فليكس دارفور السودانى مؤسس الافريقانية


فليكس دارفور السودانى مؤسس الافريقانية


كتب عبدالجليل عبد الحليم ما يلى عن سيرة البطل فليكس دارفور. وهذا فليكس دارفور الرجل الذي ظل زماناً يطاردني وأنا أهرب منه … فليكس دارفور ليس رقيقاً بل كان أكثر الأحرار ثوريةً … كان حراً وكان مفكراً … هذا الرجل الذي لم يختار لذا لم يصبر … فراح شهيداً من أجل الكلمة والحقيقة … تخيل شخص بهذه الجسارة بوقوفه مع الزنوج ومواقفه الواضحة أعطوه الجنسية الهايتية لذلك … وحينما تسلم الحكومة الملونين تغيرت سياساتهم تجاه الزنوج فقاد حملة كبيرة ضدهم … كتب مذكرة إحتجاج … حاكموه … أرجو أن تلاحظوا أنهم أعدموه رمياً بالرصاص وفيه خصوصية في العرف العسكري الرمي بالرصاص أرفع موت … إن أردت أن تكرم عسكرياً تود قتله فأرمه بالرصاص فذلك تكريم له … فليكس دارفور ظهر أول ما ظهر نبوغه إبان الثورة الفرنسية … ككاتب ومفكر وأديب قدماً نماذجاً حية للكثير من الأعمال لم يصلنا منها شئ … عاصر العديد من مفكري الثورة الفرنسية … برع في المسرح والصحافة … والذين كتبوا وأرخوا لتاريخ حركة الأفريقانية وهي التمدد الحضاري الأفريقي في أمريكا اللاتينية وأوروبا ذلك الحراك الذي ينحو إلى العودة إلى الجذور وهي أفريقيا الأم (أغاني الروك وأغاني الأفارقة في الأصل كانت تحكي عن العودة) – الذين كتبوا عن تلك الحركة لا يذكرون فليكس وحينما يتحدثوا عن أول شهيد مدافع عن الزنوج في تاريخ حركة الأفريقانية يذكرون شخصاً آخر قتل عام 1830م (تقريبا)، ويطمسون تاريخ هذا الرجل فليكس … رغم أنهم لا يستطيعون نفي تأثير عدد من السودانيين في تاريخ هذه الحركة ولا تاريخ حركة أمة الأسلام في الولايات المتحدة الأمريكية أمثال محمد علي دوسة أو حسون السوداني (كان له تأثير كبير على مالكوم إكس)… المهم أن فليكس دارفور واحدة من الشخصيات السودانية المغمورة … وحينما كتبت (ببليوغرافيا الصحافة السودانية عام 1999م قررت أن أبعد فليكس لأكتب عنه شيئاً منفصلاً تجربة جديرة بالدراسة والتمعن … لذلك جاء إهدائي الكتاب له ولأولئك الذين فتحوا الطريق أمام الصحافة السودانية … أولاً أعتذر عن عدم تمكني من إيراد كثير من المعلومات لأنني حالياً خارج السودان لكن على وعد أن أرتب لذلك الأمر حتى تعم الفائدة …
وفى سرد اخر يتحدث الشاعر محمد الفيتورى عن سيرة البطل فليكس دارفور حيث يقول من هو هذا الرجل الذي يدعى فليكس؟ هو رجل عانى العبودية حتى تحرر وانطلق الى الفضاء الرحيبب.. فضاء الحرية له ولكل الاخرين من انحاء كل العالم. من هو فيلكس دارفور الذي يكتب عنه كاتبنا الكبير محمد الفيتوري هنا؟ يكتب الفيتوري دونما تعصب او اشفاق بل هو يكتب انصافاً لذلك المناضل السوداني الضائع النسب في اوراق التاريخ.. وفيلكس هو احد ابناء الوطن المفترى عليه الذي يتعرض هذه الايام لهجمة استعمارية شرسة. ولا شك انها فرصة سانحة في ضوء هذه الكلمة التي كتبها شاعرنا الكبير محمد الفيتوري ان نطلب من «الرأي العام» ان تعمل مع الجهات المختصة على اطلاق اسمه على احد الشوارع بالخرطوم او تخصيص قاعة في احدى الجامعات لدراسة سيرته حيث نولي هذا الرجل الاهتمام اللائق به خاصة ونحن على مشارف الخرطوم عاصمة ثقافية.. وهذا ما يساعد المختصين في جمع المعلومات عن السيرة الذاتية لهذا الرجل العظيم فتصبح سيرته نبراساً يهدى الى الطريق القويم. فيلكس دارفور * منذ قرابة مائتي عام او اكثر قليلاً تلاشت آثاره ولم يعد احد يذكره بين افارقة الابداع الادبي والنضال الفكري والمعاناة الانسانية القاسية التي كابدها اولئك الرواد الخالدون وهذا ما دفعني منذ تصادف ان قرأت اسمه الى تقصي اسباب تجاهله واشعل في روحه بمنأى عن مشاعر التعصب القبلي او حتى القومي نار الرغبة في المعرفة والحرص على اكتشاف وتبيان الحقيقة وراء كل ذلك. * ومنذ ذلك الحين وانا ماض في التساؤل مع نفسي ترى لماذا يحدث مثل هذا التجاهل لمثل هذا الانسان بالذات انهم وهذا من النادر يذكرون اسمه عبوراً ولا يقفون عن صنوف العذابات التي قاساها والتضحيات التي قدمها ـ راضياً او مكرهاً ـ رفضاً لكافة مظاهر واساليب العبودية والعمل على تحرير الانسان الاسود ومحو وصمة التخلف عن تاريخه والارتقاء به الى المستوى الحضاري والاجتماعي اللائق. الذي هو ابسط حقوقه رغم سيادة عصور القهر والاستبداد والطغيان. بلى ان العديد من المؤرخين والباحثين والمتسكعين اخيراً على ابواب القارة الافريقية الا القليلين منهم احتقروا مجرد ذكر اسمه وتشاغلوا بمن هم اقل منه عطاءً واهمية متجاوزين تلك الرؤى والتجارب والصراعات المهينة والقاسية التي انعكست صورها وحقائقها وتأثيراتها على حياته وحياة كل اولئك الذين اتوا من بعده التي تجسدت بدورها في ذلك المصطلح السياسي الايدولوجي الجغرافي الثقافي واعني به مصطلح «NEGRETYD» الذي طالما تعمدت به افواه واقلام النقاد والباحثين محليين وعالميين منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين. * ترى ما هي هذه الاسباب الخفية وراء هذا التجاهل المتعمد بينما تزدحم كتاباتهم وافواههم باسماء ايمى سيزار وليو بولد سنغور وديفيد بولس وليون داماس واخرين من هنا او هناك. وابادر مستدركاً ان ليس في مقدور احد مهما يكن انكار اهمية هذا او ذاك من كبار المبدعين الافارقة لكني اعود واتساءل: هل مرجع هذا التجاهل الى نشوء ما اصطلح على تسميته خلال القرن التاسع عشر بالعنصرية العلمية التي تقوم اساساً على اعتبار التفوق هبة الهية اختص بها الابيض على ما عداه من الوان البشر. * او ربما يعود ذلك الى حالتي الغموض والالتباس اللتين تحيطان بجوهر شخصيته من حيث الديانة المتوارثة والدم الخالص والانتماء الافريقي.. هل هو مسيحي ام مسلم؟ هل هو زنجي خالص ام مهجن؟ هل هو سوداني عربي او سوداني زنجي؟ ولربما تكون الظروف السياسية المستجدة في دارفور تسمح لنا بان نتعرف على واحد من ابنائها العظام الضائعين.. * ان اسمه فليكس دارفور«!» بلى هذا هو الاسم الذي حفره على جبينه ذلك الجنرال الذي اشتراه او ربما اهداه احد النخاسين اليه ولعدم معرفته باسمه الحقيق وذوبان قبيلته بين القبائل آثر الاكتفاء بنسبته الى الاقليم الغربي من المستعمرة البريطانية الفرنسية السابقة.. منطقة دارفور بالسودان حيث جرى اختطافه صغيراً والانزواء به بعيداً عن اهله في دارفور ومن ثم حشره ضمن شحنات العبيد عبر درب الاربعين والهروب به الى مصر التي كانت خاضعة بدورها للنظام النابليوني الفرنسي وقتذاك «1798 ـ 1801م». * وهكذا وجد الطفل فليكس دارفور نفسه ضمن مقتنيات احد معاوني الحاكم الفرنسي وهو الجنرال اردوان ذي الاصل الكاريبي ولربما كان من حسن حظ فليكس انه صار قريباً من هذا الرجل الذي تسري في عروقه بعض الدماء الزنجية من ما جعله يتعاطف معه ويرمقه بعينين حانيتين جعلتاه يقرر اعادة حريته الكاملة اليه واعتاقه من ربقة العبودية ثم اصطحابه معه عند عودته الى باريس اثر انتهاء الحملة الفرنسية وهناك ازداد شغفاً به واهتماماً بوضعه الانساني فاتاح له فرصة التعلم والشعور بالثقة والاندماج في الحياة الاجتماعية المتاحة لامثاله حينذاك. * لعلني استطردت بعض الشئ في محاولة التعرف على شخصية ابن دارفور الذي تجاهله المؤرخون ولا شك انه ليس وحده الذي يجابه بهذه الحقيقة المؤلمة. * قبل ان ادعو الى انصافه باعتباره رمزاً من رموز السودان.. * ارى من واجبي ان اضع تحت اعيننا هذه النقاط المستقاة من تاريخه منذ ان عرف طريق الحرية والانعتاق.. * من ما لا شك فيه ان حركة التحرر الافريقية من مظاهر واشكال العبودية كافة لم يكن لها ان تقوم وتنتصر وان تتوج جهودها بالغاء عصر النخاسة البغيض لولا تضافر مجموعات عديدة من الشخصيات الفردية والجماعية المتناثرة هنا وهناك وبخاصة في زوايا ومنعطفات القرنين التاسع عشر والعشرين. «ان افريقيا ليست لغير العرق الافريقي وحكمها لا ينبغي ان يكون الا لابنائها السود». * تلك المقولة الصاعقة هي التي ازدهرت وتبلورت في عيني فليكس وفي جسده وروحه خلال تواجده العملي وتحركاته المتفاعلة المستمرة ما بين متاحف ومعارض ومظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية الفرنسية وبخاصة تلك التغيرات الجوهرية التي اجتاحتها عقب الثورة الفرنسية ولذلك كان لا بد له من التفكير بحثاً عن نقطة ضوء افريقية يستطيع من خلالها التفاعل الايجابي والخلاق مع تاريخ امته وبلاده التي حلم بها وماضيه الذي لم يزل يعيشه ويتحرك في ظلاله ونواحيه.. وكانت «هايتي» التي علم باستقلالها كجمهورية للسود الافارقة المحررين «1804م» هي نقطة الضوء التي ابصر في نهاياتها مستقبل ايامه فقرر مغادرة باريس متوجهاً اليها حاملاً كل ما اكتسبه من معارف وتجارب وخبرات في مختلف الحقول الفنية والادبية والاعلامية وفي هايتي اكتشف فليكس ان من حقه قانونياً كمواطن افريقي الحصول على جنسيتها بعد عام واحد من استقراره. وهكذا بدأت الرحلة الاخيرة والنهائية من حياته.. استثمر موهبته الثقافية وخبرته الفنية في مجال العمل الصحفي والاعلامي مدفوعاً بتطلعاته وطموحاته الشخصية في نقل افكاره الثورية عن معاني الحرية وتعميق مثله العليا في نفوس الاخرين من جماهير الجزيرة السوداء الكادحة فاصدر عدداً من الصحف الوطنية قام ولعدة سنين بتحريرها وكتابتها وطباعتها وتوزيعها بمجهوده الفردى المتواصل الامر الذي اثقل كاهله فلم يتمكن من مواصلته طويلاً ووجد نفسه مضطراً الى الاشتغال بالمحاماة تارة وبالهندسة المعمارية تارة اخرى وكان في كافة توجهاته الحركية والساكنة صوتاً مدوياً مدافعاً عن الغالبية العظمى من سكان الجزيرة السوداء مطالباً بترقية احوالهم والاصغاء الى فقرائهم ومعوزيهم والنهوض بهم معيشياً وتعليمياً ومنحهم حقوقهم في الحرية والعدل والمساواة. * ولم يطل به المقام طويلاً.. بعدما امعن في الاحتكاك والملامسة الجريئة ضد عناصر السلطة الحاكمة والمكونة من البيض والمهجنين والملونين الذين رأوا في وجوده بينهم خطراً داهماً تجب ازالته قبل استفحاله. * وهكذا انفجرت في وجهه تلك القنبلة الزمنية التي كانوا يختزنونها للتخلص منه عام 1822م اذ تواطأت الاحقاد والعنصرية والمصالح الشخصية والقوى السلطوية ضد هذا النموذج الثوري بينهم وصدر الحكم عليه دونما سابق انذار بالاعدام رمياً بالرصاص!.
وفى سرد اخر يحدثنا الأستاذ عبد الهادي الصديق في كتابه (السودان والأفريقانية) ص 114 وما بعدهاإسمه فليكس دارفور.. يقول عنه “روبير كورنيفان” (Robert Cornevin) في كتابه أدب أفريقيا السوداء المكتوب باللغة الفرنسية … أو (الأدب الأفريقي الفرانكفوني): إن الأدب الأفريقي المكتوب باللغة الفرنسية لم يظهر أول مرة في كتابات رواد مدرسة الزنوجة (Negritude) فيما بعد الحرب العالمية الثانية، من أمثال (ايمي سيزار) و (ليوبولد سيدار سنغور)، كما كان يعتقد الكثيرون. ويقول: “إنه من الناحية التاريخية فإن أول أديب أفريقي – مولود داخل أفريقيا – كتب أدباً باللغة الفرنسية هو سوداني يدعى “فليكس دارفور””، وليس الجديد في الأمر أن فليكس دارفور يعتبر بذلك أول أديب فرانكفوني من الناحية التاريخية وأول رائد من رواد حركة (الزنوجة) (Negritude) الدائرة في فلك حركة الأفريقانية فحسب، بل إن الأهم من ذلك كله أن السوداني (فليكس دارفور) كان أول شهيد من شهداء حركة الزنوجة والأفريقانية، إذ تم إعدامه رمياً بالرصاص في الثاني من سبتمبر 1822م في جزيرة هاييتي النائية، وقد دفع فليكس دارفور حياته ثمناً لأفكاره السياسية المؤيدة للمضطهدين من الزنوج في وجه الطبقة الحاكمة من كبار ملاك الأراضي البيض والملونين. فمن أين جاء هذا السوداني بإسم فليكس؟؟؟ لقد كان إسم فليكس من الأسماء الشائعة في فرنسا في القرن التاسع عشر، ولقد شاع إستخدام هذا الإسم في المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا، خاصة في تشاد وأفريقيا الوسطى، ونطقة دارفور المتاخمة لهما … وأحتفظ فليكس “دارفور” بإسم الإقليم الذي جاء منه، وفليكس في حقيقة الأمر هو الإسم الذي أطلقه عليه الجنرال الفرنسي “أردون” (Ardouin) الذي تبناه أول مرة، وربما يخطر على بالنا جميعاً أن (فليكس) ربما كان قد تنصر، إذ لابد أن يكون له إسم آخر، يدل على هويته واصله، ولكننا ما أن نقرأ في سيرة أحد رفاقه وهو صحفي من اصل جزائري أطلق عليه إسم بانيه (Panet) هو الآخر، حتى ندرك سر هذه التسمية، فلقد كانت من ممارسات الإستعمار الثقافي الفرنسي وفي إطار سياسة الاستيعاب (Assimilation) تجريد المواطن الأفريقي من إسمه الأصلي وإسباغ إسم فرنسي عليه، كما حدث في الجزائر حيث يجردون المواطن من إسمه العربي الإسلامي ويكتفون بإطلاق صفة عليه لتحل مكان إسم عائلته ونسبه وقبيلته، خاصة إذا ما كانت مرتبطة بالشرق العربي والإسلامي مثل بوسكين … بوسته … بومعزة … بوراس … الخ. وإذ نعود إلى قصة الصحفي الجزائري (بانيه) فهو مثله مثل فليكس دارفور قد أخذ من عائلته عنوة وهو طفل بواسطة أحد الجنرالات الفرنسيين ويدعى “أتيان” (Ettienne) فوجد نفسه في فرنسا وقد أطلق عليه إسم “بانيه” ثم أبل عندما شب عن الطوق بأنه من أصل سينغالي. وعندما أدركت الجنرال الوفاة أعترف للصبي بأنه أخفى عنه كل هذه الحقائق، وأنه يأسف إذ لا يستطيع إعادته إلى أهله وعشيرته وجاء الجنرال بصندوق خشبي قديم أخرج منه ورقة كتب عليها الإسم الحقيقي لعائلة الصبي ومكان وجود عشيرته في الجزائر، وأدرك (بانيه) أو عبد السلام أنه ولد بالجزائر من عائلة مسلمة. ويقول عبدالهادى الصديق(ولا شك أن تلك هي قصة فليكس دارفور نفسها، الذي أخذه الجنرال “أردون” إلى فرنسا، وفي فرنسا انهمك “فليكس” في البحث عن المعرفة بدلاً من البحث عن أصوله، التي انقطع عنها انقطاعاً تاماً، وأثناء دراسته في فرنسا تفجرت مواهبة المتعددة في المجالات العلمية والصحفية والأدبية، كما ظهرت اهتماماته الفكرية والسياسية حيث أبدى اهتماماً مبكراً بقضية الانسان الأسود في أفريقيا والعالم، ولسنا حتى الآن في وضع يمكننا من تحديد التوجهات الفكرية والأيديولوجية لفليكس دارفور، إذ أننا لم نطلع حتى على تراثه المكتوب، وربما حاولنا ذلك في المستقبل، أو حاول غيرنا، ولكن من المؤكد لنا أنه قد تأثر تأثراً مباشراً بتيارات التغيير الفكري، والدستوري والسياسي، التي هبت مع رياح الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر، وشعاراتها التي تنادي بالحرية والمساواة، والأخاء بين أبناء الجنس البشري، رغم إختلاف العرق واللون، ووسط أجواء الحريات بما فيها حرية التعبير تفتقت مواهب “فليكس دارفور” ككاتب وكصحفي أعترف به كبار أدباء وكتاب فرنسا أنذاك. وفي غمرة إهتماماته بقضية الإنسان الأسود كانت جمهورية هاييتي قد برزت إلى الوجود كأول دولة سوداء تنال حريتها، وكان ذلك في عام 1804م أي في أعقاب ثورة العبيد الكبرى التي قامت في الجزيرة عام 1801م وقد آل فليكس دارفور على نفسه أن يشد الرحال إلى هذه الجمهورية الوليدة ليساهم من داخلها في مهمة استكمال تحرير الإنسان الأسود في سائر أنحاء العالم، وقد اختار فليكس دارفور الذهاب إلى هاييتي لكونها أيضاً أول منطقة في الدنيا الجديدة قام البرتغاليون بنقل الزنوج إليها من الشواطئ الأفريقية عام 1505م. وبالفعل غادر فليكس ميناء “الهافر” الفرنسي عام 1818م على متن السفينة “Levielle” قاصداً ميناء أوبرانس وفي هاييتي منحه حاكمها عملاً فور وصوله، كما قدمت له التسهيلات لإصدار صحيفة “المستنير الهاييتي” مما يدل على مكانة فليكس الفكرية والسياسية، كما منحه الحاكم فيما بعد الجنسية وفق المادة (44) من الدستور الذي يقضي بمنح الجنسية لكل أفريقي قضى في البلاد أكثر من عام. ويعتبر وصول فليكس دارفور من دارفور (السودان) في قلب أفريقيا، إلى جزر الكاريبي في عام 1818م أول مؤشرات تضامن أفارقة القارة مع أفارقة الدنيا الجديدة “أفارقة الشتات” إلى أفارقة القارة الأم، بإعتبار أن حركة الأفريقانية قد نشأت خارج أفريقيا. لقد ظهر السوداني (فليكس دارفور) في هاييتي قبل أن يظهر (سلفستر وليامز) في تراينداد، وقبل أن يظهر (ماركوس غارفي) في جامايكا، وقد أستشهد دارفور من أجل قضية الإنسان الأسود في عام 1822م قبل أن يسقط (ديفيد وولكر) (David Walker) مسموماً في عام 1830م، وهو الذي يعتبره أفارقة أمريكا أول شهيد في حركة الأفريقانية

