فليكس دارفور السودانى مؤسس الافريقانية

كتب عبدالجليل عبد الحليم ما يلى عن سيرة البطل فليكس دارفور. وهذا فليكس دارفور الرجل الذي ظل زماناً يطاردني وأنا أهرب منه … فليكس دارفور ليس رقيقاً بل كان أكثر الأحرار ثوريةً … كان حراً وكان مفكراً … هذا الرجل الذي لم يختار لذا لم يصبر … فراح شهيداً من أجل الكلمة والحقيقة … تخيل شخص بهذه الجسارة بوقوفه مع الزنوج ومواقفه الواضحة أعطوه الجنسية الهايتية لذلك … وحينما تسلم الحكومة الملونين تغيرت سياساتهم تجاه الزنوج فقاد حملة كبيرة ضدهم … كتب مذكرة إحتجاج … حاكموه … أرجو أن تلاحظوا أنهم أعدموه رمياً بالرصاص وفيه خصوصية في العرف العسكري الرمي بالرصاص أرفع موت … إن أردت أن تكرم عسكرياً تود قتله فأرمه بالرصاص فذلك تكريم له … فليكس دارفور ظهر أول ما ظهر نبوغه إبان الثورة الفرنسية … ككاتب ومفكر وأديب قدماً نماذجاً حية للكثير من الأعمال لم يصلنا منها شئ … عاصر العديد من مفكري الثورة الفرنسية … برع في المسرح والصحافة … والذين كتبوا وأرخوا لتاريخ حركة الأفريقانية وهي التمدد الحضاري الأفريقي في أمريكا اللاتينية وأوروبا ذلك الحراك الذي ينحو إلى العودة إلى الجذور وهي أفريقيا الأم (أغاني الروك وأغاني الأفارقة في الأصل كانت تحكي عن العودة) – الذين كتبوا عن تلك الحركة لا يذكرون فليكس وحينما يتحدثوا عن أول شهيد مدافع عن الزنوج في تاريخ حركة الأفريقانية يذكرون شخصاً آخر قتل عام 1830م (تقريبا)، ويطمسون تاريخ هذا الرجل فليكس … رغم أنهم لا يستطيعون نفي تأثير عدد من السودانيين في تاريخ هذه الحركة ولا تاريخ حركة أمة الأسلام في الولايات المتحدة الأمريكية أمثال محمد علي دوسة أو حسون السوداني (كان له تأثير كبير على مالكوم إكس)… المهم أن فليكس دارفور واحدة من الشخصيات السودانية المغمورة … وحينما كتبت (ببليوغرافيا الصحافة السودانية عام 1999م قررت أن أبعد فليكس لأكتب عنه شيئاً منفصلاً تجربة جديرة بالدراسة والتمعن … لذلك جاء إهدائي الكتاب له ولأولئك الذين فتحوا الطريق أمام الصحافة السودانية … أولاً أعتذر عن عدم تمكني من إيراد كثير من المعلومات لأنني حالياً خارج السودان لكن على وعد أن أرتب لذلك الأمر حتى تعم الفائدة …
وفى سرد اخر يتحدث الشاعر محمد الفيتورى عن سيرة البطل فليكس دارفور حيث يقول من هو هذا الرجل الذي يدعى فليكس؟ هو رجل عانى العبودية حتى تحرر وانطلق الى الفضاء الرحيبب.. فضاء الحرية له ولكل الاخرين من انحاء كل العالم. من هو فيلكس دارفور الذي يكتب عنه كاتبنا الكبير محمد الفيتوري هنا؟ يكتب الفيتوري دونما تعصب او اشفاق بل هو يكتب انصافاً لذلك المناضل السوداني الضائع النسب في اوراق التاريخ.. وفيلكس هو احد ابناء الوطن المفترى عليه الذي يتعرض هذه الايام لهجمة استعمارية شرسة. ولا شك انها فرصة سانحة في ضوء هذه الكلمة التي كتبها شاعرنا الكبير محمد الفيتوري ان نطلب من «الرأي العام» ان تعمل مع الجهات المختصة على اطلاق اسمه على احد الشوارع بالخرطوم او تخصيص قاعة في احدى الجامعات لدراسة سيرته حيث نولي هذا الرجل الاهتمام اللائق به خاصة ونحن على مشارف الخرطوم عاصمة ثقافية.. وهذا ما يساعد المختصين في جمع المعلومات عن السيرة الذاتية لهذا الرجل العظيم فتصبح سيرته نبراساً يهدى الى الطريق القويم. فيلكس دارفور * منذ قرابة مائتي عام او اكثر قليلاً تلاشت