في هذه العربة الناجية إن العسكري الذي ابتز الدينكا “اسمو علي يوسف، هو جاء طلع [فوق العربة الخشبية] قال كل واحد يدفع 5 جنيه عشان يحفظوكم. أنا ما دفعت، ناس دفعوا زي تلاتين أربعين زول. … قال إذا كان انتو دايرين يحموكم كل واحد يدفع 5 جنيه، وبعد شال القروش نزل تحت”. تِحِت، حيث كان زملاؤه من الشرطة ينتظرون نتيجة المفاوضات مع الدينكا حول الرشوة.
غادر عدد مقدر من الدينكا محطة السكة الحديد ليلا إلى خارج المدينة. وبات في المحطة حوالي الألف شخصا من الدينكا، تقريبا، أغلبيتهم من النساء والأطفال والشيوخ والجرحى.
صباح الأحد 29/3، السادسة صباحا، وصل إلى محطة الضعين قطار خاص من بابنوسة تحت حراسة أمنية، ونقل بقية الدينكا ألف شخص تقريبا إلى نيالا.
بعد الظهر، من ذات يوم الأحد، تم نقل الدينكا الناجين، الذين وصلوا بالقطارين في ذات اليوم الأحد، صباحا وبعد الظهر، عددهم حوالى 1250، تم نقلهم من محطة نيالا إلى مدينة كاس بالقرب من مدينة زالنجي.
هنا، في كاس، قدمت منظمة أوكسفام الإغاثة للناجين، وحين زرتهم مع سليمان علي بلدو بعد ستة أسابيع من وقوع المذبحة كانت البريطانية كارين توايننج المرأة الوحيدة من خارج عزلة المعسكر تأتي يوميا تتحدث باللغة العربية مع النساء والأطفال تضمد الجراح وتسهل تقديم المساعدة، وعرفنا أن الصليب الأحمر كان هناك، وهكذا … أثناء وجودنا بالمعسكر، حضر رزيقيان يبحثان عن عمال زراعيين.
الأحد-الاثنين 29-30 مارس. في مدينة الضعين. لا أثر لدينكاوي حي إلا أثر الأطفال والفتيات والنسوة الأرقاء المحتجزين مخفيين في بيوت الأسر الرزيقية. وجد الرزيقات الذين نفذوا المذبحة، وقادتُهم المخطِّطون والمحرِّضون، وكذا وجد المسؤولون الحكوميون المحليون المتقاعسون عن أداء التزامهم لحماية الدينكا، جميعهم المتحالفون وجدوا أنفسهم أمام مشكلة قانونية وصحية وفنية ومشاعرية. وجها لوجه أمام العدد المتكثر للجثث، مرصوصة “مِتْل الطوب … ومِتل البهايم”، الأجساد الدينكاوية المحروقة، والجماجم المحطمة، والأشلاء المقطعة مبعثرة في كل مكان. أكثر من ألف وخمسمائة قتيلا في محطة السكة الحديد، وخمسمائة قتيلا في بقية أرجاء المدينة. رائحة اللحوم البشرية المشوية متمسِّكةٌ بأهوية المدينة.
فكيف الخلاص وفي أيديولوجيا الرزيقات أن الجنوبي قذر، ونجس؟ كيف يكون لمس جثته تأتي بتعقيداتها في مخيلة الرزيقي؟ فما كان ممكنا دفن الجثث بطريقة تحترم كرامة الضحايا أو ديانة أهلهم وثقافتهم ومشاعرهم، حتى الدينكا المسلمين ما كان ليدور في الخيال الرزيقي مجرد تصور غسلهم أو الصلاة عليهم أو دفنهم في مقابر العرب المسلمين.
سراعا، تخلص الرزيقات من الألف وخمسمائة جثة في محطة السكة الحديد، بإخفائها في حفر في المنطقة شمال المحطة مباشرة. وتخلصوا من الخمسمائة جثة من مسارح الجريمة الأخرى بعدة وسائل، حرقوا منها ما حرقوه، ودفنوا البقايا المُمَزَّعة في حفر، وجَرُّوا بعض الجثث على الأرض قذفوا بها في الخلاء خارج المدينة، وألقوا البقية في المراحيض العامة في مدينةالضعين..