‎فليكس دارفور…….ذاكرة تاريخية عصية على النسيان

‎الغوص فى اعماق التاريخ يفضى بنا الى إستشراق المستقبل ومعرفة الذات…وكم هو محزن ان لا نتعرف على تاريخ الشعوب والقبائل والشخوص الذين شكلوا معالم السودان, ثقافيا وفكريا وسياسيا. كانت تلك هى لحظة الإنس مع الصديق ياسر محمود بن أم درمان والتى قلما يجود به بها سودان اليوم وذلك بفعل الجرى وراء لقمة العيش التى صارت الشغل الشاغل وحلت محل القراءة والإطلاع فى دولة تدعى إمتلاك مشروع حضارى يبتغى التفوق على العالم أجمعه كما كنا نسمع على الإذاعة والتلفاز الحضارى جداا. وياسر هذا لديه شغف لمعرفة الأمكنة والشخوص الذين تركوا بصمات واضحة فى حيواتنا.
‎كان الحديث حول الشخوص الذين ساهموا وبشكل متميز فى تشكيل
‎وعينا ووجدانا سواء كانوا فى مجال الفن او الرواية او القصة او على الصعيد السياسى والفكرى, ولكن تم إقصائهم مع سبق الإصرار والترصد, بل منهم من لم يذكره التاريخ المدرسى بشر او خير…بل حتى أن هنالك تاريخ لممالك وحضارات بكاملها لم تفرد لها مكانة فى المنهج الدراسى ولا حتى الإعلامى المرئى او المقروء لم يكن من ضمن خططه ( هذا إن كانت هنالك خطط ودراسات). وكم كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان محقة عندما طالبت بإعادة كتابة التاريخ… وكم كانت الناطق بإسمها قبيل ( الكارثة الكبرى) ياسر عرمان حينما قال: ( الإنتقاص من تاريخ السودان يعنى الإنتقاص من جغرافيته) وكم كان محقا!! وهو ماحصل فى نهاية المطاف…فدخول العرب الى السودان لم يكن وسوف لن يكون هو سدرة المنتهى.
‎من هو فليكس دارفور الذى لم تشير إليه كتب التاريخ, قديمها وحديثها؟ وبالطبع التاريخ دائما ما يكتبه المنتصر أو الفئات ذات اليد الطولى والمسيطرة سياسيا وأقتصاديا. البحث عن رجل مثل فيلكس بن درافور مهمة شاقة وذلك لقلة ماكتب عن الرجل الذى فى مقدمة الصفوف من أجل الدفاع عن المهمشون والجوعى والحزانى فى تلك الجزيرة وكأنما به على موعد مع التاريخ. يقول عنه القامة السامقة محمد الفيتورى فى مقال له بعنوان: ( فليكس دارفور) الأتى: ( هذا هو الاسم البديل, القناع المزوق الذى نسجته الأقدار حول وجهه …والذى أخذ صورته ومعناه داخل دائرة التاريخ…وليس عندى أدنى شك, بأن اسمه المجهول ذلك الذى أسقطته سنوات العبودية وعذابات المنافى البعيدة, أنما كان رمزا حيا ومتفاعلا مع أحداث عصره نظرا لما كان يرتكز عليه من إيقاع دام, وإيحاء غامض, وأبعاد إجتماعية وإنسانية لا يمكن تصورها….هل كان إسمه الحقيقى ..ماكاى..أوغر.. أو عرمان, أو ربما تام تام؟ أنتهى الإقتباس)
‎يبدو لى ان القدر كان على موعد مع رجل لم يركن الى ظلم الإنسان لاخيه الإنسان, وفليكس اثبت وبالدليل القاطع ان طاقات الإنسان ومقدرته على تجاوز الظروف القاسية لاتحدوها حدود… وكم هى غير إنسانية ومحطة من قدر الإنسان ان يوضع تحت قيود الذل والعبودية والتهميش.والسؤال ماهى الظروف التى شكلت وعى فليكس دارفور والتى جعلت منه إنسان عصى على النسيان… يقول الفيتورى فى ذات المقالة:( هذا هو الإسم الذى حفره على جبينه ذلك الجنرال الذى اسمه فليكس دارفور, اشتراه أو استعبده أو ربما أهداه أحد النخاسين إليه, ولعدم معرفته باسمه الحقيقى, وضياع اسم قبيلته بين القبائل, آثر الاكتفاء بنسبه إلى الإقليم الغربى من المستعمرة البريطانية الفرنسية السابقة منطقة دارفور بالسودان..حيث جرى إختطافه صغيرا والإنزواء به عن أهله فى دارفور, ومن ثم حشره ضمن شحنات العبيد عبر درب الاربعين والهروب به إلى المستعمرة المصرية التى كانت خاضعة بدورها للنظام النابليونى الفرنسى وقتذاك 1798-1801) وهكذا وجد الطفل( فيلكس دارفور) نفسه ضمن مقتنيات أحد معاونى الحاكم الفرنسى وهو الجنرال أردوان ذى الأصل الكاريبى, ولربما من حسن حظ الطفل فيلكس, انه صار قريبا من هذا الرجل الذى تسرى فى عروقه بعض الدماء الزنجية, مما جعله يتعاطف معه ويتيح له فرصة التعليم والشعور بالثقة والإندماج فى الحياة الاجتماعية المتاحة لأمثاله حينذاك. انتهى الإقتباس)
‎يبدو لى ان فيلكس صاحب شخصية لا تركن الى الشرط الإجتماعى القاسى الذى وجد نفسه فيه, بل سعى جاهدا الى تطوير نفسه وكيف لا وهى من منطقة ساهمت وبشكل فعال إقامة ممالك وفى وقت كانت كثير من المجتمعات لا تعرف الشكل الحديث فى التنظيم الإجتماعى والسياسى وقتذاك..يضيف الفيتورى: ( وهكذا بدأت الرحلة الأخيرة والنهائية من حياته…استثمر موهبته الثقافية وخبرته الفنية فى مجال العمل الصحفى والإعلامى مدفوعا بتطلعاته وطموحاته الشخصية فى نقل أفكاره الثورية على معانى الحرية..فأصدر عددا من الصحف الوطنية, قام ولعدة سنين بتحريرها وكتابتها وطباعتها وتوزيعها بمجهوده الفردى المتواصل, العبء الذى أثقل كاهله فلم يتمكن من مواصلته طويلا, ووجد نفسه مضطرا الى الإشتغال بمهنة المحاماة تارة وبالهندسة المعمارية تارة أخرى……….ولم يطل به المقام طويلا بعدما أمعن الإحتكاك والمعايشة والملامسة الجريئة, ضد عناصر السلطة الحاكمة والمكونة من البيض والمهجنين والملونين الذين رأوا فى وجوده خطرا عليهم يجب إزالته…. وهكذا انفجرت فى وجهه, تلك القنبلة الزمنية التى كانت يختزنونها للتخلص منه, عام 1922, إذ تواطأت الأحقاد والعنصرية والمصالح الشخصية والقوى السلطوية ضد هذا النموذج الثورى بينهم, وصدر الحكم عليه دونما سابق إنذار بالإعدام رميا بالرصاص))
‎وختاما, يالها من سيرة حافلة بالجسارة فى ازمنة الجوع والفقر والإذلال, ولكن فيلكس دارفور أثبت لنا جميعا ان إرادة البشر لا تحدوها حدود, وعلى رأى المثل الإنجليزى الذى يقول اينما كانت هنالك إرادة كان هنالك مخرج…والامر الآخر والمهم هو ان السودان مقبل على التشكيل والتشكل وجحافل الهامش تطرق وبشدة على ابواب المركز على الحقوق المتساوية…. وكلنا من آدم وحواء, ومتى إستعبدتم الناس ولقد ولدتهم امهاتهم احرارا.. الصيحة التى اطلقها الخليفة العادل قبل أكثر من الف عام..تتبادلها الآلسن وتظهر وبكل وضوح على كل برامج الحركات التغير والقوى الصاعدة الجديدة. وفيلكس وغيره وهم كثر يأبوا الإنتظار فى اضابير التاريخ ورفوف المكتبات…. وقد قالها مؤسس علم النفس الحديث, فرويد ان المجموعات التى تم كبتها ولزمان طويل سوف يأتى اليوم الذى فيه تنتصر لكرامتها وبشكل عنيف. وإذا اردنا ان نقيم سودان حديث او جديد علينا بالإنتصار للتاريخ…فشخصية مثل فيلكس دارفور عصية على النسيان ويجب وضعه فى المكان الذى يليق به, مع عبد اللطيف والماظ وصحبه وذلك من اجل إقامة سودان خالى من التفرقة العنصرية والإستعلاء الاجوف الذى جعل السودان فى زيل قائمة الدول الاكثر فاسدا, وهذا بالطبع لا يتأتى الا بالإعتراف بالآخر والنظر والإعتراف بالمكونات التاريخية والثقافية لهذه البلاد, وبدونها سيكون الآفق ملىء بالإنقسامات وحقا قد جاء وقت دفع الإستحقاقات الكبرى التى ينبغى على الطبقة السياسية فى الشمال وفى مركز السلطة دفعها… فالدول لا يتم بناءها على الكبت والتسلط والقهر…. فنحن نعيش فى أزمنة التلاقح الحر لإفكار ونهاية الجغرافيا.

المعروف عنه قليل السوداني-المصري البان افريكانيست الذي أشرف على ماركوس غارفي

المعروف عنه قليل السوداني-المصري البان افريكانيست الذي أشرف على ماركوس غارفيي


عندما كان الأيقونة الجامايكية الإفريقية ماركوس غارفي طالبًا في لندن ، وجد مرشدًا في أحد الممثلين والنشطاء السياسيين في أفريقيا يدعى دوسيه محمد علي
.

ولد علي عام 1866 ، وهو أب لأب مصري وأم سودانية. ولد في الإسكندرية ، حيث تدرب حتى كان في العاشرة من عمره عندما بدأ والده في الترتيب لنقله إلى إنجلترا.

كان عليه سيبقى في إنجلترا حتى عام 1882 عندما قتل والده ، ضابط في الجيش المصري ، في معركة تل الكبير ، بين مصر والجيش البريطاني. كان يبلغ من العمر 16 عامًا في ذلك الوقت وكان عليه التعامل مع شؤون والده العقارية حيث تم إجلاء العائلة إلى السودان. ثم عاد إلى الكلية الملكية بلندن
على الرغم من رغبته في أن يصبح طبيبا ، غير علي علي دراسته في المدرسة لدراسة الفنون. صعد إلى المسرح في سن 19 عامًا وسيعمل لمدة 24 عامًا. ومع ذلك ، بدأ الاستياء يتسلل إلى الداخل بسبب الميل إلى أن يلقي بأدوار نمطية إما كمسلم شرير أو عبد بسبب جلده الداكن. كان هذا على الرغم من أنه كان الممثل الوحيد الناطق باللغة الإنجليزية من العالم العربي في المسارح الإنجليزية في ذلك الوقت.

لقد أخذ منعطفًا في حياته المهنية وأصبح صحفيًا ، بفضل اهتمامه بالسياسة. ركزت بعض مقالاته على معاملة المصريين من قبل البريطانيين. كان يسافر حول العالم بحثًا عن مناخ دافئ بسبب اعتلال الصحة ، ويزور بلدانًا مثل الهند والولايات المتحدة ومنطقة البحر الكاريبي. خلال رحلاته ، تمكن من رؤية تأثير الإمبريالية على السود والعرب وقام بمهمته في تحدي ذلك.

في عام 1912 ، أسس أول صحيفة في إنجلترا يملكها ونشرها شخص أسود: العصور الافريقية و مراجعه التوجه . تم توفير الصندوق المستخدم في إطلاق الورقة من قبل غرب إفريقيا الذين يعيشون في لندن. اشتهرت الصحيفة بأخذها لعموم أفريقيا وجذبت أمثال ابن عم أول رئيس أفريقي المولد ليبيريا والكتاب الأيرلنديين والمستكشفين البريطانيين. حتى نشطاء حقوق المرأة أرسلوا مساهمات للصحيفة.

من خلال الصحيفة ، أقام علاقات مع مثقفين سود آخرين في جميع أنحاء العالم ، بما في ذلك بوكر تي واشنطن وألان لوك. كان قادرًا على مقابلة غارفي وانضم إلى جمعية تحسين الزنوج المتحدة (يو ان اي آي ) كوزير للخارجية ورئيس الشؤون الأفريقية.

وقد طويت الصحيفة خلال الحرب العالمية الأولى حيث حظرها البريطانيون في الهند وفي جميع مستعمراتها الأفريقية. انتقل علي إلى الولايات المتحدة في عشرينيات القرن العشرين ، ولكن بعد سلسلة من الأعمال الفاشلة ، عاد إلى القارة ، واستقر في نيجيريا.

أسس مجلة المذنب ، والتي تم تصنيفها بين أفضل المنشورات النيجيرية في ذلك الوقت. في عام 1944 ، كان سيبيع المجلة إلى دار نشر يملكها نامدي أزيكيوي ، الرجل الذي سيصبح أول رئيس لنيجيريا.

توفي علي ، الذي كتب عددًا من الكتب وقام بعدة مسرحيات طوال حياته ، في 25 يونيو 1945.

السودان: لغز الهوية وانتحال العروبة !!

السودان: لغز الهوية وانتحال العروبة !! ..