آثاره ولم يعد احد يذكره بين افارقة الابداع الادبي والنضال الفكري والمعاناة الانسانية القاسية التي كابدها اولئك الرواد الخالدون وهذا ما دفعني منذ تصادف ان قرأت اسمه الى تقصي اسباب تجاهله واشعل في روحه بمنأى عن مشاعر التعصب القبلي او حتى القومي نار الرغبة في المعرفة والحرص على اكتشاف وتبيان الحقيقة وراء كل ذلك. * ومنذ ذلك الحين وانا ماض في التساؤل مع نفسي ترى لماذا يحدث مثل هذا التجاهل لمثل هذا الانسان بالذات انهم وهذا من النادر يذكرون اسمه عبوراً ولا يقفون عن صنوف العذابات التي قاساها والتضحيات التي قدمها ـ راضياً او مكرهاً ـ رفضاً لكافة مظاهر واساليب العبودية والعمل على تحرير الانسان الاسود ومحو وصمة التخلف عن تاريخه والارتقاء به الى المستوى الحضاري والاجتماعي اللائق. الذي هو ابسط حقوقه رغم سيادة عصور القهر والاستبداد والطغيان. بلى ان العديد من المؤرخين والباحثين والمتسكعين اخيراً على ابواب القارة الافريقية الا القليلين منهم احتقروا مجرد ذكر اسمه وتشاغلوا بمن هم اقل منه عطاءً واهمية متجاوزين تلك الرؤى والتجارب والصراعات المهينة والقاسية التي انعكست صورها وحقائقها وتأثيراتها على حياته وحياة كل اولئك الذين اتوا من بعده التي تجسدت بدورها في ذلك المصطلح السياسي الايدولوجي الجغرافي الثقافي واعني به مصطلح «NEGRETYD» الذي طالما تعمدت به افواه واقلام النقاد والباحثين محليين وعالميين منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين. * ترى ما هي هذه الاسباب الخفية وراء هذا التجاهل المتعمد بينما تزدحم كتاباتهم وافواههم باسماء ايمى سيزار وليو بولد سنغور وديفيد بولس وليون داماس واخرين من هنا او هناك. وابادر مستدركاً ان ليس في مقدور احد مهما يكن انكار اهمية هذا او ذاك من كبار المبدعين الافارقة لكني اعود واتساءل: هل مرجع هذا التجاهل الى نشوء ما اصطلح على تسميته خلال القرن التاسع عشر بالعنصرية العلمية التي تقوم اساساً على اعتبار التفوق هبة الهية اختص بها الابيض على ما عداه من الوان البشر. * او ربما يعود ذلك الى حالتي الغموض والالتباس اللتين تحيطان بجوهر شخصيته من حيث الديانة المتوارثة والدم الخالص والانتماء الافريقي.. هل هو مسيحي ام مسلم؟ هل هو زنجي خالص ام مهجن؟ هل هو سوداني عربي او سوداني زنجي؟ ولربما تكون الظروف السياسية المستجدة في دارفور تسمح لنا بان نتعرف على واحد من ابنائها العظام الضائعين.. * ان اسمه فليكس دارفور«!» بلى هذا هو الاسم الذي حفره على جبينه ذلك الجنرال الذي اشتراه او ربما اهداه احد النخاسين اليه ولعدم معرفته باسمه الحقيق وذوبان قبيلته بين القبائل آثر الاكتفاء بنسبته الى الاقليم الغربي من المستعمرة البريطانية الفرنسية السابقة.. منطقة دارفور بالسودان حيث جرى اختطافه صغيراً والانزواء به بعيداً عن اهله في دارفور ومن ثم حشره ضمن شحنات العبيد عبر درب الاربعين والهروب به الى مصر التي كانت خاضعة بدورها للنظام النابليوني الفرنسي وقتذاك «1798 ـ 1801م». * وهكذا وجد الطفل فليكس دارفور نفسه ضمن مقتنيات احد معاوني الحاكم الفرنسي وهو الجنرال اردوان ذي الاصل الكاريبي ولربما كان من حسن حظ فليكس انه صار قريباً من هذا الرجل الذي تسري في عروقه بعض الدماء الزنجية من ما جعله يتعاطف معه ويرمقه بعينين حانيتين جعلتاه يقرر اعادة حريته الكاملة اليه واعتاقه من