سلسلة حلقات عن الافروعمومية الحلقة الاولى: فك القيود – بدايات الافروعمومية


سلسلة حلقات عن الافروعمومية الحلقة الاولى: فك القيود – بدايات الافروعمومية

23/02/2020FacebookFacebook MessengerTwitterWhatsAppTelegram

 يذهب قصي همرور إلى  الاشارة للصعوبات التي تواجه دائماً  التعريف بالبدايات الاولى للحركات الاجتماعية من خلال واقعة تاريخية معينة بعتبارها نقطة انطلاقة  انما يري أن ذلك يرتبط بسلسلة من الاحداث والافكار المتفرقة حول قضايا معينة، لكننا بالطبع نستطيع وصف البدايات الاولى للحركة  الافروعمومية بالتزامن مع التجربة المشتركة الناتجة عن ” الاضهاد، الغزو، الاستعمار” لقارة افريقيا ثم تجربة الاسترقاق عبر المحيط الاطلنطي.

فقد قاد تشابه التجربة بين هولاء الشعوب الذين خاضوا تجربة الاسترقاق  إلى توحيد مشاعرهم والالتفاف حول مناهضة العبودية واظاهر أشكال من المقاومة توكد القواسم المشتركة كما تدفعهم للعمل سويا للتخلص من المستعمر الاروبي. 

 بالأضاف إلى  ” أن الحنين إلى القارة  الام لم يتخذ شكل اومكان محدد بالنسبة للمسترقين انما اخذ رمزية الارض  كتوصيف لاوطانهم وهي الواقعة على طول القارة الافريقية كامله “. ربما في البدايات كان يعرف المسترقين ذواتهم بناءاً على المناطق، او القبائل.. القادميين منها، لكن تلك الهويات الضيقة لم تستمر سرعان ما تلاشت بفعل عاملين  هما التجربة والمصير المشتركان في مواجهة الاستعمار الاروبي. 

وهنالك العديد من الايضاحات والشواهد التاريخية التي توكد أن الكفاح ضد الاسترقاق قد بدء مبكرا ضد المستعمر الاروبي.  كل تلك المطامح، والمشاعر سرعان ما بدات في اخذ منحى اكثر جدية لتتحول إلى منظومة من الأفكار  عندما تعرف الافارقة على أدوات التواصل واللمام باساليب الكتابة والقراءة بالاضافة إلى اقوي العوامل وقتها الكفاح والتمرد

يري همرور أن البدايات الاولي للحركة الافروعمومية  والتطبيقات العملية لها يمكن أن نجدها ذات صلة بـ” ثورة  هايتي (1791-1804)في بداية القرن التاسع عشر وتتمييز ثورة هايتي  لأسباب عديدة ليست فقط باعتبارها ثورة أغلبية مسترقيين من ذوي أصول أفريقيا فقط، بل لانها اول ثورة ناجحة ضد الاستعمار الاروبي في التاريخ المعاصر،  وللمفارقة لم يقم المسترقين باعادة تجربة الأسترقاق على الاروبيين انما وقفوا ضد الاسترقاق مع الاحتفاظ بسجناء الحرب في كفاحهم ضد المستعمر.

و لاحقاً أصبحت اول دولة يحرم فيها الرق مع ترسيخ مبداء المساواة بين جميع البشر، وبذلك اصبح تحريم امتلك البشر للبشر قانون يسري في البلد وهو ما يعرف اليوم بمنظومة حقوق الانسان

يقول قصي ” أن الاستفادة من الحماس المعرفي لتطابق بواكير الحركة الافروعمومية  بالاستناد على ثورة هايتي مهمه جداً للحركة الافروعمومية في أيضاح المعالم الاولى لبدايات تشكل الحركة وبروزها” بعتبارها احدى التحولات العظيمة في التاريخ البشري وان لم تجد حظها من التوثيق والبحث بشمول .

ثم بدات بعض الكتابات والشخصيات من ذوي  القدرات العالية  علي التعبير  في الظهور منهم “إدورد بليدن”  1832 – 1912 الذي يطلق عليه لقب ابو الافروعمومية وهو من أصول غرب افريقية ينحدر من قبائل “الايبو” ولد بمنطقة الكاريبي ثم هاجر إلى “ليبيريا” عندما كانت معدة الاستقبال الافارقة العائدون من الشتات وقتها فكان “بليدن” احد الاوائل الذين قدموا إلى ليبيريا. ثم بدء كتاباته حول الشخصية الافريقية  بالتركيز على عاملي التاريخ والحضارة بعتبارهما جوهريين في تشكيل وفهم الشخصية الافريقية كوحدة متكاملة. كما انه من اوائل الاصوات الدعاية إلى الوحدة الافريقية. والتي جاءت  كرد فعل  لسياسات الاضطهاد والتمييز العنصري التي عانى منها الأفارقة في أوروبا وأمريكا.