بقلم: حامد جربو /السعودية

نشر 06 – 01 – 2011 

يجب اغتنام فرصة انفصال الجنوب لتفكير في اسم جديد للسودان , فنحن عندنا ثقافة عربية إسلامية زنجية , وبيننا قبائل أشد عروبة من تلك الموجودة في الجزيرة العربية..! ولا نريد أن يصبح اللون الأسود هوية لنا ..!. 
“وصال المهدي ..حرم د.حسن الترابي .”
كان مدرس سوداني يعمل بالتدريس في جنوبالمملكة العربية السعودية , في منطقة قبائل القحطانيين , تسمى “عرين القحطان ” لو جاز لي وصف المدرس : وهو سوداني اسود اللون ( باذنجاني ) أجعد الشعر عسلي العينين , طويل القامة , مثال لإنسان الأفريقي كامل الدسم- من باب الفضول سأل أحد الأعراب أخينا السوداني : إلى أي قبائل السودان تنتمي يا زول !؟ كان رد الزول مدوياً : “أنا عربي عباسي عزيز النفر وأفصح منك ..!أنت أصلك ما معروف.. وما فاهم معنى العروبة ذاتو.. !!” ُصدم الحضور ما قاله , وانصرف الجميع بعد تبادل البسمات ..!.
هناك في الجزيرة العرب عدد كبير من السود , من اصل إفريقي تبعاً , بقايا رقيق القرون الأولى حسب قانون العرق يتبع العبد لسيده في جميع الصروف وحركات الأعراب ..! فلذا لا هوية لهم غير الهوية الأعراب . عندما تحرروا أصبح مكانهم في الأعراب مضاف إليه معروف بالإضافة . عندما يدعي أي اسود آخر العروبة ..!سواء كان سوداني أو حبشي أو نيجيري ..!بنسبة للأعراب يعتبر كسب ثقافي مجاني لهم..سوف ينضم هذا الأسود الجديد طوعاً إلى تاريخ بقايا رقيق الأعراب المحررين السود..! ويكون جزء أصيل منهم .! فلذا تجدهم يشعرون بارتياح عندما يدعي العرق الأسود العروبة في ديار العروبة ..!, هذا هو تفسير لغز ابتسامة القحطاني الذي فات على أخينا السوداني .
داء انفصام الثقافي
..
يعتبر الانفصام مرض نفسي , ولكن يمكن ان نصف وضع ثقافي لإفراد يعانون من إعراض شبيه بتلك التي تظهر عند انفصام الشخصية نتيجة لتربية ثقافية زائفة منحرفة , حيث يظن الشخص المصاب به أنه بخلاف الشخصية الماثلة إمامك..! وهو فرد آخر..! , هذا يحث عند بعض الأفارقة السودانيين مع سماتهم الأفريقية , ..! يعتبرون أنفسهم أعراب من بادية الِحمِير أو القحطان..! وأن لونهم أحمر وملامحهم قوقازية ..!
عقدة النقص – ( Inferiority Complex ) 
استعداد لا شعوري مكبوت ينشأ من تعرض الشخص لمواقف كثيرة متكررة تشعره بالعز أو قلة الحيلة , أو عدم الاعتراف من قبل الآخرين بما لديه من صفات أو قدرات , ..مثل هذا الشعور يذكره بالنقص يحمله بتلقائية على الدفاع عن نفسه ..ومن صفات عقدة النقص العدوان والاستعلاء والزهو الشديد والتظاهر والمبالغة في تقدير الذات , قد يحاول لفت الانتباه بالتفاخر الكاذب والتباهي الزائف واختلاق الكذب ..!.
نتيجة لنشأة الثقافية المنحرفة الزائفة في السودان , والتي تجعل النشء يتشبث بوهم متخيل اسمه العروبة السودان ,يبحث عنه ولم يجده حتى في التاريخ الزمن المستعاد ,يحدث لديه مواقف متكررة من هذا النوع تشعره بالعز أو قلة الحيلة أمام واقع متناقض , ويحس بعدم اعتراف الآخرين بعروبته المتخيلة المجردة ,وهذا يحمله بالدفاع عن أعراقه العربية المتخيلة ,مستخدماً آليات عقدة النقص ..! كالزهو والتظاهر والمبالغة في انتمائه للعروبة ..! كما يحدث عندنا في السودان ,الشعارات مثل: السودان قلب العروبة النابض ..نحن اشد عروبة من القبائل في جزيرة العرب..!نحن أفصح العرب لساناً والخ..!
المفهوم “الأسلاموروبي “في السودان:
السودان بحيزه الجغرافي كان- وما يزال – موطن لمجموعات أثنية وعرقية وقبلية.. متنوعة ثقافياً , ومختلفة دينياً , ومتفاوتة تاريخياً ومتداخلة جغرافياً .هناك مشكلة في الدولة السودانية , وهي أن علاقة المواطن بدولته مأزومة , فهي قائمة في داخلها على أساس فارق .. أي بتحيز الدولة لكيان أثني ثقافي ” اسلاموعروبي ” يقوم باستثمارها إقصائيا, ويفرض توجهاته ضد كيانات ثقافية أخرى..! , لأن الهوية “الأسلاموعروبي ” بمفهوم الأيدلوجي , في الواقع جزء من محددات تحقيق المصالح السياسية والمادية والمعنوية في الدولة , والمفهوم” الأسلاموعروبي “في الوعي الجمعي الموروث في مجتمع المسلم هو علو المسلم العربي ..! أو سمو المؤمن العربي وتشريعاته باعتباره حامل الرسالة الإسلام إلى بلاد العجم ..!, بحكم العادة والإرث وبمرور الزمن في اللاوعي الجمعي , تشرعنت الفوارق بين المؤمن العربي والمؤمن العجمي, .. فانتهى إلي تصور ثقافي يؤكد ولو ضمنياً بتفوق العرق العربي المؤمن .وفي ذلك لا يتنافس المتنافسون يسوق البعض مفاهيم البعث العروبي , : نحن العرب , نزل القرآن بلغتنا .., والنبي محمد خاتم الأنبياء من نسل العرب , والنبي إبراهيم علية السلام بنى بيت الله الحرام في ديار العرب ” مكة ” نحن رواد الحضارة وقادتها عبر القرون… وهكذا فسر كثير من القيم الأخلاقية بمقياس عروبي متطرف..! , في هذا السياق قال أحدهم : وهو فقيه “أسلاموعروبي ” المرأة السوداء ليست عورة ..!,لأنها ليست بيضاء مثل العربية.. ! , ان شاءت احتجبت أو لبست ما تريد ..! وقال احد زعماءهم : الإسلام دين العرب..!والنصرانية دين الأوربيين ..! الأفارقة السود لا دين لهم ..!ان شاءوا أسلموا , أو تنصروا , فلهم الخيار !. ومن طرائف هزأة في وسط العربان , أن أحدهم واقع لبنانية شقراء في رمضان , فطلب من شيخه فتوى مناسبة للكفارة ..! فقال له الشيخ : عليك مضاجعة سودانية كفارة لذلك ..!
” لا فرق بين عربي ولا أعجمي ألا بالتقوى ” لا اعتبار لمثل هذا الحديث في مفهوم الأسلاموعروبي ” معيار التقوى الذي خص الله عباده به وكرسه نبي الإسلام ليكون فيصلاً بين المؤمنين أصبح مجرد “نص” في خطب صلاة الجمعة والجماعة في المساجد ليس له أي دور في ترتيب الأنظمة الأسلاموعروبية في عالمنا..! , ودليل على ذلك ما نشاهدها من صراعات عرقية وأثنيه في كثير من البلدان العربية التي تقطنها قوميات متباينة وعرقيات متعددة , وبصورة أوضح في كل من السودان ولبنان والعراق الجزائر .. يتميز العراق بتنوع العرقي والديني الذي فرضته اعتبارات تاريخية وجغرافية دون أن يتسبب يوما ما أي مشكلة أمنية أو اجتماعية أو ثقافية إلى أن جاء حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة ومارس التمييز ضد القوميات ذات الأصول غير العربية في العراق في النصف الأخير من القرن العشرين ..!,وأجج فتن الصراعات العرقية والاثنية في البلد ..مشكلة الأكراد وتركمان .. وأصل الخليج , فارسي أم عربي ..! والأقلية الطائفية مثل الصابئة والمسيحية والآشورية .
في المغرب العربي هناك إشكالية مماثلة لمفهوم “الأسلاموروبي” بين العرب والقومية الأمازيغية ( البربر) . أقرا :ماذا كتب مفكرون الأمازيغ عن وضع الأمازيغ في المغرب العربي بصورة عامة , كتب – كاظم حبيب – عن “المشكلة الأمازيغية وسياسة الشوفينيين العرب “يقول 😦 لم يواجه الأمازيغ في المغرب العربي عقدة اللغة العربية والحضارة العربية الإسلامية , طيلة قرون خلت إذ إنهم كانوا يتعاملون معها من خلال الدين الإسلامي اعتنقوه وساهموا في بفعالية في انتشاره وتكريسه في المنطقة , كما شاركوا بشكل متميز في النضالات المناهضة للاحتلال الفرنسي لبلادهم , وبمرور الزمن واجهوا جحوداً من القوميين العرب المتسمين بالتعصب القومي والشوفينية العنصرية , وأنكروا دور الأمازيغ في المغرب وفي الفتوحات الإسلامية ودأبوا على تسمية قادة العسكريين من اصل مازيغي في الإسلام على أنهم قادة عرب بدلاً من القول بكونهم من قادة المسلمين الأمازيغ كما هو واقع في حقيقة هؤلاء القادة , ويرد في هذا الصدد اسم القائد طارق بن زياد على أنه قائد عربي..! في الحقيقة هذه ليست معضلة الأمازيق وحدهم , بل هي مشكلة الشعب الكردي في كردستان العراق ومشكلة شعب الجنوب في السودان في صراعهم ضد مفاهيم “الأسلاموعروبية المتطرفة” ). فسكان السودان في الأصل هم سود أفارقة , تدفقت هجرات متواصلة عبر القرون إلى أرض السودان ” بلاد السود ” عرب , أتراك , أقباط , أمازيغ من شمال إفريقيا , بالإضافة إلى رحلات البينية مع شعوب الجوار . تاريخياً يعرف الشريط الممتد من إثيوبيا شرقا ومروراً بالسودان ” القطر ” وتشاد والنيجر ومالي إلى حدود موريتانياً شرقاً, بالسودان , لم تنتحل أي دولة من دول هذه مجموعة العروبة إلا السودان ..! رغم التماثل والتطابق الثقافي والاجتماعي, وتشابه في الأعراق والسلالات البشرية المكونة لهذه المجموعة مع السودان” القطر” .
يقول البعض : السودان بأعراقه المتعددة وثقافته المتنوعة , في حاجة ماسة إلى كيان جامع يلملم كل هذا شتات , ليس هناك بديل غير الهوية العربية والثقافة العربية الإسلامية ,حيث أن الإسلام هو دين أغلبية الشعب في السودان , وهناك جماعات سودانية مستعربة تدعي الانتماء للعروبة فلا تمانع الهوية العروبية وكانت أول منظومة سياسية جمعت أعراق وقبائل وثنيات السودانية , هي الثورة المهدية ومن ثم الدولة المهدية التي كانت تتخذ من التراث الإسلامي نهجاً وتوجهاً ..!.
ماهي الهوية :
جاء مصطلح الهوية في اللغة العربية من كلمة ” هو ” والهوية بكل بساطة , ما هيتك ؟! في المعجم الوسيط الصادر عن المجمع اللغة العربية , عرف الهوية أنها حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره.. ,أو مجمل السمات التي تميز شيئاً عن غيره أو مجموعة عن غيرها . هناك خلاصة لتعاريف مفهوم الهوية : تطابق ما بين باطن الشيء وظاهره , أو بتماثل التجليات الظاهرة لأي كينونة مع جوهرها العميق , بلا انفصام أو انشطار ..! هناك تعريف يقترحه الجرجاني يتوافق مع التعريف الصوفي لمصطلح ” الهُو ” :” خصائص الشيء أو الشخص المطلقة , ( أهي المتخيلة و المجردة أيضا ؟ً) المشتملة على صفاته الجوهرية التي تجعله مميزاً عن غيره تميزاً , يُكسبه فرادته وخصوصيته , ويحدد الصورة التي يحملها في نفسه عن نفسه , والتي ستؤثر بطريقة أو بأخرى , في تحديد المنظور الذي سيعتمده لإحالة ذاته إحالة موضوعية في العالم , والذي سيطل من خلاله على الآخرين ليرسم الصورة التي سيكونها في نفسه ولنفسه عنهم .” .والهوية الشخصية تعرف شخصاَ ,: بشكله ..واسمه..وصفاته..وسلوكه..وانتمائه ..وجنسه .
بهذه المفاهيم الدقيقة حدد الفلاسفة والباحثون جوهر الهوية , ترى هل يمكن أن نحدد بعد هذا الهوية السودانية ؟ أهي عربية في جوهرها العميق أم أفريقية ..!؟
هل سمات المميزة للشعب السوداني وفرادته وظاهره وباطنه يطابق سمات العروبة ؟ كما في اليمن أو سوريا ؟
هل أشكال وأعراق وصفات وأسماء وسلوك أفراد شعب السودان في تجلياتها تماثل نظائرها في البلاد العربية ..!؟ كما تماثل أفراد في الأردن مقارنة مع ليبيا مثلاً..! للشعب السوداني خصائص وسمات تميزه عن غيره من الشعوب العربية وأهمها : اللون ..والشكل ..والعرق ..ونسبياً السلوك …! ما الذي يميز شعب السودان عن غيره من الأعراب ..؟ بكل بساطة اللون ..! ومن ثم لكنة والعجمة في لسانه..!وكذا اللحن والغناء السوداني .
العرب وحاشية اللون في السودان :
عندما أعلن السودان رسمياً التحاقه بجامعة الدول العربية في منتصف القرن الماضي, أعترض بعض الأعضاء في الجامعة ,وتحفظ فريق آخر..! الحقيقة الساطعة أن شعب السودان لا يملك مميزات العروبة الكافية , ولا حتى الثقافة العربية التي تميز الشعب العربي من الخليج إلى المحيط , ولكن هناك دولاً عربية مجاورة للسودان لديها مصلحة في عضوية السودان في الجامعة..! , ثم أن التيار الأسلاموروبي الجارف لم يطل برأسه على العالم العربي يومذاك , فلذا فُسح الطريق أمام السودان لانضمام إلى المنظومة العربية . رغم ذلك يرى كثير من العربان أن سواد لون السودان يلحق ضرراً بنقاء الدم العربي الأصيل ..!ويسبب لهم حرجاً أمام شعوب العالم ..!, ربما يعتقد البعض أن العرب سود مثل العبيد على حد زعمهم ..! في هذا السياق أعترض عدد كبير من مواطني أحدى دول الخليج العربي على تشكيل الفريق القومي للكرة ,لأن الأغلبية كانت من عناصر السوداء ,..! وهم يرون ذلك منقصة في حقهم كشعب أبيض على حد تعبيرهم , لا شك أن كثير من الدول في المنظومة العربية يحبون أهل السودان ويقدرون تضحياته.ولكن الحب لا يعني الهوية أو الانتماء..! , 
خلاصة القول أن شعوباً وقبائل في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وفي شمال إفريقيا شاركت العرب بفعالية في عصر ما بعد الخلافة الإسلامية وصنعت الحضارة الإسلامية في القرون الأربعة عشر من عمر الإسلام , كان المسلمون غير العرب عصب الدولة العباسية , وأسس الأتراك العثمانيون إمبراطورية إسلامية عظيمة دامت ستة قرون , وفي إفريقيا واصل الأمازيغ الفتوحات حتى الأندلس ” اسبانيا” وكانت لممالك غرب إفريقيا دور فعال في نشر الإسلام في غرب ووسط إفريقيا , . بعد انهيار الإمبراطورية الإسلامية ,وانحصار المد الحضاري الإسلامي , تشرذم العالم الإسلامي في شكل دويلات قومية وعرقية وجهوية وقبلية وأثنيه واسلاموروبية. والأمة السودانية أحدى تجمعات هذه الزمرة بجبّلتها وتجلياتها , لا يستقيم تعريبها بحجة الدين واللغة , لأن في جوهرها العميق وجيناتها الوراثية ليست عربية .
حامد جربو /السعودية

فيروس كورونا: من هو حُديدي “ملك العود” الذي راح ضحية الوباء؟

فيروس كورونا: من هو حُديدي “ملك العود” الذي راح ضحية الوباء؟

ماري هاربربي بي سي

حديدي
Image captionحُديدي

توفي في لندن مؤخراً الموسيقار والمغني الصومالي أحمد إسماعيل حسين المعروف باسم حُديدي، الأب المؤسس للموسيقى الصومالية الحديثة، بعد إصابته بفيروس كورونا عن عمر يناهز 91 عاما. وكانت ماري هاربر، الصحفية في بي بي سي، صديقة للراحل وكتبت هذه المادة عن مسيرته.

كلما عزف حديدي على عوده، كان من المستحيل أن تظل ساكنا. تتمايل الأجساد، وتصفق الأيدي، وتطقطق الأصابع. موسيقاه كانت تنقل المرء الى عالم آخر، وبطريقة ما تتملكه.

ولكن كان هناك ما هو أكثر من ذلك في شخصية حديدي، أو “ملك العود” كما كان يعرف، فإضافة إلى موسيقاه الراقية كان قوة حياة، دافئاً وسخياً ومتواضعاً ومرحاً.

سائق حافلة وطالب

منذ اللحظة التي قابلته فيها شعرت أنني جزء من عائلته. لم أكن الوحيدة، فقد كان منزله اللندني مفتوحاً للجميع، حيث كان يعد القهوة اليمنية القوية، ويعرض المبيت على أي شخص بحاجة للمبيت.

كان بمثابة مدرسة موسيقية غير رسمية، يقصده أشخاص من كل أنحاء العالم للتتلمذ على يدي الأستاذ.

وكانت إحدى الطالبات امرأة صومالية في الستينات من عمرها، لم يسمح لها من قبل بتعلم الموسيقى. وكان طالب آخر سائق حافلة.

ولد حديدي في مدينة بربيرة الساحلية الصومالية عام 1928. وترعرع في اليمن على الضفة الأخرى من خليج عدن، وانجذب إلى الموسيقى منذ صغره.

الصومال بعد حوالي 60 عاماً من الاستقلال

وقال يوما: ” كنت كلما رأيت فرقة الشرطة تعزف على الطبول، أعدو وراءهم، متخيلا أنني أعزف على تلك الآلات الموسيقية. كانت تجرفني، أفقد الإحساس بالوقت، حتى يجدني أحد أفراد العائلة فيصحبني إلى المنزل”.