ربقة العبودية ثم اصطحابه معه عند عودته الى باريس اثر انتهاء الحملة الفرنسية وهناك ازداد شغفاً به واهتماماً بوضعه الانساني فاتاح له فرصة التعلم والشعور بالثقة والاندماج في الحياة الاجتماعية المتاحة لامثاله حينذاك. * لعلني استطردت بعض الشئ في محاولة التعرف على شخصية ابن دارفور الذي تجاهله المؤرخون ولا شك انه ليس وحده الذي يجابه بهذه الحقيقة المؤلمة. * قبل ان ادعو الى انصافه باعتباره رمزاً من رموز السودان.. * ارى من واجبي ان اضع تحت اعيننا هذه النقاط المستقاة من تاريخه منذ ان عرف طريق الحرية والانعتاق.. * من ما لا شك فيه ان حركة التحرر الافريقية من مظاهر واشكال العبودية كافة لم يكن لها ان تقوم وتنتصر وان تتوج جهودها بالغاء عصر النخاسة البغيض لولا تضافر مجموعات عديدة من الشخصيات الفردية والجماعية المتناثرة هنا وهناك وبخاصة في زوايا ومنعطفات القرنين التاسع عشر والعشرين. «ان افريقيا ليست لغير العرق الافريقي وحكمها لا ينبغي ان يكون الا لابنائها السود». * تلك المقولة الصاعقة هي التي ازدهرت وتبلورت في عيني فليكس وفي جسده وروحه خلال تواجده العملي وتحركاته المتفاعلة المستمرة ما بين متاحف ومعارض ومظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية الفرنسية وبخاصة تلك التغيرات الجوهرية التي اجتاحتها عقب الثورة الفرنسية ولذلك كان لا بد له من التفكير بحثاً عن نقطة ضوء افريقية يستطيع من خلالها التفاعل الايجابي والخلاق مع تاريخ امته وبلاده التي حلم بها وماضيه الذي لم يزل يعيشه ويتحرك في ظلاله ونواحيه.. وكانت «هايتي» التي علم باستقلالها كجمهورية للسود الافارقة المحررين «1804م» هي نقطة الضوء التي ابصر في نهاياتها مستقبل ايامه فقرر مغادرة باريس متوجهاً اليها حاملاً كل ما اكتسبه من معارف وتجارب وخبرات في مختلف الحقول الفنية والادبية والاعلامية وفي هايتي اكتشف فليكس ان من حقه قانونياً كمواطن افريقي الحصول على جنسيتها بعد عام واحد من استقراره. وهكذا بدأت الرحلة الاخيرة والنهائية من حياته.. استثمر موهبته الثقافية وخبرته الفنية في مجال العمل الصحفي والاعلامي مدفوعاً بتطلعاته وطموحاته الشخصية في نقل افكاره الثورية عن معاني الحرية وتعميق مثله العليا في نفوس الاخرين من جماهير الجزيرة السوداء الكادحة فاصدر عدداً من الصحف الوطنية قام ولعدة سنين بتحريرها وكتابتها وطباعتها وتوزيعها بمجهوده الفردى المتواصل الامر الذي اثقل كاهله فلم يتمكن من مواصلته طويلاً ووجد نفسه مضطراً الى الاشتغال بالمحاماة تارة وبالهندسة المعمارية تارة اخرى وكان في كافة توجهاته الحركية والساكنة صوتاً مدوياً مدافعاً عن الغالبية العظمى من سكان الجزيرة السوداء مطالباً بترقية احوالهم والاصغاء الى فقرائهم ومعوزيهم والنهوض بهم معيشياً وتعليمياً ومنحهم حقوقهم في الحرية والعدل والمساواة. * ولم يطل به المقام طويلاً.. بعدما امعن في الاحتكاك والملامسة الجريئة ضد عناصر السلطة الحاكمة والمكونة من البيض والمهجنين والملونين الذين رأوا في وجوده بينهم خطراً داهماً تجب ازالته قبل استفحاله. * وهكذا انفجرت في وجهه تلك القنبلة الزمنية التي كانوا يختزنونها للتخلص منه عام 1822م اذ تواطأت الاحقاد والعنصرية والمصالح الشخصية والقوى السلطوية ضد هذا النموذج الثوري بينهم وصدر الحكم عليه دونما سابق انذار بالاعدام رمياً بالرصاص!.