وقد مضت معظم الكتابات في ذلك التوقيت إلى ذات الاتجاه الذي ذهب اليه “بليدون” فقد انصب معظم جهودهم الاولى حول تثبيت الكينونة الافريقية  لاستشراف عهد جديد يعرف فيه الانسان الافريقي خارج قوالب الاستعمار، وتاكيد انتزاع حق المساواة والتمييز الحضاري…!

الخلاص نستطيع القول أن البدايات الاولي للحركة الافروعمومية أرتبطت  بثورة هايتي والثورات اللاحقة لها، كما يعد “أدورد بليدن” من اوائل الكتاب الذين اساهموا في بروزالافروعمومية كحركة اجتماعية. 

سلسلة حلقات عن الافروعمومية – مرحلة الانتقال من أفكار الي حركة

01/03/2020FacebookFacebook MessengerTwitterWhatsAppTelegram

  خلال الحلقة الثانية  من سلسلة حلقات عن الافروعمومية نحاول تتبع تاريخ الحركة الافروعمومية Pan-Africanism واستبيان المراحل الاولى للانتقال من أفكار إلى حركة بغرض وضع أطار تاريخي  لذكر مصطلح الافروعمومية وتداوله والذي يتناول فيه (همرور) من خلال شبكة عاين الحديث عن اول  مؤتمر أفروعمومي في العام 1900م الذي أقيم في لندن و قد ضم المؤتمر العديد من افارقى الشتات والقارة رجال ونساء وبدوا الحديث جدياً عن تقرير المصير الافريقي. كما ناقش قضايا منهاضة العبودية والاستعمار  باعتبارهما يعتمدان على  التصنيفات السلبية والقائمة على أساس العرق وبذلك تضهد قيم الشعوب الإفريقية.  

أدت هذه المعتقدات التدميرية بدورها كما يرون إلى توليد أشكال مضاعفة من العنصرية، والتي حاول الافارقة مناهضتها عبر مفهوم سياسي أوسع، بالتاكيد على ان جذور الوحدة الأفريقية تكمن في التجارب الجماعية للمنحدرين من أصل أفريقي في العالم الجديد. والذين ارتبطت تجاربهم بحملات الاسترقاق عبر المحيط الاطلنطي تاريخيا كما اشرنا في الحلقة السابقة

دعوة لحضور المؤتمر الإفريقي الأول لعام 1900

مؤتمر لندن ١٩٠٠م

في عام 1897، قام هنري سيلفستر وليامز، المحامي والكاتب في ترينيدادان لندن، بتأسيس الرابطة الإفريقية وكانت الجمعية بمثابة أساس لتثقيف نشطاء الشتات الأفريقي حول القضايا التي تؤثر على أفريقيا والحاجة إلى تحرير القارة وأدى نجاح الجمعية إلى تطوير الحركة الإفريقية .

وفى ذلك يشير( قصي) فى معرض حديثه عن مؤتمر لندن1900م، وبدايات ظهور مصطلح الافروعمومية أو ما يعدلها الـPan-Africanism إلى أنه سبق ذلك ظهور الكثير من الشخصيات ذوي التوجه الافروعمومي خصوصاً من الناحية الادبية، و أيضاً تصاعد الخطاب السياسي  المطالب بتحسين أوضاع الافارقة في المهجر وتحرر الافارقة في القارة، قد ساعد علي استنهاض المثقافين  للاهتمام بقضايا التنمية والتحرر لشعوبهم.

في  23 يوليو 1900 من ذات العام نجحت الرابطة الأفريقية في جمع  مجتمع كبير من عموم إفريقيا في الشتات. و عُقد أول مؤتمر لعموم أفريقيا في لندن. جمع الحدث الذي استمر ثلاثة أيام ثلاثين قائدًا وناشطًا من مختلف أنحاء إفريقيا وإنجلترا وأمريكا وجزر الهند الغربية، وكان بمثابة أرضية مشتركة لبدء الحديث حول إفريقيا ومستقبلها. ومن هذا المؤتمربدأ الاستخدام الواسع لكلمة الافروعمومية، تتخذ مسارها وأهدافها الخاصة في إفريقيا. كما ركز المؤتمر على بناء الحركة الافروعمومية. و كان من ابرز اهداف المؤتمر تأمين الحقوق المدنية والسياسية؛ وتعزيز العلاقات الودية بين شعوب العالم؛ بالاضافة الى تشجيع الشعوب الأفريقية في التعليم والصناعة والأعمال؛ و الضغط على الحكومات نيابة عن الشعوب الأفريقية لتحسين اوضاعهم  في إفريقيا وأمريكا والإمبراطورية البريطانية وأجزاء أخرى من العالم.