عندما كان حديدي في الرابعة عشرة من عمره، صحبه والده إلى حفل في عدن، حيث قدم قام أحدهم بالعزف على عود، فوقع حديدي في حب الآلة.

ووصف تعلقه بتلك الآلة الموسيقية بأنه مرض، فكلما رأى إحداها، كان يلتقطها ويعزف عليها.

وفي ذلك الوقت، التقى حديدي بالملحن وعازف العود الصومالي الأسطوري عبد الله قارشي.

وقال حديدي: “ذات يوم، لمست عوده، وشرعت في مداعبة الأوتار، ولاحظ قارشي ذلك على الفور، وسألني عن نوع الأشياء التي يشتريها لي والدي لآخذها إلى المدرسة”.

أجبت قائلا: “كتب وأقلام رصاص”. فقال قارشي: “إن ذلك لا بأس به، لكن عليه أيضا أن يشتري لك عودا بسيطا”.

“عمل الشيطان”

تعلم حديدي بسرعة ولمع كعازف، وفاز بجوائز في المهرجانات، وبات صاحب شهرة. وعاد إلى أرض الصومال، ثم إلى جيبوتي حيث طرده المستعمرون الفرنسيون لغنائه الأغاني السياسية.

بعدها عاد إلى الوطن، حيثواجه أيضاً مشاكل مع السلطات. وفي وقت ما حاولت السلطات حظر موسيقاه، ووصفتها بأنها من “عمل الشيطان “.

كتب الموسيقار ذات مرة رسالة إلى رئيس جهاز الأمن الوطني يسأل فيها: “أين تلك السفينة الكبيرة المحملة عن آخرها بالحليب الطازج والعشب المورق التي وعدتم بها؟”

وقال إن الرسالة أغضبت الرجل الذي “أرسل لي كلمة صارمة مفادها أنني إذغا لم أتوقف عن مثل هذه التصرفات فإنهم سيعملون على تشويه سمعتي الممتازة بين الصوماليين”.

وكانت شعبيته الجارفة قد أثارت غيرة العازفين الآخرين.

وروى أن أحدهم سكب السمن في عوده ذات مرة في غفله منه فألف أغنية يسخر فيها من الشخص قام بذلك.

استقر حديدي في نهاية المطاف في لندن، لكنه سافر إلى جميع أنحاء العالم، ليشيع البهجة بين الناس بموسيقاه الجميلة. ولم يمثل العمر بالنسبة له عائقاً. فقد كان لا يزال يعزف في الحفلات الموسيقية، وهو في التسعينات من عمره.

وعلى الرغم من مكانته الكبيرة، لم يكن “ملك العود” يحب الإثارة والأضواء.

أتذكر مراسم حفل توزيع جوائز في لندن، حيث فاز بجائزة عن مجمل أعماله خلال مسيرة حياته. كانت المراسم تتطلب ارتداء ربطة عنق سوداء، وقد جلبت ابنة أخته إحداها له ليرتديها، لكنه رفض ذلك بشكل قاطع.

حاولنا إقناعه بارتداء ربطة العنق، على الأقل عندما يذهب إلى المنصة دون جدوى.

وكان يتمتع بجاذبية عابرة للأجيال.

“أفضل أب”

ذهبت إلى إحدى حفلاته في قبو مكتبة صغيرة في لندن. وبطريقة ما، علم الموسيقي والمطرب الصومالي الشاب آر معنطا بأن حديدي يعزف هناك. فهرع من منزله مع عوده، وركض هابطا الدرج إلى قاعة مزدحمة، وانتزع مقعدا، وبدأ في العزف مع حديدي، كانا يبتسمان ويضحكان وهما يطلقان سحرهما.

وسلطان علي شيري هو كاتب السيرة الذاتية الرسمية لحديدي. كما كان طالبا لفترة طويلة عنده، ويصف حديدي بأنه “الرجل الذي زرع بذور الموسيقى الصومالية كما هي اليوم، وأفضل أب يمكن أن يكون لأي شخص”.

ومن طلابه أيضاً، طالبة كانت تعزف معه في الحفلات العامة في بعض الأحيان وهي المؤلفة نظيفة محمد، والتي كانت بمثابة ابنة له.

تقول نظيفة: “كان كل شيء بالنسبة لي، لقد بدأ كمدرس للموسيقى، لكنه علمني التاريخ والثقافة واللغة أيضا. كانت الموسيقى تتدفق منه. حتى في مطبخه كان يبدأ في النقر بأصابعه على سطح طاولة المطبخ”.

نظيفة محمد
Image captionنظيفة محمد

70 عاما من الأداء

وقال حديدي إنه ليس من الممكن دائما فصل الموسيقى عن السياسة، وخاصة في الأوقات الصعبة، مثل فترة دكتاتورية الرئيس السابق سياد برى التي استمرت طويلا، أو سنوات الصراع والجفاف التي استمرت طويلا أيضا، وغيرها من الأوقات الصعبة.

ويقول البروفيسور الصومالي أحمد ساماتار المقيم في الولايات المتحدة مقرا له: “كان وطنيا بنزعة مدنية راسخة، ورائدا بإمكانات لا متناهية في مجال الفن، فلقد قدم لنا العروض على مدى 70 عاماً”.

وتقول نظيفة: “إن حديدي كان ثائراً طوال الوقت، يدعم الحريات الشخصية”.

وهذه النزعة لم تلق صدى طيبا لدى الجميع، بمن فيهم والديه، اللذين لم يكونا سعداء أبدا بمسيرته الموسيقية، منذ أن كان طفلا.

وحول ذلك، قال حديدي: “كنا في حرب مع بعضنا البعض، وباتت الركلة واللكمة من أدوات لقاءاتنا. كان الأمر بالنسبة لهما كما لو أن ابنهما قرر تدمير حياته حتى قبل أن تزدهر”.

وقد أصبحت العديد من أغاني حديدي جزءا لا يتجزأ من وجدان الصوماليين، بغض النظر عن خلفياتهم، وبغض النظر عن القبيلة التي ينتمون إليها.

وكان يرى في الموسيقى وتعاليمه محاولة للحفاظ على الديمومة الثقافية رغم الانقسامات الناتجة عن 30 عاما من الصراع.

وقال: “إن قلوب الموسيقيين الصوماليين مثقلة بالحزن الذي ينبع من تاريخنا المشترك المدمر، وبالتالي خسارتنا لميراثنا الثقافي الغني”.

كما رأى أن الموسيقى وسيلة للإدراك الأشياء.

ويقول: “إن المخيلة الفنية لا تصقل نظرتنا للعالم فقط، بل إنها تمنحنا وسيلة للإدراك وللتحاور وللحلم وعيش حياتنا”.

خطاب د/جون قرنق ديمبيور الي الصادق المهدي


خطاب د/جون قرنق ديمبيور الي الصادق المهدي


السيد الصادق المهدي
رئيس حزب الأمة، ورئيس الوزراء السابق

د/جون قرنق ديمبيور

كان علي أن أدَعَ جانباً عدم التصديق، وأنا أقرأ خطابك بتاريخ 22 ديسمبر 1991م، الذي وزعته للرأي العام قبل تسلمي إياه. ومن الواضح أنك قصدت من هذا الخطاب أن تقدم عرضاً للجمهور، وطالما كان هذا هو قصدك، إذن فليكن كما تريد. لقد جاء خطابك متناقضاً ومرتبكاً، ومجافياً للحقائق، وحمل قدراً كبيراً من الادعاءات والمزاعم الكاذبة، وأعتقد أنك كنت تعرف أنني لا يمكن أن أترك مثل هذه الرسالة تمر دون رد، لقد سعيت إذن وعملت من أجل هذا الرد المستحق.

لقد استهللت رسالتك بأكاذيب صارخة عن دور حزبك، فقد قلت: «لقد اعترفت قيادة حزب الأمة منذ عام1964م بالعوامل السياسية والثقافية والاقتصادية في الأزمة السودانية التي عكستها الحرب الأهلية..» لقد كنت رئيساً للوزراء، مرتين منذ عام 1964م، ولم تُتح الفرصة لأي زعيم سياسي أو حزب سوداني مرتين خلال تاريخنا الحديث لتصحيح الأوضاع في البلاد، وبدّدها، مثلما فعلت. وحقيقة، لو كان ما ذكرته صحيحاً، لما تورطت البلاد في حربين لعينتين.. إن الشعب السوداني لا يعاني من فقدان الذاكرة. وهو يعرف حقائق التاريخ. وطالما اخترت أنت، عام1964م كبداية، إذن دعنا نراجع الحقائق بدءاً من تلك الفترة.. إن عام 1964م معروف في تاريخ الحرب الأهلية في السودان بحسبانه العام الذي حدثت فيه ثورة أكتوبر، ومؤتمر المائدة المستديرة حول ما يسمى بـ «مشكلة جنوب السودان»، والنتائج التي تمخضت عنها.. وإذا ما كانت هناك جهة واحدة تتحمّل المسؤولية واللوم حول فشل وعدم تطبيق مقررات المؤتمر ـ بغض النظر عن قيمة تلك المقررات ـ فهي حزب الأمة.

إن نصيبك من المسؤولية ـ ياسيادة رئيس الوزراء السابق ـ ضخم وكبير، لأنك من نظم ودبر – مع حسن الترابي – الدعوة الخطيرة، لأول مرة في تاريخ السودان الحديث لقيام دستور إسلامي، في بلد متعدد الأديان والثقافات مثل السودان.. ومنذ ذلك الوقت انتكست مسيرة السياسة السودانية وانحدرت حتى وصلت إلى قاع الجحيم مع وصول سلطة الجبهة الإسلامية الفاشية عام1989م. إن الشعب السوداني يتوقع منكم الاعتذار والتكفير عن مسؤوليتكم في الكارثة التي نعيشها اليوم، بدلاً من الأكاذيب والدعاوى غير الصحيحة عن أن حزبكم ظل يعترف بالتعدد الثقافي والديني في السودان. أما ادعاءاتكم عن ان حزبكم ـ وطبعاً تحت قيادتكم ـ «ظل يقوم بمهمة صعبة في ريادة الأفكار الجديدة عن التنوع.. الخ». فهي ادعاءات زائفة، بقدر ما هي مغيظة. ومن حقنا أن نتساءل ونتعجب: من إذن المسؤول عن الأفكار القديمة؟.. إن ريادة الأفكار الجديدة وصف يصعب تماماً أن نطلقه على الرجل والحزب الذي ظلت دعوته الأساسية هي فرض الأسلمة والتعريب على جنوب السودان.. وفي هذا الخصوص، دعني أذكّرك بالمحاضرة التي ألقيتها في الخليج منذ فترة ليست بعيدة، والتي ذكرت فيها، وبلا حياء، وفي العلن، عن ضرورة تعريب وأسلمة جنوب السودان.. وقد تكررت هذه الأفكار في بحثك المعنون «مستقبل الإسلام والعروبة في السودان» والذي أشرتُ إلى فقرات منه من صفحتي 114 ـ 115، في خطابي في كوكادام في 20 مارس 1986م، وقد استهللتُ خطابي ذاك بالالتماس من ممثلي حزب الأمة أن لا يُحبَطوا من صراحتي.. نحن لم ننسْ كلماتنا في ذلك الوقت، ولن نفعل ذلك الآن. ودعنا أيضاً لا ننسْ أن هؤلاء الذين ناصروا فكرة السودان الجديد، التي تريد الآن أن تغتصب أبوتها وتنسبها لنفسك، قد حوكموا في الخرطوم من قبل حكومتك، عندما كنت رئيساً للوزراء، باعتبارهم طابوراً خامساً. فإذا كان الشعب السوداني يغفر، فيجب الا نتوقع منه أن ينسى.. أن أرشيف الفترتين اللتين توليت فيهما رئاسة الوزراء متاحة للتاريخ، كما هو الحال بالنسبة لفترة المهدية، والكثير من السودانيين، خاصة الجنوبيين، لا يرغبون في تذكيرهم بهذه الفترات، وأكثر ما يثير أيضاً، إشارتك إلى دوركم في حل النزاعات بين قبائل التماس الجنوبية والشمالية. ودعني أذكر – سيادة رئيس الوزراء السابق ـ أنه لم يكن هناك عهد في تاريخ الحرب الأهلية في السودان شهد تصعيداً للنزاعات بين قبائل التماس لدرجة يصعب التحكم فيها، مثل ما حدث في عهدكم، وكانت تلك هي بداية المذابح المنظّمة التي لم تتوقف. إن المليشيات القبلية، التي يطلق عليها الضحايا من الجنوبيين اسم “المرحّلين”، من صُنع حكومتكم. وما فعلته الجبهة الإسلامية – ببساطة – أنها واصلت سياسة المليشيات القبلية الحكومية، التي بادرت بها حكومتكم، وسمّتها «القوات الصديقة». وفي نموذجكم للسودان فإن المواطنين يقسمون إلى قبائل صديقة، وأخرى غير صديقة.
إن الخلاف والنزاع حول الماء والكلأ ليس أمراً جديداً على قبائل التماس في بحر الغزال، ودارفور، وكردفان. لكنها كانت دائماً ما يتم تسويتها عن طريق زعماء القبائل، ولم ينسق أهلنا على جانبي مناطق التماس إلى سياسة التطهير العرقي المريضة. إن حكومتكم هي التي حوّلت مليشيات أنيانيا «2» إلى مليشيات قبلية حكومية، ولا بد أن حكومة الجبهة الإسلامية قد درست أرشيف نظامكم جيداً، قبل أن تصل إلى ما يسمى بـ “اتفاقية الخرطوم للسلام”. إن سجل الأعمال البشعة التي ارتكبتها حكومتكم يتضمن أيضاً اللامبالاة الواضحة تجاه مصير أبناء الدينكا الذين راحوا ضحية هذه السياسات الغادرة.. وعندما قرع اثنان من أساتذة الجامعة الوطنيين – د. عشاري أحمد محمود، ود. سليمان بلدو – أجراس الإنذار حول مذبحة “الضعين”، وبدلاً من التحقيق في هذه الاتهامات الخطيرة، اختارت حكومتكم أن تصوب ناحية حاملي الرسالة وأن تصفهم بأنهم “طابور خامس”.

وفي الحقيقة، فإن إعادة بعث الاسترقاق في مناطق التماس في بحر الغزال يمكن إرجاعه إلى عهد حكومتكم، وهي حقيقة وثّقها ببراعة الأستاذان عشاري وبلدو، وعدد من الشهود المحايدين. وبعد، هل لنا أن نفاجأ إذا توافق هذا الأمر مع خطكم؟

كذلك أشرت إلى تعاونكم معنا من أجل السلام والديمقراطية وإعادة بناء السودان، بسبب احترامك للاتفاقيات المتعلقة والتزامك بهذا الأمر، ولكن وللأسف، فهذه أيضاً مقولة لا تستند إلى حقائق. فالتعاون بيننا لم يبدأ مع قيام التجمع الوطني الديمقراطي، بل له تاريخ طويل.. ومنعرج.

ففي عام 1986م، التقينا في كوكادام، في إثيوبيا، وكان حزبكم من أوائل الأحزاب التي وقعت على إعلان كوكادام الصادر عن الاجتماع، لكن سرعان ما تنصلتم من ذلك عندما أصبحت رئيساً للوزراء. وبعد عامين، وقعنا اتفاقاً مع الميرغني «مبادرة السلام السودانية بين الحزب الإتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية عام1988م». وبرغم التأييد الشعبي الهائل للاتفاقية، كما عبر عن ذلك الاستقبال الكبير للميرغني في مطار الخرطوم بعد عودته من أديس أبابا، فإن أجهزة الإعلام الحكومية التي تقع تحت سيطرتكم، لم تجد في ذلك حدثاً يستحق التغطية وقد وفرت المناورات البارعة لحكومتكم في تعويق الاتفاقية الوقت للجبهة الإسلامية للتحضير لانقلابها وفي الحقيقة فإن ضم الجبهة لحكومتكم، وخطواتكم البطيئة نحو السلام، أعطى الجبهة الفرصة والوسيلة المناسبة لتنفيذ مخططها تحت الحصانة الكاملة. ورغم ذلك، ولإعطاء كل ذي حق حقه، فقد لعب حزب الأمة دوراً هاماً، مع الآخرين، في التوصل إلى مقررات أسمرا المرجعية في يونيو1995م. ولكن أن تنسب لنفسك ولحزبك الفضل في ضم الحركة الشعبية لتحرير السودان للتجمع، كما جاء في رسالتكم، فإن في ذلك تزويرًا وتشويهًا خطيرًا للتاريخ. إن كل الذين شاركوا في مؤتمر أسمرا 1995م يعرفون أن الحركة الشعبية كانت بمثابة الراعي والمنظم لذلك الاجتماع، والكل يعرف الدور الذي لعبته الحركة الشعبية من أجل إنجاح المؤتمر. كذلك فإن من الأشياء التي تُذهب العقل أن نقرأ في رسالتك عن فضلك وفضل حزبك على الحركة في ضمها للتجمع.. إن هذا سخف لا يمكن تفسيره أو تبريره. كذلك نسبت لنفسك الفضل في«تقديم الحركة الشعبية للرأي العام العربي الذي كان يبادلها الشكوك». إن الدول العربية التي زرتها خلال مرحلتنا النضالية، هي مصر، ليبيا، واليمن، وليس لك أو لحزبك أي دور في ترتيب هذه الزيارات. وفي الحقيقة أنك لعبت دوراً سلبياً في هذا الخصوص. إن التكنولوجيا قد جعلت من الصعب إخفاء شيء في هذا العالم، فمعلوماتنا توضح أنك لعبت دوراً معاكساً لما تقوله، وأينما ذهبت في العالم العربي فإن التقارير تقول إنك تشن حملات على الحركة الشعبية، متى ما وجدت الفرصة. ولتوضيح الحقائق، فإن عدداً من المتعاطفين مع الحركة في العالم العربي كانوا يسألوننا أسئلة محرجة مثل: “ما هي المشكلة بينكم وبين رئيس الوزراء السابق؟”.