وفى سرد اخر يحدثنا الأستاذ عبد الهادي الصديق في كتابه (السودان والأفريقانية) ص 114 وما بعدهاإسمه فليكس دارفور.. يقول عنه “روبير كورنيفان” (Robert Cornevin) في كتابه أدب أفريقيا السوداء المكتوب باللغة الفرنسية … أو (الأدب الأفريقي الفرانكفوني): إن الأدب الأفريقي المكتوب باللغة الفرنسية لم يظهر أول مرة في كتابات رواد مدرسة الزنوجة (Negritude) فيما بعد الحرب العالمية الثانية، من أمثال (ايمي سيزار) و (ليوبولد سيدار سنغور)، كما كان يعتقد الكثيرون. ويقول: “إنه من الناحية التاريخية فإن أول أديب أفريقي – مولود داخل أفريقيا – كتب أدباً باللغة الفرنسية هو سوداني يدعى “فليكس دارفور””، وليس الجديد في الأمر أن فليكس دارفور يعتبر بذلك أول أديب فرانكفوني من الناحية التاريخية وأول رائد من رواد حركة (الزنوجة) (Negritude) الدائرة في فلك حركة الأفريقانية فحسب، بل إن الأهم من ذلك كله أن السوداني (فليكس دارفور) كان أول شهيد من شهداء حركة الزنوجة والأفريقانية، إذ تم إعدامه رمياً بالرصاص في الثاني من سبتمبر 1822م في جزيرة هاييتي النائية، وقد دفع فليكس دارفور حياته ثمناً لأفكاره السياسية المؤيدة للمضطهدين من الزنوج في وجه الطبقة الحاكمة من كبار ملاك الأراضي البيض والملونين. فمن أين جاء هذا السوداني بإسم فليكس؟؟؟ لقد كان إسم فليكس من الأسماء الشائعة في فرنسا في القرن التاسع عشر، ولقد شاع إستخدام هذا الإسم في المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا، خاصة في تشاد وأفريقيا الوسطى، ونطقة دارفور المتاخمة لهما … وأحتفظ فليكس “دارفور” بإسم الإقليم الذي جاء منه، وفليكس في حقيقة الأمر هو الإسم الذي أطلقه عليه الجنرال الفرنسي “أردون” (Ardouin) الذي تبناه أول مرة، وربما يخطر على بالنا جميعاً أن (فليكس) ربما كان قد تنصر، إذ لابد أن يكون له إسم آخر، يدل على هويته واصله، ولكننا ما أن نقرأ في سيرة أحد رفاقه وهو صحفي من اصل جزائري أطلق عليه إسم بانيه (Panet) هو الآخر، حتى ندرك سر هذه التسمية، فلقد كانت من ممارسات الإستعمار الثقافي الفرنسي وفي إطار سياسة الاستيعاب (Assimilation) تجريد المواطن الأفريقي من إسمه الأصلي وإسباغ إسم فرنسي عليه، كما حدث في الجزائر حيث يجردون المواطن من إسمه العربي الإسلامي ويكتفون بإطلاق صفة عليه لتحل مكان إسم عائلته ونسبه وقبيلته، خاصة إذا ما كانت مرتبطة بالشرق العربي والإسلامي مثل بوسكين … بوسته … بومعزة … بوراس … الخ. وإذ نعود إلى قصة الصحفي الجزائري (بانيه) فهو مثله مثل فليكس دارفور قد أخذ من عائلته عنوة وهو طفل بواسطة أحد الجنرالات الفرنسيين ويدعى “أتيان” (Ettienne) فوجد نفسه في فرنسا وقد أطلق عليه إسم “بانيه” ثم أبل عندما شب عن الطوق بأنه من أصل سينغالي. وعندما أدركت الجنرال الوفاة أعترف للصبي بأنه أخفى عنه كل هذه الحقائق، وأنه يأسف إذ لا يستطيع إعادته إلى أهله وعشيرته وجاء الجنرال بصندوق خشبي قديم أخرج منه ورقة كتب عليها الإسم الحقيقي لعائلة الصبي ومكان وجود عشيرته في الجزائر، وأدرك (بانيه) أو عبد السلام أنه ولد بالجزائر من عائلة مسلمة. ويقول عبدالهادى الصديق(ولا شك أن تلك هي قصة فليكس دارفور نفسها، الذي أخذه الجنرال “أردون” إلى فرنسا، وفي فرنسا انهمك “فليكس” في البحث عن المعرفة بدلاً من