 ومن ابرز المشاركين في المؤتمر (وليم دي بويز) W.E.B. Du Bois  الذي يعتبر من الجيل الاول للافروعموميين، وقد لعب (دي بويز) دوراً رائداً في صياغة الخطابالذي  وجهه المؤتمر إلى أوروبا انذاك والذي يدعوى فيه لمناهضة العنصرية ومنح المستعمرات في إفريقيا وجزر الهند الغربية الحق في الحكم الذاتي. ومن ابرز المطالب التى خرج بها المؤتمر الدعوة لصياغة قانون للحماية الدولية لسكان إفريقيا، والإشراف على المستعمرات من قبل عصبة الأمم لمنع الاستغلال الاقتصادي.بعد انتهاء المؤتمر، أنشأ وليامز فروعًا لرابطة عموم إفريقيا في جامايكا وترينيداد والولايات المتحدة الأمريكية. كما أطلق أيضًا مجلة، The Pan-African، في أكتوبر 1901. 

استمرت المؤتمرات الإفروعمومية حتى أكتوبر 1945 وكان العديد من النشطاء الأفارقة الذين يناضلون من أجل الاستقلال على اتصال جيد مع الناشطين في الشتات. و تحت شعار المؤتمر الإفريقي ، عُقدت بعد ذلك سلسلة من الاجتماعات – في 1919 في باريس، 1921 في لندن، 1923 في لندن،1927 في مدينة نيويورك،1945 في مانشستر،1974 في دار السلام، و 1994 في كمبالا – والتي كانت تهدف إلى معالجة القضايا التي تواجه أفريقيا نتيجة الاستعمار الأوروبي. فقد شهد اجتماع المؤتمر الخامس في أكتوبر 1945 حضور كوامي نكروما، والذي اصبح لاحقاُ رئيس لغانا بعد حصولها على الاستقلال من البريطانيين بنجاح في عام 1957، أي بعد 12 عامًا. 

 رمز الاستقلال الافريقي (اثيوبيا)

كان الغزو الايطالي لاثيوبيا في العام 1935م والذي تزامن مع كفاح الافارقة في الشتات من أجل الانعتاق ونيل حريتهم نقطة تحول بارزة في الانتقال بأهداف الحركة إلى داخل القارة والدعوة إلى الوحدة الافريقية فقد كان يعلم الافارقة  في الولايات المتحدةومنطقة البحر الكاريبي  بالفعل أن إثيوبيا هي الدولة الوحيدة التي قاومت بنجاح التدافع  الأوروبي و هزيمة الجيش الإيطالي  منذ 1896. 

 ويشير قصي ان “اثيوبيا كانت تمثل رمز الاستقلال  لدي الافارقة بعتبارها الدولة الوحيدة التي لم يستطيع الاستعمار الاروبي السيطرة عليها”. وقد عرفوا  إثيوبيا كدولة أفريقية تاريخياً ظلت مستقلة باستثناء الاحتلال الإيطالي 1936-1941، الأمر الذي أثار احتجاجات قوية. ثم توحدة الجهود الافروعمومية  لاحقاً بالرغم من مدارسها المختلفة في ذلك التوقيت حول قضية اثيوبيا ولم يستمر الاحتلال طويلاً في مواجهة  كفاح اثيوبيا  ضد ايطاليا.

خاص: سلسلة حلقات عن الافروعمومية – مرحلة الانتقال من أفكار الي حركة

ثم بدات تنتقل راية الافروعموميين من الشتات إلى القارة بالتزامن مع ظهور حركات التحرر الافريقية ضد الاستعمار. وبحلول عام 1963، تم تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية في عهد ما يعرفون بالجيل الثاني للافروعموميين. في أديس أبابا في 25 مايو 1963م بتوقيع ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية  تتويجا لسنوات من الجهود التي بذلها القادة الأفارقة، حيث لعب كل من الرئيس كوامي نكروما رئيس غانا والإمبراطور هيلا سيلاسي من إثيوبيا أدوارا بارزة في تجقيق ذلك، وهم ضمن ما يعرفون  بالجيل الثاني من الافروعموميين وقد تراس معظمهم دولته في تواريخ  لاحقة، مثل ” كوامي نكروما، جوليوس جريري، جوما كينيتا”. و خلال هذه  الفترة بدات الافكار الافروعمومية تنتشر مرتكزة على حركات التحرير الافريقي داخل القارة وسرعان ما بدأ الحديث عن الافروعمومية اكثر تركيزاً يبحث جوهرياًعن مفاهيم بناء الدولة الافريقية.

*موسيقي الحلقات  – Genuine Mezziga Band

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