السيد رئيس الوزراء السابق
منذ مؤتمر أسمرا 1995م، كان للحركة الشعبية وحزب الأمة علاقات عمل جيدة، داخل وخارج التجمع الوطني، لكن، ومنذ خروجك من السودان تغير المناخ داخل التجمع الوطني. لقد شعرنا برغبة في إعادة صياغة كل مواثيق ومؤسسات التجمع الوطني. وفي كثير من المرات حاولت جر التجمع لكي يبصم على مشروعك للمصالحة مع نظام الجبهة، وقد نجح التجمع في مقاومة هذه المحاولات وصدها. وفي الحقيقة، وأسمح لي هنا أن أستعير صفحة من قاموسك، فإن أعداداً من السودانيين قد حذرونا من أنك قد جئت للتجمع بصفتك «طابور خامس» للجبهة الإسلامية، وقد أشارت اتفاقيات جنيف وجيبوتي وعلاقتك المتحسنة مع الجبهة، إلى وجود شيء من الحقيقة في هذه الأقاويل. ثم مضت رسالتك لتحدد النقاط التي حدث فيها تباين في وجهات النظر بيننا، ومن جانبي يمكن أن أضيف نقاطاً أخرى. أولى هذه النقاط التي أشرت إليها كانت عملية السلام في إطار الإيقاد، والتي تريد توسيعها لتشمل القضايا التي لم تعالجها. وفي الحقيقة أن ما لم تشمله مبادرة الإيقاد ليس «قضايا» ولكن«أطراف»، وهي إشراك التجمع الوطني الديمقراطي في مبادرة الإيقاد، وإشراك مصر بحسبانها دولة لها مصالح مشروعة واهتمام بالسودان.. وفيما يختص بالموضوع الأول، فقد اتخذت هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي قراراً واضحاً يطالب بإشراك التجمع في مفاوضات الإيقاد «1998م». وقد وقعت الحركة على ذلك القرار، لكنها ذكّرت الجميع، وبلا استثناء، بأن قرار ضم التجمع إلى مفاوضات الإيقاد من اختصاص ثلاثة أطراف، هي طرفا التفاوض: الحكومة والحركة الشعبية، والوسطاء. لذلك، فمن الظلم اتهام الحركة الشعبية بعدم التعاطف مع ضم التجمع لمفاوضات الإيقاد، فقرار هيئة القيادة يوضح موقف الحركة ويحسمه بشكل واضح. ونحن من جانبنا واثقون من موقف الوسطاء من موضوع ضم التجمع للمفاوضات، لكننا غير واثقين من موقف حلفائك الجدد في الخرطوم الذين ما زالوا حتى الآن يلوذون بالصمت حول هذا الموضوع. وقد حدث فعلاً تردد، وأثيرت بعض المخاوف من قبل بعض أعضائنا من خطر ضم بعض أطراف التجمع لمبادرة الإيقاد، من أن ذلك قد يؤدي لتعطيل بعض نقاط إعلان مبادئ الإيقاد، خاصة البند المتعلق بالعلاقة بين الدين الدولة. وقد اتضح، بعد اتفاق جيبوتي، أن تلك المخاوف لم تكن بغير أساس، فقد عمد الاتفاق إلى محاولة طمس بنود إعلان المبادئ، وهو الهدف الذي قاتلت من أجله الجبهة الإسلامية بضراوة. أن اتفاق جيبوتي دمج غير شرعي بين إعلان مبادئ الإيقاد، ومقررات أسمرا، الخطاب المتناقض الذي اعتادت عليه الجبهة الإسلامية. أما فيما يتعلق بضم مصر إلى مفاوضات الإيقاد، فقد جاهدت الحركة الشعبية، وبالتشاور مع مصر، من أجل ضمها إلى منبر شركاء الإيقاد. كما أنك ادّعيت أن الحركة قد غيرت موقفها من المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة. وهذا ليس مجرد سوء فهم لموقفنا فحسب، بل تشويه له. إن موقفنا كان واضحاً دائماً، وقد أوضحناه في طرابلس عندما أيدنا المبادرة، ويمكن تلخيصه في ثلاث نقاط: (1) عدم جواز وجود مبادرتين في وقت واحد، لهذا فمن الضروري إيجاد صلة بين المبادرة المشتركة ومبادرة الإيقاد، أو التنسيق بينهما، لحرمان نظام الجبهة من عادته في التسويف عن طريق استغلال تعدد المبادرات، (2) ضرورة أن يستجيب النظام لمطالب تهيئة المناخ للحوار، بما في ذلك إلغاء قانون التوالي ورفع الحظر عن الأحزاب السياسية، (3) أن يكون للتجمع الوطني موقف تفاوضي موحد قبل الخوض في المفاوضات مع نظام الجبهة، وأن يتم مناقشة موضوع الوقف الشامل لإطلاق النار في إطار الحل الشامل.

إن كلاً من مصر وليبيا، اللذين لدينا معهما قنوات اتصال مفتوحة، على علم كامل بموقفنا. وقد ذهبت إلى القاهرة وطرابلس لشرح موقف الحركة، كما عقدت مؤتمراً صحفياً في القاهرة شرحت فيه هذا الموقف بدون أي لبس. لذلك فنحن لا نرى في نقلك وتفسيرك الشائه لموقفنا سوى محاولة لتعكير المياه بيننا وبين هذين البلدين. ولحسن الحظ فإن لهذين البلدين تاريخًا طويلاً، وهم ينظرون للمواقف بعين فاحصة، على العكس مما يفترض بعض الساسة السودانيين. وقد اتجهت رسالتك إلى جانب آخر محاولة تشويهه، وهو الوضع على الساحة الدولية: شبح الحل الدولي المفروض من فوق رؤوس السودانيين، وادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان. وقد أشرت إلى مناقشاتك مع «أطرف مهمة» في المجتمع الدولي قادتك، دون شك، إلى أن الحركة الشعبية والحكومة السودانية مسؤوليتان عن إطالة أمد الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان.

سيادة رئيس الوزراء السابق
إننا نعيش في عالم شفاف لا تخفى فيه الحقائق، ولا يمكن تمرير عبارات مثل هذه علينا، فنحن أيضاً لدينا اتصالات مع «أطراف مهمة» في المجتمع الدولي. أنا لا أعتقد بوجود أي خطر لتدخل عسكري أجنبي في السودان، كما أن نظريتك حول احتمال فرض حلول دولية على السودانيين نظرية مضللة قصدت بها خداع الغافلين، فضلاً عن أنها محاولة غير أخلاقية لتعبئة الشمال، وما يجاوره، على أسس عنصرية دينية. ولعل هذا يُعدّ من أسباب تمريرك لقضية تدويل الأزمة السودانية في إعلان طرابلس وهو الأمر الذي أثرته معك، وقلت لك إنه قضية مفتعلة ستتسبب في بذر الشقاق والخلاف داخل التجمع الوطني، وقد اعتذرت أنت عن ذلك.

ورغم هذا، فإني أود أن أؤكد للجميع، وبلا استثناء، أن الحركة الشعبية تنظيم ناضج يحتكم ويلتزم بمبادئه، وهو أمر يعرفه الشعب السوداني.. ولعدة سنوات ظل موقفنا ثابتاً في رفض الدعوات التي جاءتنا من هؤلاء «الأطراف المهمة» للقبول بوقف شامل لإطلاق النار قبل التوصل إلى حل سياسي شامل.. كما أننا لم نطلب أبداً من الآخرين أن يخوضوا معركتنا نيابة عنا.
إن مما يُذهب العقل أن تأتي الاتهامات بتدويل الحرب في السودان، من نفس الرجل الذي كان يبحث عن تدخل دولي من الأمم المتحدة يعيده إلى السلطة بمثلما حدث مع إريستيد في هاييتي. كما أن «مناحتك» التي أقمتها عن إطالة أمد الحرب تظل بلا معنى.. لقد كان من الممكن أن ينعم السودان بالسلام منذ عام 1986م لولا مراوغتك في تطبيق إعلان كوكادام في عام 1986م، ثم اتفاقية السلام السودانية في عام 1988م، دع عنك حوار الساعات التسع الذي دار بيننا في عام 1986م.

نأتي إلى إتهاماتك ومساءلاتك المدهشة لسجل الحركة الشعبية في مجال حقوق الإنسان، والأسوأ من ذلك مقارنتك لها مع السياسات المؤسسية للجبهة الإسلامية في هذا المجال. وقد أسميتها «مدهشة» لأنك آخر شخص يمكن أن يعطينا محاضرات عن انتهاكات حقوق الإنسان. فمن يعش في بيت زجاجي، يجب ألا يحصب الآخرين بالحجارة.. وبالرغم من عدم أهمية ملاحظاتك، وعدم ملاءمتها للخط العام لرسالتك، فسنرد عليها ومرة أخرى، قد سعيت من أجل إثارة هذا الموضوع وللحصول على رد عليه.. ولك ما تريد.

إن الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما تعلم، ليست حكومة ملزمة بالمواثيق والاتفاقيات الدولية المعروفة، إنها حركة تحرير تخوض حرباً من أجل قضية عادلة، لكنها، رغم هذا، تلتزم بقوانين الحرب الدولية المعروفة، وبالتعامل الحسن مع المدنيين الأبرياء، وأسرى الحرب.. وسجلّنا في هذا المجال كتاب مفتوح للجميع، خاصة أولئك الذين يعملون في محيطنا. فهناك أكثر من «40» منظمة طوعية تعمل في المناطق المحررة، وهؤلاء هم أقدر الناس على الحكم على سجلنا في مجال حقوق الإنسان، وليس أولئك الذين يقررون من أماكن قصية في العالم. لقد بنيت اتهاماتك على أقاويل، وتقارير صحفية، وتقارير لمنظمات حقوق الإنسان الدولية، معظمها مبني على الأقاويل، وتعتمد على مصادر ثانوية مشكوك فيها، كذلك يجب أن تعلم أن الحركة الشعبية تعتمد على التأييد والدعم الذي تلقاه من المجتمع المحلي، ومع هذا، وبحكم الطبيعة البشرية، فقد يقع بعض التجاوزات من المقاتلين، وعندما يتم ضبط مثل هذه التجاوزات فإن مرتكبيها يحالون للمحاكمة طبقاً للقوانين. وفي أثناء الحرب، وأنت أكثر من يعلم ذلك، فقد احتفظنا بالآلاف من الأسرى العسكريين، رغم ما يكلفنا ذلك من مشقة وجهد.. وقد توافقنا أن الانفعالات الإنسانية أكثر ما تكون في قمة فورانها، أثناء الحرب، وبالتالي فإنه أفضل وقت للحكم فيه على مدى احترام حقوق الإنسان هو أثناء الحرب. ولقد غرسنا في جنودنا مبادئ الجيش الشعبي لتحرير السودان التي تقول «إن هدف القتال ليس قتل جندي العدو، بل تجريده من القدرة على القتال».. و«إن قتل جندي العدو غير المسلح، أو بعد تجريده من السلاح، تٌعدّ جريمة».. وقد وقع في أسرنا أعداد كبيرة من الجنود كانوا تحت قيادتك عندما كنت رئيساً للوزراء.. فهل لي أن أسألك كم من جنود الجيش الشعبي أسرهم الجيش واحتفظت بهم عندما كنت رئيساً للوزراء.

إن التاريخ يقول إنه وبالنسبة لجيشك، فإن أفضل مقاتل جنوبي، حتى إذا كان مجرداً من السلاح، هو الجندي الميت. وعندما كنت رئيساً للوزراء، أعلن رئيس هيئة الأركان اللواء عبدالعظيم صديق “أن الجيش قد أسر 27 من مقاتلي الجيش الشعبي، لكن قتلهم جميعاً لإراحتهم من الألم الذي كانوا يعيشون فيه. إن مثل هذا السلوك يذكّر الجنوبيين بفترة المهدية، عندما تم إبادة قبائل جنوبية بكاملها. وطالما أنك نسيت، وصارت لديك الجرأة لدرجة أنك نصبت نفسك قيّماً على حقوق الإنسان، دعني أذكّرك بمذابح جوبا، وواو، وبور التي وقعت في الستينيات، عندما كنت رئيساً للوزراء.

إن هذه الأحداث المؤسفة تعيد للذهن ذكريات مؤلمة أخرى. إن عدم المبالاة وعدم إظهار الأسف على مصير مواطنين سودانيين، مثلك، شمل حتى أقرب حلفائك من الساسة الجنوبيين. إن قصة وليام دينق ستبقى دائماً محفورة في نفوسنا وذاكرتنا.. ولا شيء سيمحوها. إن وليام دينق، الذي يفترض أنه حليفك المقرب، قُتل ببشاعة بواسطة الجيش عندما كان حزبك في الحكم.. فماذا فعلت في ذلك؟ إن جهودك المتواصلة الدؤوبة لتقديم قتلة عمك، الإمام الهادي، أثناء حكم نميري، للمحاكمة، تعطينا صورة أخرى: أنه وفي رؤيتك للسودان فإن المواطنين ينقسمون إلى درجات، ولهذا، وحتى هذه اللحظة، فإن قتلة وليام دينق لم يُقّدّموا للمحاكمة، رغم أنك أصبحت في قيادة الحكومة مرتين، ورغم أنك تعرف هؤلاء القتلة جيداً يا سيادة رئيس الوزراء. ولا أستطيع أن أختتم هذه الفقرة في موضوع حقوق الإنسان، الذي فتحته أنت، دون أن أشير إلى«حادثة» بور التي حدثت في الستينيات، عندما كنت رئيساً للوزراء. لقد ذهبت إلى بور، وبكيت بحرقة على قبر أحد ضباط الجيش الذين قُتلوا في معركة مع حركة «أنيانيا». ويروى أنك، بطريقة أو بأخرى، أمرت الجيش بالانتقام لمقتل ذلك الضابط.. ولم يكن غريباً، بعد عودتك للخرطوم مباشرة، أن يدبر الجيش وبأعصاب باردة مذبحة يقتل فيها «30» من زعماء القبائل وسلاطينها، وكان من بينهم السلطان أجانق دوت. وبعض أبناء هؤلاء الزعماء هم قادة الآن في الجيش الشعبي لتحرير السودان وهم قد يغفرون، لكن لا تتوقع منهم أن ينسوا، ومن قبيل تفتيح الجروح وزيادة الآلام أن تأتي أنت، لتحاضرهم عن حقوق الإنسان

سيادة رئيس الوزراء السابق
أثناء مداولات المؤتمر الإفريقي الجامع، الذي عُقد بكمبالا عام1994م، قدم عدد من الأفارقة الذين يعيشون في أمريكا اقتراحاً بمطالبة تجار الرقيق الغربيين بتقديم تعويضات عن عملهم ذاك. وقد دار حوار مثمر ورفيع حول هذا الأمر، لكن في النهاية أُجيز الاقتراح الذي يطلب من أبناء تجار الرقيق تقديم هذه التعويضات. وفي حالة السودان، قدم الاستاذ محمد إبراهيم نقد كتابه الموثق عن الرق في السودان في فترة المهدية.. ولن يكون مفاجئاً أن يتقدم بعض أبناء الجنوب بطلب تعويضات من عائلة المهدي عن تجارة الرق التي تمت في عهدهم.. وربما يجب التذكير بأن بعضاً من ثورة آل المهدي الحالية كان عائدها من تجارة الرق، ويمكن توثيق ذلك من كتاب الاستاذ نقد.

إننا نتوقع منك اعتذاراً وتكفيراً عن هذا الأمر في إطار أي مصالحة وطنية حقيقية، بدلاً من هذا النوع من المحاضرات عن حقوق الإنسان التي لا تجدي شيئاً سوى استثارة الذكريات المؤلمة. إن عدم ملاءمتك للحديث عن حقوق الإنسان ليس محصوراً بالانتهاكات أثناء الحرب، سواء كان هذا في الستينيات أو في الثمانينيات، ولكن يشمل أيضاً سجلك في مجال الديمقراطية الحافل بالكثير الذي يجب ذكره. ألم تكن أنت وحزبك وراء إبعاد أعضاء منتخبين من البرلمان، وحظر حزب سياسي شرعي، وأيضاً استحداث مادة الردة في مشروع الدستور، وهي نفس التهمة التي أُدين بها شيخ الرابعة والسبعين من عمره، هو الاستاذ محمود محمد طه، وأعدامه في عهد النميري؟ إذن بأي حق تعطينا محاضرات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وماضيك وحاضرك ملطخان بالانتهاكات الفاضحة والقاسية.. مع غطرسة وتكبر.إن مشكلتك أنك تظن أن الماضي خارج الحسابات، وأن الحاضر وحده هو الذي يحاسب عليه، بينما المستقبل متروك للأقدار.

لقد زعمت في رسالتك أن الحركة الشعبية “احتفظت دائماً بمسافة تنظيمية وسياسية بينها وبين التجمع”. وأنها “كانت في التجمع،.ولم تكن فيه”. وهذا أيضاً تشويه للواقع وللحقائق. فالذين حضروا مؤتمر أسمرا 1995م يشهدون على التضحيات التي قدمتها الحركة من أجل التكيف مع التجمع وجعله يعمل، ولعل هذا يفسر التمثيل البسيط الذي قبلت به الحركة في هيئة قيادة التجمع وفي مكتبه التنفيذي.. وكان يجب عليك أن تقدر هذه الشهامة التي أبدتها وأظهرتها قيادة الحركة في مؤتمر أسمرا، بدلاً من الهجوم عليها.