البحث عن أصوله، التي انقطع عنها انقطاعاً تاماً، وأثناء دراسته في فرنسا تفجرت مواهبة المتعددة في المجالات العلمية والصحفية والأدبية، كما ظهرت اهتماماته الفكرية والسياسية حيث أبدى اهتماماً مبكراً بقضية الانسان الأسود في أفريقيا والعالم، ولسنا حتى الآن في وضع يمكننا من تحديد التوجهات الفكرية والأيديولوجية لفليكس دارفور، إذ أننا لم نطلع حتى على تراثه المكتوب، وربما حاولنا ذلك في المستقبل، أو حاول غيرنا، ولكن من المؤكد لنا أنه قد تأثر تأثراً مباشراً بتيارات التغيير الفكري، والدستوري والسياسي، التي هبت مع رياح الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر، وشعاراتها التي تنادي بالحرية والمساواة، والأخاء بين أبناء الجنس البشري، رغم إختلاف العرق واللون، ووسط أجواء الحريات بما فيها حرية التعبير تفتقت مواهب “فليكس دارفور” ككاتب وكصحفي أعترف به كبار أدباء وكتاب فرنسا أنذاك. وفي غمرة إهتماماته بقضية الإنسان الأسود كانت جمهورية هاييتي قد برزت إلى الوجود كأول دولة سوداء تنال حريتها، وكان ذلك في عام 1804م أي في أعقاب ثورة العبيد الكبرى التي قامت في الجزيرة عام 1801م وقد آل فليكس دارفور على نفسه أن يشد الرحال إلى هذه الجمهورية الوليدة ليساهم من داخلها في مهمة استكمال تحرير الإنسان الأسود في سائر أنحاء العالم، وقد اختار فليكس دارفور الذهاب إلى هاييتي لكونها أيضاً أول منطقة في الدنيا الجديدة قام البرتغاليون بنقل الزنوج إليها من الشواطئ الأفريقية عام 1505م. وبالفعل غادر فليكس ميناء “الهافر” الفرنسي عام 1818م على متن السفينة “Levielle” قاصداً ميناء أوبرانس وفي هاييتي منحه حاكمها عملاً فور وصوله، كما قدمت له التسهيلات لإصدار صحيفة “المستنير الهاييتي” مما يدل على مكانة فليكس الفكرية والسياسية، كما منحه الحاكم فيما بعد الجنسية وفق المادة (44) من الدستور الذي يقضي بمنح الجنسية لكل أفريقي قضى في البلاد أكثر من عام. ويعتبر وصول فليكس دارفور من دارفور (السودان) في قلب أفريقيا، إلى جزر الكاريبي في عام 1818م أول مؤشرات تضامن أفارقة القارة مع أفارقة الدنيا الجديدة “أفارقة الشتات” إلى أفارقة القارة الأم، بإعتبار أن حركة الأفريقانية قد نشأت خارج أفريقيا. لقد ظهر السوداني (فليكس دارفور) في هاييتي قبل أن يظهر (سلفستر وليامز) في تراينداد، وقبل أن يظهر (ماركوس غارفي) في جامايكا، وقد أستشهد دارفور من أجل قضية الإنسان الأسود في عام 1822م قبل أن يسقط (ديفيد وولكر) (David Walker) مسموماً في عام 1830م، وهو الذي يعتبره أفارقة أمريكا أول شهيد في حركة الأفريقانية
فليكس دارفور…….ذاكرة تاريخية عصية على النسيان
الغوص فى اعماق التاريخ يفضى بنا الى إستشراق المستقبل ومعرفة الذات…وكم هو محزن ان لا نتعرف على تاريخ الشعوب والقبائل والشخوص الذين شكلوا معالم السودان, ثقافيا وفكريا وسياسيا. كانت تلك هى لحظة الإنس مع الصديق ياسر محمود بن أم درمان والتى قلما يجود به بها سودان اليوم وذلك بفعل الجرى وراء لقمة العيش التى صارت الشغل الشاغل وحلت محل القراءة والإطلاع فى دولة تدعى إمتلاك مشروع حضارى يبتغى التفوق على العالم أجمعه كما كنا نسمع على الإذاعة والتلفاز الحضارى جداا. وياسر هذا لديه شغف لمعرفة الأمكنة والشخوص الذين تركوا بصمات واضحة فى حيواتنا.