كذلك أشرت إلى اقتراحاتك لتعديل هيكل التجمع، التي لاقت رفضاً واسعاً من الجميع. إنني أود أن أؤكد للجميع، وبلا استثناء، التزام الحركة الصارم تجاه التجمع الوطني الديمقراطي، سواء في الميدان العسكري أو السياسي. وفي المجال العسكري، كما تعلم، فإن الحركة هي القوة الأكبر، وهذه تضحية ليس بعدها تضحية. فهذا لم يحدث عبر نداء أجوف للهجرة لم يجد آذاناً صاغية، ولكن عبر خطة علمية مستمرة، والتزام وقيادة واعية. لكن ربما تعتقد أن المجال السياسي هو الأهم، وربما تمضي في قولك بأن حزبك هو صاحب الشعبية الأكبر في السودان.. لكني أتحدى هذا الزعم: فهل صحيح أن حزبك هو صاحب الأغلبية في السودان؟ إن الحركة الشعبية لم تدخل في أي انتخابات مع حزب الأمة، وبالتالي توجد هناك مقاييس موضوعية للمقارنة في هذا المجال، لأن مسألة «الشعبية» هنا مسألة نسبية، كما أن مسألة الشعبية الأكبر هذه، لم تنعكس في التجمع الوطني الديمقراطي. فقبل مغادرتك الخرطوم للانضمام للتجمع الوطني الديمقراطي في عام «1996م»، كان التبرير الذي يقال لنا عن ضعف حجم عملية التجنيد في حزب الأمة هو وجودك رهينة لدى نظام الخرطوم. وعندما خرجت أخيراً من السودان ووجهت نداء الهجرة لأنصارك ليلحقوا بك، لم تحدث أي زيادة تذكر في حجم التجنيد. كما تعلم، فأنا رئيس القيادة الموحدة لقوات التجمع الوطني الديمقراطي، والواقع يقول إن لواء السودان الجديد يضم بين صفوفه أعداداً من أبناء شمال السودان يفوق حجم كل قوات حزب الأمة، هذا بدون أن نذكر الجنوبيين، والذين أفترض أنهم سودانيون أيضاً.

لهذا، فأنا لا أرى أي بُعد موضوعي لزعمك بأن حزبك هو الأكبر في السودان. وإذا كان الشماليون الموجودون في لواء السودان الجديد قد قدموا أرواحهم ودماءهم طواعية فداءاً لقضية الحركة الشعبية، فلماذا لن يقدموا لها أصواتهم في أي انتخابات حرة في السودان.

إن زعمك بأن حزبك هو حزب الأغلبية في السودان، إذن ليس إلا تشويهًا جديدًا للواقع ووهم لا تسنده الحقائق.

سيادة رئيس الوزراء السابق

إن وصفك لزملائك في التجمع الوطني الديمقراطي بأنهم «حطب يابس» يعني أبعد من مجرد التباين في وجهات النظر.. إن الذين تسميهم بـ «الحطب اليابس» هم نفس القوى التي نأمل في مشاركتها مهام الفترة الانتقالية في السودان، إلا إذا كنت تعتقد أن مصير السودان أن يحكمه حزب واحد، بل رجل واحد. إن هذا أمر يتعذر إقناعنا به، وهو الذي يجعلنا نقبل أن نتعايش ونتعاون مع جميع السياسيين، حتى مع أصحاب الأوزان الميتة تاريخياً. إن الفشل في التعايش والتكيف مع وجهات نظر الآخرين، بغض النظر عن مدى اختلافهم معنا، لا تنبئ السودان الجديد بأي خير. وباعتبارك الرجل الذي يصور نفسه الآب الروحي ورسول الديمقراطية للسودان، فمن المفترض أن تكون أكثر الناس تقديراً للديمقراطية لأنها هي القوة الحاسمة القادرة على إعطاء كل شخص حجمه الطبيعي. وبالنسبة إلينا نحن الذين ولدنا كأناس عاديين، ليست لدينا أي مشكلة في التعامل مع هذه الحقيقة.

لكن، ربما كانت المشكلة مع هؤلاء الذين يعتقدون أن السماء وسمتهم بقدرات خارقة فوق طاقة البشر، تضعهم فوق بقية البشر.. هؤلاء سيفشلون دائماً في التعامل مع أي مناخ ديمقراطي، وخاصة إذا كان مثل ديمقراطيتنا التي يزينها التنوع والتعدد في مستويات مختلفة. لقد دهشت وأنا أقرأ في رسالتك إن لقاء جيبوتي كان من المخطط له أن يكون لقاء ً”عادياً”، لكنه تحول إلى شيء آخر. إنها مرة أخرى قدراتك الجلية في أن تنجز في ثلاث ساعات ما عجزنا نحن عن إنجازه خلال عشر سنوات من التفاوض مع الجبهة الإسلامية.. ويا للحسرة، فإنه لا زملاءك في التجمع الوطني الديمقراطي «اجتماع كمبالا» ولا تجمع الداخل لم يشاركوك البهجة في اتفاق جيبوتي.. كما أنك لم تكن سعيداً برد فعلهم، وهذا ما أشرت إليه بـ«الحشد المصطنع» في القاهرة.. وحسب معلوماتي، فإن حشد القاهرة هذا قد تم بمشاركة كل أحزاب التجمع الوطني. كما أن الموقف الذي اتخذه اجتماع القاهرة قد تم تأكيده في الاجتماع الذي عقدته هيئة القيادة في كمبالا، والذي تعرض فيه حزب الأمة لانتقاد شديد بسبب عثرة جيبوتي. وبالتأكيد فإن اجتماع كمبالا لم يكن، وبأي معنى، حشداً مصطنعاً، وربما لم يخيرك أحد بأن أحد الأسباب التي يقدمها السودانيون للبطء في التحرك الشعبي «الانتفاضة» لإزالة نظام الجبهة هو خوفهم من أن تؤدي لإعادة بعض أصحاب «الأوزان الميتة» للسلطة.. كما أن كثيرًا من السودانيين يلوموننا على قبولنا لبعض المسؤولين تاريخياً عن الأزمة، أعضاء في التجمع. وقد أشرت في رسالتك لزيارتي لواشنطن، واستخلصت منها ما يناسب حملتك الدعائية، وألمحت إلى أن الحركة الشعبية تعمل لحساب واشنطون. هذا بالطبع افتراءات وإدعاءات خبيثة تريد أن تشوه بها صورة الحركة لدى بعض الدوائر التي تعرفها.

والمدهش أنك لم تجد غضاضة في أن تسلم الحكومة الأمريكية نسخة من الرسالة التي بعثت بها لي، أليست هذه هي نفس واشنطون التي تحاول إبعاد نفسك منها واتهامنا بممالاتها؟

سيادة رئيس الوزراء السابق
إن الشعب السوداني يعرف تاريخ الحركة الشعبية وسجلها بحسبانها حركة وطنية مستقلة تقف ضد المظالم والتحيزات. لقد ظلت الحركة الشعبية ثابتة عند مواقفها السياسية حول كل القضايا: شروط الوحدة، والعلاقة بين الدين والدولة، واحترام التنوع والتعدد في السودان.. وهكذا سواء في واشنطون، أو القاهرة أو طرابلس، أو أي مكان آخر، فنحن متمسكون بمواقفنا المبدئية. وإذا ما اتفقت معنا واشنطون، أو أي عاصمة أخرى، في مواقفنا، فإن هذا مما نرحِّب به. ثم مضيت في اتهام الحركة الشعبية بمعارضة مشاركة التجمع الوطني في مفاوضات الإيقاد، وبتكرارها للاقتراحات المرفوضة التي قدمها المبعوث الأمريكي هاري جونستون، وكلا الاتهامين باطلان وظالمان. إن الحركة الشعبية تؤيد قرار التجمع الوطني في مارس 1998م بهذا الشأن، وقد أكدت بوضوح موقفها هذا في اجتماع كمبالا ورحبت بمشاركة التجمع في الإيقاد. ولكن بقيت إشكاليات طريقة المشاركة، وموقف الوسطاء وحكومة الجبهة. أما فيما يتعلق بالإجراءات التي اقترحتها لضم التجمع الوطني للجنة الفنية لوفد الحركة، فقد قصد به أن يكون إجراءاً انتقالياً حتى تقرر الأطراف المعنية مسألة مشاركة التجمع الوطني الكاملة في المفاوضات. ولقد كنا نتوقع أن تلاقي خطوتنا هذه المباركة والثناء، وليس اللوم، لأننا قصدنا به إيجاد وسيلة سريعة لإشراك التجمع في المفاوضات.. ولقد عقدت جولة مفاوضات واحدة بعد اجتماع كمبالا، ولو كانت دعوتنا تلك قد وجدت الاستجابة، لكان قد تم تأكيد مشاركة التجمع في المفاوضات، واختبار جدية أصدقائك الجدد في الخرطوم في قبول مشاركة التجمع.

أما فيما يتعلق بالتباين في وجهات النظر بين واشنطون والعواصم الأخرى حول مبادرات السلام، فإن هذا أمر لا علاقة للحركة به. وإن موقفنا حول المبادرة المصرية الليبية المشتركة واضح جداً، ولكنك حاولت أن تكسب بعض النقاط من خلال تعبئة هذه الدول ضدنا. إننا نرحب، وبحرارة، بالمبادرة المصرية الليبية المشتركة على أساس النقاط التي ذكرناها سابقاً، والتي تتوافق مع إعلان طرابلس ومع مصلحة وحدة بلادنا.. السودان الجديد. ولضمان المشاركة المصرية الليبية، فقد اقترحنا تكوين «منبر شركاء الإيقاد الأفارقة» والذي سيضم مصر وليبيا، إلى جانب سبع دول إفريقية أخرى.. فبحق السماء: ماهي العلاقة بين موقف الحركة الشعبية، واقتراحات وفد هاري جونستون، والتي قلت إننا كررناها في كمبالا؟. والغريب أنك أنت شخصياً استعرت شيئاً من اقتراحنا حول منبر شركاء الإيقاد الأفارقة، عندما اقترحت لـ “مؤتمرك الجامع” آلية وساطة سمّيتها «5+2» تضم جيراننا من الشمال الإفريقي والقرن الإفريقي، بمساندة منبر شركاء الإيقاد.لقد وصفت خطابي في كمبالا بأنه كان قاسياً وحاداً وظالماً. وفي الحقيقة أنه كان حاداً في موضوعيته. لقد استهللت خطابي ذاك بمقولة للدكتور فرانسيس دينق يقول فيها «إن الذي يفرق في السودان، هو المسكوت عنه». أنا اؤمن فعلاً بأن الوقت قد حان للكف عن دفن رؤوسنا في الرمال، وإخفاء خلافاتنا تحت الغطاء، نحن مدينون للشعب السوداني بأن نقول الحقيقة، وأن نتوقف عن تغطية الأخطاء بجدار مزيّف. لقد أثبتت رسالتك أننا كنا على حق، عندما ألمحت إلى أنك وحزبك فوق المساءلة لأنكم تمثلون الأغلبية في السودان. كذلك فقد زعمت عجبًا عندما قلت بأن حزبك “كان له الدور الأكبر بين الأحزاب الشمالية في إيجاد السياسات الجديدة التي تستجيب لقضايا المجموعات السودانية المهمشة”. فهذه فعلاً مقولات ضخمة تكشف كل البلاء الموجود في السودان القديم: الاعتقاد عند بعض الساسة أن لهم حقاً تاريخياً وأبدياً في ملكية السودان، إن لم يكن حقاً سماوياً مقدساً. لكن على كل حال.. شكراً لك على المقدمة. وحقيقة، طالما كانت هنالك قوى مهَمّشة، فلا بد من وجود قوى مهمِّشة. وواحد من المهمِّشين هو شخصكم، وقد قمتم بتعريف أنفسكم عبر مقولة أنكم كنتم صاحب الدور الكبير في قضايا المجموعات المهمشة. هل أحتاج إلى مزيد من القول؟!.وصفت رسالتكم اللغة التي استخدمتها في خطابي في كمبالا بأنها تبنت “اللغة السياسية لبعض المثقفين الشماليين الذي فقدوا مواقعهم والذين يرغبون في دفع الحركة الشعبية لتخوض بالنيابة عنهم معاركهم الخاسرة إن الحركة الشعبية ـ يا سيادة رئيس الوزراء السابق ـ ليست معروضة في سوق الرقيق أو سوق المواشي، وأنت أول من يعلم ذلك.. كم مرة رفضنا دعواتك لتكوين تحالف ثنائي بيننا يستبعد الآخرين؟ وبالرغم من أني لا أعرف هؤلاء الأفراد أصحاب القضايا الخاسرة، لكني أعرف جيداً إن لا أحد يمكن أن يستخدم الحركة الشعبية لتخوض له معاركه، خاسرة كانت أم غير خاسرة. إن هذا جزء أساسي من المشكلة، فبعض القوى السياسية لديها قدر من الوقاحة لتفكر أنها يمكن أن تشق طريقها نحو السلطة مستخدمة الآخرين في ذلك.كما أن هناك تلميحات فاسدة في اتهاماتك هذه، وهي أن الشماليين في الحركة الشعبية هم الذين يتولون التفكير والتنظير وهم بالتالي يضللون الحركة.. إن هذه الأفكار المضللة ليست جديدة، كما أنها ليست محصورة فيك وحدك. إنها فكرة منتشرة عند بعض القوى السياسية الشمالية التي فشلت محاولاتها في استخدام الحركة الشعبية كوسيلة للوصول للسلطة.. فما هي الحقيقة في هذا الادعاء؟ لقد أسست الحركة الشعبية لرؤيتها للسودان الجديد في ما منفستو الحركة الذي أعلن في يوليو1983م، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك شمالي واحد عضو في الحركة الشعبية. إذن فإن رؤية الحركة الشعبية “والتي تم تحديدها بدون وجود أي شمالي فيها” هي التي جذبت الشماليين لعضوية الحركة. إنه تشويه فظيع لحقائق التاريخ، إن لم يكن شوفينية متعصبة، أن يفكر أي شخص أن الشماليين في الحركة الشعبية هم الذين يتولون التفكير والتنظير.

أخيراً: وبالإشارة إلى ما سمّيته سعيك الإستراتيجي “نحو السلام العادل، الديمقراطية، الاستقرار الإقليمي، واستعادة مكانة السودان بين الأمم” إن هذه عبارات خطابية جوفاء كما تدلنا على ذلك حقائق الواقع البائس، والتي عددناها سابقاً. إن السودان الجديد الذي ينعم بالسلام والديمقراطية واحترام المجتمع الدولي لا يمكن ولادته على أيدي هؤلاء الذين يركزون جل همهم على تعبئة الخمر القديمة في قنانٍ جديدة، مهما كان جمال هذه القناني. إن المؤشرات تدل على أن مشروعك للحل السياسي الشامل هو صيغة مموهة للمصالحة مع نظام الجبهة الإسلامية، وإستسلام له، بخلاف مصالحتك مع نظام نميري في عام1977م. لقد حذرتك في خطابي في اجتماع هيئة القيادة بأسمرا في يونيو1999م من هذا المشروع البائس، وكانت نصيحتي لك أن من الأفضل أن تبقى أنت وحزب الأمة داخل التجمع الوطني الديمقراطي بدلاً من الالتحاق بسفينة الجبهة الإسلامية الغارقة.. لقد اكتفى اجتماع كمبالا بتوجيه النقد لحزب الأمة، وكما تعلم فإننا لم نضغط من أجل استبعاد حزب الأمة من التجمع، ولا يزال هذا هو موقفنا.

في الختام، أشرت إلى قلقك ومخاوفك من المتغيرات الإقليمية والدولية، ونحن في بحثنا عن السلام والعدل والمساواة منذ 1983م، لم نحد أبداً عن أهدافنا المبدئية، على الرغم من رمال السياسة الإقليمية والدولية المتحركة. نحن نناضل من أجل العدالة، المساواة لكل القوميات والثقافات، ومن أجل إتاحة فرص متكافئة وأرضية سياسية ممهدة للجميع، بغض النظر عن الدين، العرق، أو الجنس. وفي ظل مثل هذه الأوضاع فقط تتحقق الوحدة ويصبح السودان الجديد ممكناً، ولن يكون للديمقراطية معنى إلا في ظل السودان الجديد. إن هذه قيمة أساسية ثابتة وغير خاضعة للمتغيرات الإقليمية والدولية. وعلى كل، فإن تعبيراتك المبتهجة بالمتغيرات التي حدثت لصالح الجبهة الإسلامية تكشف أشياء كثيرة. ومن وجهة نظرنا، فإن العائد من التمسك بالمبادئ الأساسية أهم بكثير من العائد من ما سميته “تقلص مساحة العناد عند الجبهة الإسلامية”. إن للحركة الشعبية سجلاً حافلاً في البحث عن السلام. ومنذ أيام نميري تحادثنا مع كل الحكومات في الخرطوم، بما في ذلك حكومتك، وحكومة الجبهة الإسلامية، ولهذا فليس بمقدور أحد أن يتهمنا بأننا استئصاليون، وهذه واحدة من العبارات الطنانة التي بدأت تسود في خطابك مؤخراً، مع كلمة “تدويل المشكلة”. وقد عقدنا مع الجبهة الإسلامية وحدها أكثر من عشر جولات تفاوضية مختلفة. لهذا، فنحن نعرف، أكثر من الآخرين، طبيعة هذا الوحش، وبالتأكيد لسنا علي استعداد لقبول افتراضاتك المثيرة للسخرية، خاصة عندما يتعلق بالصورة الخداعة لنظام الجبهة «المعدل» التي يروج لها بعض اللاهثين من أجل استعادة سلطة وهمية.

في الختام ً تقبل تحياتي.

جون قرنق دي مابيور
31/يناير/2000م
ياي – كوش الجديدة ـ السودان

الإنسانية المنسية كشفته الحمض النووي في افريقيا

الإنسانية المنسية كشفته الحمض النووي في افريقيا


3 فبراير 2014
بقلم كاثرين برايتش

شعب خويسان يمشي في الأدغال الرملية
ليست معزولة: قبائل خويسان لها حمض نووي أوروبي
ارديني فان ذنداباغربخ / اعلاماي


أطلق عليه الانسحاب غير المتوقع للبشرية. أحد أكبر الأحداث في تاريخ جنسنا البشري هو النزوح من إفريقيا منذ حوالي 65000 سنة ، بداية مسيرة الهيميوثيبن الطويلة عبر العالم. تظهر الآن دراسة عن جينات الجنوب الأفريقي أنه ، بشكل غير متوقع ، أعادت هجرة أخرى الحمض النووي الغربي الأوراسي إلى الطرف الجنوبي للقارة قبل 3000 سنة.

وفقا للتفكير التقليدي ، عاشت قبائل خويسان في جنوب إفريقيا في عزلة شبه عن بقية البشرية لآلاف السنين. في الواقع ، تظهر الدراسة أن بعض الحمض النووي الخاص بهم يطابق بشكل وثيق الأشخاص من جنوب أوروبا الحديثة ، بما في ذلك إسبانيا وإيطاليا.

نظرًا لأن الأشخاص الأوراسيين يحملون أيضًا آثار الحمض النووي للنياندرتال ، فإن النتيجة تظهر أيضًا – لأول مرة – أن المواد الوراثية من ابن عمنا المنقرض قد تكون منتشرة على نطاق واسع في السكان الأفارقة.

قبائل خويسان في جنوب إفريقيا هم من الصيادين والرعاة الذين يتحدثون لغات نقر فريدة. تنقسم مجموعة جيناتهم المتنوعة بشكل غير عادي عن الآخرين قبل الهجرة الأفريقية.

الأنساب القديمة


يقول ديفيد رايش من جامعة هارفارد: “هذه مجموعات خاصة جدًا ومعزولة ، تحمل على الأرجح أقدم السلالات بين البشر اليوم”. “لقد تعاملنا معهم في الكثير من دراساتنا الجينية كمجموعات انشقت عن جميع البشر في الوقت الحاضر قبل أن ينفصلوا عن بعضهم البعض.”

لذلك لم يكن هو وزملاؤه يتوقعون العثور على علامات على الجينات الغربية الأوراسية في 32 فردًا ينتمون إلى مجموعة متنوعة من قبائل خويسان. يقول رايخ: “أعتقد أننا صدمنا”.

إن المقتطفات غير المتوقعة من الحمض النووي تشبه أكثر التسلسلات من جنوب أوروبا ، بما في ذلك سردينيا والإيطاليون وأشخاص من منطقة الباسك (انظر “العودة إلى إفريقيا – ولكن من أين؟”). اقترحت طرق المواعدة أنهم شقوا طريقهم إلى الحمض النووي للخويسان في وقت ما بين 900 و 1800 سنة – قبل الاتصال الأوروبي المعروف بجنوب إفريقيا (انظر الخريطة)

.

صورة افتراضية لعالم جديد
يمكن للدراسات الأثرية واللغوية في المنطقة أن تكون منطقية للاكتشاف. يقترحون أن مجموعة فرعية من الخوازية ، والمعروفة باسم المتحدثين بلغة خو-كوادي ، وصلت إلى جنوب إفريقيا من شرق إفريقيا منذ حوالي 2200 عام. كان المتحدثون بالخوي – كوادي – ولا يزالون – من الرعاة الذين يكسبون رزقهم من رعي الأبقار والأغنام. الاقتراح هو أنهم أدخلوا الرعي إلى منطقة كان يسيطر عليها الصيادون.

قبائل خوي كوادي
وجد الرايخ وفريقه أن نسبة الحمض النووي الأوراسي كانت الأعلى في قبائل خو كوادي ، التي لديها ما يصل إلى 14 في المائة من أصل غرب أوراسيا. والأكثر من ذلك ، عندما نظروا إلى قبائل شرق إفريقيا التي انحدر منها خو كوادي ، وجدوا نسبة أقوى بكثير من الحمض النووي الأوراسي – تصل إلى 50 في المائة.

تؤكد هذه النتيجة دراسة أجريت عام 2012 من قبل لوكا باجاني من معهد ويلكوم ترست سانجر في هينكستون ، المملكة المتحدة ، والتي وجدت جينات غير أفريقية في الأشخاص الذين يعيشون في إثيوبيا. تظهر كل من دراسة عام 2012 والنتائج الجديدة لهذا الأسبوع أن الجينات الأوراسية وصلت إلى جينوم شرق إفريقيا منذ حوالي 3000 عام. بعد حوالي الألفية ، توجه أسلاف خوي كوادي جنوبًا ، حاملين إشارة أضعف من الحمض النووي الأوراسي إلى الجنوب الأفريقي.

الآثار الثقافية معقدة وربما تكون قريبة بشكل غير مريح من المواضيع الاستعمارية الأوروبية. يقول رايش: “في الواقع لست متأكدًا من وجود أي سكان ليس لديهم [ال دي ان اي ] غرب أوراسيا”.

تقول المتعاونة في الرايخ ، اللغوية بريجيت باكيندورف من جامعة ليون في فرنسا: “كان يُعتقد دائمًا أن هؤلاء السكان هم صيادون جامعون أصليون لم يتفاعلوا مع أي شخص لآلاف السنين”. “حسننا، لا. تمامًا مثل بقية العالم ، كان لأفريقيا تحركات سكانية أيضًا. ببساطة ، لم يكن هناك كتابة ، ولا رومان ولا يونانيون لتوثيقها “.

تحريف في حكاية
هناك تطور آخر للحكاية. في عام 2010 ، نشر فريق بحثي – بما في ذلك الرايخ – أول مسودة جينوم لإنسان نياندرتال. كشفت المقارنات مع البشر الأحياء عن آثار الحمض النووي للنياندرتال في جميع البشر باستثناء واحد ملحوظ: الشعوب جنوب الصحراء مثل اليوروبا وخويسان.

هذا منطقي. بعد أن هاجر البشر الأوائل من أفريقيا قبل حوالي 60.000 سنة ، اصطدموا بإنسان نياندرتال في مكان ما فيما يعرف الآن بالشرق الأوسط. بعضها أصبح دافئًا مع بعضه البعض. مع انتشار أحفادهم في جميع أنحاء العالم إلى أوروبا وآسيا وفي نهاية المطاف في الأمريكتين ، قاموا بنشر أجزاء من الحمض النووي لإنسان نياندرتال جنبًا إلى جنب مع جيناتهم. ولكن لأن هؤلاء الأحفاد لم يعودوا إلى إفريقيا حتى العصور التاريخية ، ظلت معظم هذه القارة منطقة خالية من الحمض النووي لإنسان نياندرتال.

أو هكذا بدا في ذلك الوقت. يبدو الآن أن هجرة العودة إلى إفريقيا قبل 3000 سنة حملت إشارة وراثية ضعيفة للإنسان البدائي في عمق الوطن. في الواقع ، وجد أحد تحليلات رايخ ، التي نُشرت في الشهر الماضي ، آثار النيندرتال في حمض اليوروبا (الطبيعة ، دايو : 10.1038 / نيتشاا 12886).

وبعبارة أخرى ، ليس فقط أصل الحمض النووي لأوراسيا الغربية ظاهرة عالمية ، بل أيضًا وجود القليل من النياندرتال الذين يعيشون في الداخل

دراسات /إشكاليات الأدب الأفريقي

دراسات /إشكاليات الأدب الأفريقي


محمد البشير سميلا
مقدمة:
تدرس هذه الدراسة مجموعة من القضايا حول إشكاليات الأدب الأفريقي من حيث المفهوم والحدود والآثار المترتبة على إثبات هويته القارية فالأدبية.
“ما الأدب الأفريقي؟ هل الأدب الأفريقي.. هو الأدب الزنجي… الأدب الأسود.. أم هو الأدب المصنوع في (أفريقيا الجغرافيا) ؟
فقيمة (المسكوت عنه) في الأدب الأفريقي أكثر من (المصرح به) مما كشف عن معزل ضخم من معازل الخطاب، تمت فيه إزاحة الهوية” ([1]) .
ولذا فهو أدب اختلف حوله جدا .. وأوائل المختلفين حوله، هم الكتاب الأفارقة أنفسهم الذين نالوا حظا مقدرا من الشهرة، ذلك أولا إلى الظروف الخاصة التي نشأ فيها هذا الأدب وإلى الموضوعات والقضايا التي يعالجها من جهة وكذلك الأداة التي يلجأ إليها في التعبير ، وهي اللغة الأجنبية من جانب آخر، فكل الكتاب وعلى اختلاف مذاهبهم وآرائهم، يلجأون إلى إحدى اللغات الأوروبية، وهي غالبا لغة مستعمر لتسطير خواطرهم ومشاعرهم رغم وجود الكثيف من السمات الخاصة لهذا الأدب ، كدراسة “المأثورات الشعبية” الفولكلور، والأحاجي والأغنيات الدينية، والحكم والأمثال ووسائل التعبير في مجتمع يقوم على المشافهة.
والسؤال الماثل: كيفية التوفيق بين كل هذه العناصر المتناقضة أحيانا والتي تدخل في النص الأفريقي وإيجاد خطاب تعريفي يحدد ماهية هذا الأدب.
كيف نحكم على كاتب ما بأنه ينتمي إلى الأدب الأفريقي؟ كيف نحدد بوضوح أفريقية الكاتب؟ وما الأسس التي ينبغي الرجوع إليها في هذا الصدد؟
والمقالة في حد ذاتها لا تعطي معنا لأفريقيا السوداء –الأدب الزنجي- أو أفريقيا البيضاء، ولا تؤمن بفكرة الانتماء اللغوي للكاتب أو الأديب، بل تثبت وجود كتاب وأدباء، ذو أصول وجذور أفريقية، ولدوا وعاشوا داخل وخارج نطاق القارة الأفريقية، كما تثبت وحدة الرقعة الجغرافية للقارة الأفريقية، وأن تجزئة القارة الأفريقية إلى أفريقيا شمال الصحراء وأفريقيا جنوب الصحراء، إنما هي فكرة سياسية أكثر من كونها فكرة ثقافية، لأن الواقع الثقافي القائم على لقاء الغابة والصحراء يشير إلى غير ذلك.
“وكانت لهذه الثقافة منافذ أطلت منها على ربوع المنطقة، منها التجار، وقد تحدث المؤرخون عن طرق القوافل التجارية التي كانت تصل السودان الغربي ومصر من جهة، والتي تربط بينها وبين شمالي أفريقيا “تونس” من جهة أخرى، ثم التي تربط بينها وبين المغرب الأقصى من جهة ثالثة” ([2]).
كانت هذه العلاقة تجارية في بدايتها، وبظهور الإسلام ودخوله في السودان الغربي أصبحت علاقة دينية ثقافية في الدرجة الأولى .
وجاءت هذه العلاقة الدينية لتجعل هذه الشعوب أمة واحدة تلتمس نظم حياتها وقيمها الأخلاقية من مصدر واحد هو الإسلام
فأفريقيا وحدة موحدة بغض النظر عن اللون أو الديانة، قاعدة ومعادلة عامة ننطلق منها إلى مفهوم شامل ومانع لتعريف الأدب الأفريقي.
ولدراسة هذه القضايا المتداخلة، تناقش المقالة المحاور الأساسية الآتية:
I. حدود وتعريفات:
أ‌- تعريف الأدب الأفريقي
ب‌- أدب أفريقي أم أدب الزنجي ؟
ج – لغة الإنتاج لهذا الأدب .
د -انسب لغة للأديب الأفريقي
II. مشكلات الأديب :
أ‌- الشعور المزدوج بالغربة .
ب‌- الالتزام والتقيد بالموروث الثقافي
جـ- محاربة الفردية .
د- أخلاقية الأدب
هـ-الصراع بين السياسة والأدب .
و- التعبير اللغوي
ز- إقليمية الأدب .
III. مشكلات الدارس :
أ‌- مشكلة الأدب الشفاهى

ب‌- مشكلة المراجع
جـ- مشكلة المنهج
تعريف الأدب الأفريقي
لقد شغل مفهوم الأدب الأفريقي الأدباء والدارسين الأفارقة حتى تساءل أديب جنوب أفريقيا مازيسى كونيني ما الأدب الأفريقي ؟ هو أدب منطقة تم تحديدها عاطفيا على أساس قارى ثم راح يبحث عن أدق مفهوم لهذا التعبير فانتهى إلى القول بأن الأدب الأفريقي هو: الأدب الذي يصور واقعا أفريقيا بجميع أبعاده بما في ذلك النزاع مع القوة المسيطرة على القارة والنزاعات داخلها, سواء أكان الأديب من أصل أفريقي أم عن غيره (1).
أما الشاعر كرستوفر أو كيجبو فقد خالفه في تعريفه للأدب الأفريقي إذ يرى أنه بكل بساطة هو : الأدب الموجود في أفريقيا .
ويبدو هذا التحديد غامضا وغير دقيق إذ من الممكن أن يدخل في هذا المعنى الأدب المنتج في أفريقيا والمنقول إليها (2).
الأدب الأفريقي هو أدب المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. هذا ما أجمع عليه جمهور المستفرقين في تعريف الأدب الأفريقي، وقد نشأ هذا المصطلح إثر إجماعهم أيضا على أن الصحراء الكبرى تقسم أفريقيا إلى قسمين: قسم شمالي يضم الدول العربية الإسلامية، وقسم جنوبي يضم دول أفريقيا جنوب الصحراء “أفريقيا السوداء” (3).
ولعل أنسب التعريفات ما نجده عند الروائي النيجري تشينو أتشيبى عندما يذهب إلى أن الأدب الأفريقي مجموعة من الوحدات المرتبطة أي هو المجموع الكلي للآداب القومية والعرقية في أفريقيا (4).
ومن أروع ما قيل في تحديد مفهوم الأدب لدى الأفارقة تعريف بروفسور باتيه جانجه بأنه: الأدب على العموم هو الكلام الهادف ذو الميزات المعينة والأدوار المحددة .
وبهذا لم يشذ مفهوم الأدب لدى الأفريقيين عن المفهوم العام للأدب, حيث أن هذا التعريف بإشارته إلى “الميزات المعينة” أثبت الجانب الشعوري أي ( لقيم الشعورية).
وبإشارته إلى “ادوار محددة” أثبت الجانب التعبيري أي (القيم التعبيرية) وهذان الجانبان هما قواما العمل الأدبي أينما كان (5) .

الأدب: تعبير عن شعور الإنسان أي إنسان .