كان الحديث حول الشخوص الذين ساهموا وبشكل متميز فى تشكيل
وعينا ووجدانا سواء كانوا فى مجال الفن او الرواية او القصة او على الصعيد السياسى والفكرى, ولكن تم إقصائهم مع سبق الإصرار والترصد, بل منهم من لم يذكره التاريخ المدرسى بشر او خير…بل حتى أن هنالك تاريخ لممالك وحضارات بكاملها لم تفرد لها مكانة فى المنهج الدراسى ولا حتى الإعلامى المرئى او المقروء لم يكن من ضمن خططه ( هذا إن كانت هنالك خطط ودراسات). وكم كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان محقة عندما طالبت بإعادة كتابة التاريخ… وكم كانت الناطق بإسمها قبيل ( الكارثة الكبرى) ياسر عرمان حينما قال: ( الإنتقاص من تاريخ السودان يعنى الإنتقاص من جغرافيته) وكم كان محقا!! وهو ماحصل فى نهاية المطاف…فدخول العرب الى السودان لم يكن وسوف لن يكون هو سدرة المنتهى.
من هو فليكس دارفور الذى لم تشير إليه كتب التاريخ, قديمها وحديثها؟ وبالطبع التاريخ دائما ما يكتبه المنتصر أو الفئات ذات اليد الطولى والمسيطرة سياسيا وأقتصاديا. البحث عن رجل مثل فيلكس بن درافور مهمة شاقة وذلك لقلة ماكتب عن الرجل الذى فى مقدمة الصفوف من أجل الدفاع عن المهمشون والجوعى والحزانى فى تلك الجزيرة وكأنما به على موعد مع التاريخ. يقول عنه القامة السامقة محمد الفيتورى فى مقال له بعنوان: ( فليكس دارفور) الأتى: ( هذا هو الاسم البديل, القناع المزوق الذى نسجته الأقدار حول وجهه …والذى أخذ صورته ومعناه داخل دائرة التاريخ…وليس عندى أدنى شك, بأن اسمه المجهول ذلك الذى أسقطته سنوات العبودية وعذابات المنافى البعيدة, أنما كان رمزا حيا ومتفاعلا مع أحداث عصره نظرا لما كان يرتكز عليه من إيقاع دام, وإيحاء غامض, وأبعاد إجتماعية وإنسانية لا يمكن تصورها….هل كان إسمه الحقيقى ..ماكاى..أوغر.. أو عرمان, أو ربما تام تام؟ أنتهى الإقتباس)
يبدو لى ان القدر كان على موعد مع رجل لم يركن الى ظلم الإنسان لاخيه الإنسان, وفليكس اثبت وبالدليل القاطع ان طاقات الإنسان ومقدرته على تجاوز الظروف القاسية لاتحدوها حدود… وكم هى غير إنسانية ومحطة من قدر الإنسان ان يوضع تحت قيود الذل والعبودية والتهميش.والسؤال ماهى الظروف التى شكلت وعى فليكس دارفور والتى جعلت منه إنسان عصى على النسيان… يقول الفيتورى فى ذات المقالة:( هذا هو الإسم الذى حفره على جبينه ذلك الجنرال الذى اسمه فليكس دارفور, اشتراه أو استعبده أو ربما أهداه أحد النخاسين إليه, ولعدم معرفته باسمه الحقيقى, وضياع اسم قبيلته بين القبائل, آثر الاكتفاء بنسبه إلى الإقليم الغربى من المستعمرة البريطانية الفرنسية السابقة منطقة دارفور بالسودان..حيث جرى إختطافه صغيرا والإنزواء به عن أهله فى دارفور, ومن ثم حشره ضمن شحنات العبيد عبر درب الاربعين والهروب به إلى المستعمرة المصرية التى كانت خاضعة بدورها للنظام النابليونى الفرنسى وقتذاك 1798-1801) وهكذا وجد الطفل( فيلكس دارفور) نفسه ضمن مقتنيات أحد معاونى الحاكم الفرنسى وهو الجنرال أردوان ذى الأصل الكاريبى, ولربما من حسن حظ الطفل فيلكس, انه صار قريبا من هذا الرجل الذى تسرى فى عروقه بعض الدماء الزنجية, مما جعله يتعاطف معه ويتيح له فرصة التعليم والشعور بالثقة والإندماج فى الحياة الاجتماعية المتاحة لأمثاله حينذاك. انتهى الإقتباس)
يبدو لى ان فيلكس صاحب شخصية لا تركن الى الشرط الإجتماعى القاسى الذى وجد نفسه فيه, بل سعى جاهدا الى تطوير نفسه وكيف لا وهى من منطقة ساهمت وبشكل فعال إقامة ممالك وفى وقت كانت كثير من المجتمعات لا تعرف الشكل الحديث فى التنظيم الإجتماعى والسياسى وقتذاك..يضيف الفيتورى: ( وهكذا بدأت الرحلة الأخيرة والنهائية من حياته…استثمر موهبته الثقافية وخبرته الفنية فى مجال العمل الصحفى والإعلامى مدفوعا بتطلعاته وطموحاته الشخصية فى نقل أفكاره الثورية على معانى الحرية..فأصدر عددا من الصحف الوطنية, قام ولعدة سنين بتحريرها وكتابتها وطباعتها وتوزيعها بمجهوده الفردى المتواصل, العبء الذى أثقل كاهله فلم يتمكن من مواصلته طويلا, ووجد نفسه مضطرا الى الإشتغال بمهنة المحاماة تارة وبالهندسة المعمارية تارة أخرى……….ولم يطل به المقام طويلا بعدما أمعن الإحتكاك والمعايشة والملامسة الجريئة, ضد عناصر السلطة الحاكمة والمكونة من البيض والمهجنين والملونين الذين رأوا فى وجوده خطرا عليهم يجب إزالته…. وهكذا انفجرت فى وجهه, تلك القنبلة الزمنية التى كانت يختزنونها للتخلص منه, عام 1922, إذ تواطأت الأحقاد والعنصرية والمصالح الشخصية والقوى السلطوية ضد هذا النموذج الثورى بينهم, وصدر الحكم عليه دونما سابق إنذار بالإعدام رميا بالرصاص))
وختاما, يالها من سيرة حافلة بالجسارة فى ازمنة الجوع والفقر والإذلال, ولكن فيلكس دارفور أثبت لنا جميعا ان إرادة البشر لا تحدوها حدود, وعلى رأى المثل الإنجليزى الذى يقول اينما كانت هنالك إرادة كان هنالك مخرج…والامر الآخر والمهم هو ان السودان مقبل على التشكيل والتشكل وجحافل الهامش تطرق وبشدة على ابواب المركز على الحقوق المتساوية…. وكلنا من آدم وحواء, ومتى إستعبدتم الناس ولقد ولدتهم امهاتهم احرارا.. الصيحة التى اطلقها الخليفة العادل قبل أكثر من الف عام..تتبادلها الآلسن وتظهر وبكل وضوح على كل برامج الحركات التغير والقوى الصاعدة الجديدة. وفيلكس وغيره وهم كثر يأبوا الإنتظار فى اضابير التاريخ ورفوف المكتبات…. وقد قالها مؤسس علم النفس الحديث, فرويد ان المجموعات التى تم كبتها ولزمان طويل سوف يأتى اليوم الذى فيه تنتصر لكرامتها وبشكل عنيف. وإذا اردنا ان نقيم سودان حديث او جديد علينا بالإنتصار للتاريخ…فشخصية مثل فيلكس دارفور عصية على النسيان ويجب وضعه فى المكان الذى يليق به, مع عبد اللطيف والماظ وصحبه وذلك من اجل إقامة سودان خالى من التفرقة العنصرية والإستعلاء الاجوف الذى جعل السودان فى زيل قائمة الدول الاكثر فاسدا, وهذا بالطبع لا يتأتى الا بالإعتراف بالآخر والنظر والإعتراف بالمكونات التاريخية والثقافية لهذه البلاد, وبدونها سيكون الآفق ملىء بالإنقسامات وحقا قد جاء وقت دفع الإستحقاقات الكبرى التى ينبغى على الطبقة السياسية فى الشمال وفى مركز السلطة دفعها… فالدول لا يتم بناءها على الكبت والتسلط والقهر…. فنحن نعيش فى أزمنة التلاقح الحر لإفكار ونهاية الجغرافيا.