الأدب الأفريقي : هو الأدب الوليد في البيئة الأفريقية ومن أبناء هذه القارة أنفسهم معبرا عن مشاعرهم وانفعالاتهم مؤثرا في القارئ والسامع بأسلوب رفيع (6) .
وقد يرى الذين يؤثرون استخدام أدب زنوج أفريقيا أن هذا التعريف ليس مانعا لأنه يدخل آدابا لا تعد من صميم الأدب الأفريقي مثل شعوب شمال أفريقيا لارتباطهم القديم بالثقافة العربية وآدابها في الشرق وإذا أبعدنا الشبح الجغرافي عن كلمة “أفريقي” فالعرف السائد لدى المؤلفين الأفرقيين كانوا أم أوربيين أم عربا هو أن كلمة أفريقي كوصف مرتبطة فقط بثقافات وحضارات الشعوب السوداء (7) .
وإذا كان الاستعماريون ومفكروهم خلال حقب طويلة قد فصلوا شمال القارة عن جنوبها وفرقوا بين أفريقيا شمال الصحراء الكبرى وأفريقيا جنوب هذه الصحراء؛ فإننا نستخدم كلمة “أفريقيا” هنا بالمعنى الجغرافي العام الذي لا يفرق بين منطقة ومنطقة أو بين جنس وجنس أو بين لون ولون . فأفريقيا هي –وكما ينبغي أن تكون بناء على الواقع المادي المحسوس – القارة الشاسعة التي تبدأ من ساحل البحر الأبيض المتوسط في الجنوب طولا وتمتد عرضا من جزيرة مدغشقر وشاطئ المحيط الهندي في الشرق حتى سواحل الأطلسي مدة أخرى في الغرب وحدة واحدة متصلة دون تجزئة أو تمييز (8).
وبما أن الطلقات الاستطلاعية في الحملة التي استهدفت خلق أدب أفريقي جديد لم يقتصر فقط على القاطنين داخل الخريطة الجغرافية للقارة الأفريقية وإنما أطلقاها كتاب سود من الولايات المتحدة الأمريكية ومن البحر الكاريبي ومن المرجح أن أعلى هذه الطلقات وأشدها دويا تمثلت في الصيحة المألوفة لا يميه سيزير Aimé Cesaire حيث يقول :
مرحى لأولئك الذين لم يخترعوا على الإطلاق أي شيء
لأولئك الذين لم يرتادوا على الإطـــــــــــــلاق أي شيء
لأولئك الذين لم يغزوا على الإطــــــــــــــلاق أي شيء.
مرحى للفرح .
مرحى للحب.
مرحى لألم الدموع المتجسدة .
وقد وجدت هذه الصيحة صداها أول ما وجدت على صفحات المجلة الأدبية
الباريسية Volonté التي تولت نثر ديوان سيزير المعروف باسم: يومية عودة لبلدي Cahier d`un Retour au pays Natal عام 1939, ثم وجدت جمهورها شيئا فشيئا خلال السنوات القليلة التي تلت ذلك التاريخ وخلقت حركة أدبية جديدة بين الزنوج الناطقين بالفرنسية (9)
ولكي يكون تعريف الأدب الأفريقي مانعا وشاملا نقول:
ما الأدب الأفريقي؟ هو تعبير فني عن الإنسان والكون والحياة، أنتجه أفريقي أيا كان جنسه بأي لغة كان(10).
الأدب الأفريقي: هو الأدب الذي جادت به قرائح أبناء هذه القارة أنفسهم معبرا عن مشاعرهم وانفعالاتهم مؤثرا في القارئ والسامع بأسلوب رفيع بغض النظر عن الزمان والمكان (11) .
الأدب الأفريقي أم الأدب الزنجي؟

ومن الأمور التي ينبغي الوقوف عندها في مجال الأدب ذلك المصطلح المتمثل في عبارة الأدب الأفريقي فقد جرى كثيرا على الألسنة والأقلام حتى في داخل القارة. وبدأ يتخذ محتوى غريبا مغالطا انعكس فيما سمى بالأدب الزنجي. ولا مراء في أن هذا المصطلح نتاج تلقائي للأفكار المكذوبة السابقة . فضلا عن أنه فاقد المحتوى من الناحية الأدبية. ذلك أننا نصيب إذا قصدنا به إلى الدلالة على أدب القارة بأسرها في شتى لغاتها وبيئاتها لكننا نخيب إذا قصدنا به إلى الدلالة على الأدب الزنجي وإلا أنسقنا وراء تيار التضليل فقلنا أن ثمة أدبا ساميا وآخر آريا وهكذا.
بل إننا نميل إلى القول بأن ثمة أدبا أفريقيا بالمعنى العام كقولنا بأن ثمة أدبا أوربيا وآخر آسيويا , وهكذا . وبالمثل نميل إلى القول بأن ثمة آدابا افريقية بالمعنى الخاص كقولنا بأن ثمة أدبا انجليزيا وآخر صينيا وهكذا.
إن هذه الآداب الأفريقية تتصف بأنها ناشئة كلما ازددنا توغلا في القارة جنوبا بعد الصحراء الكبرى, لكن لا شك أن لكل منها تراثا خاصا يعشش في الحوافظ وينطلق على الألسن فيما نسميه بالأدب الشعبي. وهو في قارتنا بعد الصحراء يقف من الآداب المكتوبة الناشئة موقف الأدبين الإغريقي والروماني من الآداب الأوربية. (12)

لغة الإنتاج لهذا الأدب
الحديث عن الأدب الأفريقي تندرج تحته عدة إشكالات متصلة بمسألة اللغة التي ينتج بها الأديب عمله.
ذلك أن اللغات هي الحدود الفاصلة بين الآداب فالشاعر أو الكاتب تابع للغة التي ينتج وينشر بها وينسب أعماله – بغض النظر عن جنسه – إلى آداب تلك اللغة فالكاتب باللغة الفرنسية وإن كان إنجليزيا يعد أدبه فرنسيا والشاعر باللغة الإنجليزية وإن كان ألمانيا يعد أدبه إنجليزيا وقد نلقى في التراث العربي أمثلة ناصعة لهذه الصور.
وهذه المعادلة تعنى أن الأدب الفرنسي هو الأدب المكتوب باللغة الفرنسية والأدب الياباني هو الأدب المكتوب باللغة اليابانية وكذلك الأدب الروسي هو الأدب مكتوب باللغة الروسية، لكننا في ظل التعرض للأدب الأفريقي تواجهنا عدة قنوات لغوية فالقارة الأفريقية تعج بمئات اللغات بلغ بها بعض اللغويين إلى ما بين 1300 إلى 1500 لغة وكل واحدة من هذه اللغات مشحونة بالفنون الأدبية التقليدية من شعر وأسطورة وأمثال….إلخ. أضف إلى ذلك لغات الاستعمار الوافدة مع المد الغربي خلال القرن التاسع عشر على أفريقيا وتبناها ملايين البشر كلغة ثقافة وتعبير.
وقد حمل هذا التشتت اللغوي بعض الكتاب إلى رفض ما يسمى بالأدب الأفريقي وذهبوا إلى استعمال الآداب الأفريقية أو آداب اللغات الأفريقية كما فعل بروفسور ـ ألبرت زيرار في مؤلفه أو الكاتب النيجيري أو بيكان أو ومويبلا في مؤلفه” مقدمة في الآداب الأفريقية” (13).
إن الإنسان لا يفكر مجردا لكن من الناحية العملية يفكر بلغة ما وبالتالي اختلاف اللغة يوهم بفكرة تباين الآداب والثقافات .
فالأدب الأفريقي لم يطلق عشوائيا دون مراعاة محاور مشتركة ومجالات جامعة لمنتجي فنونه وصحيح أن اللغة لا تشكل بناية هذا الأدب لكن مضمون هذا الأدب الذي يترجم مشاعر مشتركة وأنماطا متناسقة تواترت عليها حياة هذه الشعوب في كل فصول التاريخ هو معيار هذا الأدب وقبل أن يبرز الاهتمام بالأدب الأفريقيين دأب المثقفون الأفارقة القاطنون في القارة أو المقيمون في مهاجر الغرب الأطلسي على استعمال عبارة الجامعة الأفريقية أو الرابطة الأفريقية للتعبير عن مفاهيم مشتركة وشعور تاريخي موحد يتعدى الأدب والتاريخ ليضرب في كيان التراث الأفريقي الذي يجمعهم والذي شاركوا جميعا في تحمل تبعاته إبان طروء الاستعمار. (14)
أنسب لغة للأديب الأفريقي:
والإشكال الآخر الذي ينطرح تحت قضية اللغة هو أنه في ظل المعركة المصيرية في أفريقيا ما هي أنسب لغة للأديب الأفريقي؟
هل هي اللغات المحلية أم اللغات الوافدة ؟

وهذه اللغات الوافدة وهي على الترتيب: الإنجليزية، الفرنسية، والبرتغالية، وبجانها أكثر من خمسين لغة أفريقية تنشر فيها ويؤلف بها معظم فنون المعرفة .
والكاتب الأفريقي من جانبه يروم إيصال عمله وفنه وراء حدود هما الجغرافية والثقافية ولكون أوربا محور العالم حاليا ومورد الحكم في جميع العلوم فهو يخطب ودها باستخدام لغاتها الوافدة إلى أفريقيا على حساب لسانه وأحيانا على حساب قيمه الثقافية .
وقد أدى هذا الإشكال إلى ظهور تيارين في أواسط المهتمين بالأدب الأفريقي فلكل وجهة نظر في مسألة اللغة اللائقة بالأديب الأفريقي. (15)
التيار الأول: يرى ضرورة استخدام الأديب الأفريقي اللغات الوافدة للتعبير عن عمله الفني ويسند أنصار هذا التيار رأيه هذه بجملة مبررات منها أنه لست هناك اللغة محلية تعم كل الشرائح الاجتماعية للبلد الواحد في أفريقا غير الصومال ناهيك عن القارة الأفريقية كلها وبالتالي استخدام الأديب الأفريقي للغة دون أخرى فيه تحديد بجمهوره وتقوقع وانحياز لفئة معينة في المجتمع وعليه تبقى أعماله قليلة الجدوى في بلده بصفة خاصة وفي أفريقيا بصفة عامة.
ومن مبرراتهم أيضا:
أنه على الأديب الأفريقي أن يضطلع بدوره في التعريف بقضايا القارة الأفريقية والتشهير بمجرمي التخلف فيها فالأفريقيين كانوا ضحايا تجارة الرقيق ثم الامبريالية والاستعمار وما زالوا أسرى العنصرية والاستبداد الغربي الذي يلفه كثير من الغموض والتلفيق فمسئولية الأديب الأفريقي يجب أن تواكب مسئولية أخيه السياسي وهي أن يصور للعالم الخارجي وبأقرب اللغات إليه من مساهمات الأفريقيين ومعطياتهم للثقافة الإنسانية وابتئاساتهم ومعاناتهم لرفضهم هيمنة الآخرين وبالتالي تتجاوز أفريقيا عتبة استيراد أصداف الآخرين وإنتاجهم إلى برج التصدير, وهكذا تفرض أدبه على روافد الآداب العالمية ويلفت الأنظار إلى خصوصيته وهذه المرحلة لا يصل إليها الأديب المتستر تحت رداء لغته المحلية الضيقة.
ويرى هؤلاء أن خصوبة أفريقيا باللغات الوافدة من البرتغالية التي يفوق عدد المتحدثين بها عشرين مليونا والفرنسية التي لا يقل عدد المتحدثين بها عن خمسين مليونا إلى الانجليزية التي تتمتع في أفريقيا بما يسميه الكاتب الكينى “علي مزروعي” بالأفروسا كسونية الذين أصبحت الانجليزية لشدة اغترابهم الثقافي لغة الأم بالنسبة لهم ولا يقل عدد المتحدثين بها عن مائة مليون شخص هذه الخصوبة تعطى الأفريقيين قابلية غزو آداب العالم عموما وأوربا خصوصا بفضل هذا الثراء اللغوي, وأن هذه اللغات أصبحت تمثل لغة التبادل اليومي فدورها طارئ مثل اللاتينية في أوربا العصور الوسطى حين احتكرت الحياة الثقافية والأدبية في دول مثل فرنسا وأسبانيا لقرون حتى بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية.
التيار الثاني : يرى هذا التيار أن دور الأدب بل مسئولية الأديب بالذات يجب أن تنطلق من شعبه ومجتمعه وأن (التشجير يبدأ من عقر الدار) كما يقول المثل الأفريقي وإلا فما قيمة الأديب إذا فقد لغة الاتصال بينه وبين العامة باستخدامه لغة الخاصة وأي قيمة إذا كان 80% ممن يستهلكون منشوراته من القراء هم خارج بلده ومجتمعه.
فلا يكتبون له وبالتالي ينظر إليهم العامة كما ينظر إلى النخبة المنعزلة في الأبراج العاجية والمجامع السياسية .
ومن جهة أخرى يرى هذا التيار أن تبنى أدباء أفريقيا لهذه اللغات الوافدة يودي بحياة الثقافة الأفريقية التي لن تجد وعاء مناسبا لها خارج الخارطة اللغوية في أفريقيا التي أوجدتها وأن اللغة أيا كانت عضو من الجسم الثقافي الذي برزت منه وغرسها في جسم ثقافي آخر غريب لا يؤدي الغرض إلا مؤقتا ومآلها إلى تشويه الثقافة وتثبيطها؛ ويستعمل شيخ أنتا جوب عبارة الاستنزاف الثقافي لتصوير خطر الاستيراد اللغوي في أفريقيا .
ويرى هذا التيار وعلى رأسه الكاتب سمبن عثمان بأن استخدام هذه اللغات الوافدة في أفريقيا كانت صدفة تاريخية لا يبقى للكاتب مبرر في مخاطبة جمهوره بها بعد زوال السبب .
ويرفض هذا التيار طرح مسألة التداخل اللغوي في أفريقيا ؛ أو عالمية اللغات الوافدة كمبرر لاستخدامها؛ ويرى أنصاره أن هناك لغات في أفريقيا عدد المتحدثين بها أكبر من عدد البريطانيين والفرنسيين أو البرتغاليين.
فالسواحيلية في شرق أفريقيا؛ والهوسا و الماندنكو من جمهورية مالي إلى تشاد تتحدث بها عشرات الملايين من الناس فواجب الأديب الأفريقي أن يعطى أولوية للغة الأكثر انتشارا في بلده؛ فليس هناك معنى أن ينشر الأديب في جنوب أفريقيا باللغة الانجليزية وهو في كوازولو؛ أو ينشر بالفرنسية وهو في السنغال مثلا حيث 95% يتحدثون الولوف ويفهمونها .
إن ليوبولد سدار سنغور كرائد كان قد طرح مشكلة استعمال اللغات الأفريقية بكل وضوح وفي نص له بتاريخ 1937 حول موضوع المشكل الثقافي مجلة ا. و. ف . يوصي سنغور فعلا بسياسية تربوية ترتكز على استعمال اللغتين (الأفريقية والفرنسية) لأنه كما يقول هو :
ليس هناك حضارة بدون أدب يعبر عن القيم وبدون أدب مكتوب ليست هناك حضارة تذهب ابعد من أبسط معرفة لخصائص الشعوب لكن كيف لنا أن نفهم أدبا محيا في لغة غير لغة البلد ؟.
وبعد ذلك وفي سنة 1945 يرجع سنغور إلى مسألة اللغات الأفريقية قائلا : أين يمكن لنا أن نجد تعبيرا أكثر أصالة عن هذه الحضارة إن لم يكن في اللغات والآداب المحلية لهذا البلد .
إن اللغة جزء مكمل للثقافة واللغة كوسيلة للتعبير وتوصيل الأفكار تشارك أيضا في تكوين نفسها وهكذا فإن استعمال الإنسان للغة أجنبية للتعبير عن ثقافته وتوصيلها ينتهي به إلى تغيير رسالته التعليمية وإلى عدم الأمانة.(16)
اللغة وسيلة الاتصال والتعبير عن الكيان الذاتي : لذلك كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين تعمل الدول المستعمرة (خاصة فرنسا) جاهدة على قتلها لنثر لغاتها وبث ثقافتها لما في ذلك من تأثير كبير في وأد الروح الوطنية أو خلق شعور بالرضى عن أفاعيل الدول الاستعمارية وكثيرا ما كان اختلاف اللغة والثقافة عاملا على نشوب الثورات والحركات الانفصالية سواء في التاريخ القديم أو الحديث.(17)

مشكلات الأديب:
1- الشعور المزدوج بالغربة: الغربة داخل الوطن نتيجة لاستئثار المستعمر بكل شيء والغربة داخل اللغة نتيجة لاضطراب الكاتب إلى التفكير بلغة أمه والكتابة بلغة مستعمر بل إن الذين أتيح لهم منذ البدء أو على مراحل أن يكتبوا بلغات أقوامهم المدونة أصلا أو التي دونت ي ظل الاستعمار قد عانوا شيئا من هذا الشعور المزدوج بالغربة نتيجة تدوين لغاتهم بأبجدية أجنبية وخضوعهم لمقاييس ومعايير السلطة الأجنبية.
2- الالتزام والتقيد بالمورث الثقافي: إن القبيلة تحدد للكاتب أو الفنان أمورا كثيرة وتلزمهما بما يسميه (مفهوم الجماعة) الذي ينشئ في الأدب – على حد قول – داثورني المحتويات الخصبة للثقافة وكذلك المسؤولية المحددة للفنان (بكل معاني الكلمة) إزاء هذه المحتويات.(18)
أصبح الدور الذي يلعبه الأديب الحديث مشابها جدا لدور الفنان الشفاهي فقد ظهر الأدب الشفاهي لأن الجماعة كانت تحتاجه لتوظيفه في الميلاد والختان والزواج والموت .
أما الأدب المكتوب فلم تكن الجماعة في حاجة إليه كحاجتها إلى الأدب غير المكتوب لأنها كانت جماعة لا تعرف القراءة والكتابة.
كان الكاتب أو الفنان التقليدي – ومازال – مشغولا بالقيم قبل أي شيء آخر ولذلك أطلق عليه اسم ” ضمير قومه وجماعته” وكان يوظف دائما كما يقول الشاعر والمسرحي النيجيري وولي سوينكا كمسجل لأخلاق مجتمعه وقومه وكذلك كصوت للرؤيا في عصره فهل تغير الوضع مع الكاتب الحديث إبان السيطرة وفي ظل الحرية والاستقلال ؟
يقول الروائي النيجيري تشينو أتثيبي عن وظيفة الكاتب في أفريقيا المعاصرة (من الواضح لي أن الكاتب الأفريقي المبدع الذي يحاول تجنب القضايا الاجتماعية والسياسية الكبيرة في أفريقيا المعاصرة سينتهي إلى أن يكون غير ذي موضوع مثل ذلك الرجل السخيف في المثل الشعبي “الذي يترك البيت المحترق كي يطارد فأرا هاربا من اللهب” . ويقول الروائي السنغالي عثمان سمبين: ((حين يبدع الأديب فهو لا يفكر في العالم وإنما يفكر في بلده)) .
3- عليه أن يحارب الفردية التي تفشت مع السيطرة الاستعمارية والغربة التي يحسها كثيرون من مواطنيه أو يحسها هو نفسه نتيجة للتغيرات المستمرة في بلده. (19)
4- عليه أن يحارب مظاهر القيم الغربية التي تجتاح كثيرا من الدول الجديدة في قارته.
ومن أبرز ما دعا إليه المذهب الغربي في الأدب هو تحرير الأدب من طابع الأخلاق ودفعه إلى تصوير الغرائز والأهواء في غير ما قيد وذلك باسم (حرية الأدب) التي أطلق عليها مصطلح (الفن للفن ). (20)
5- عليه أن يحارب الصراع الحالي بين السياسة والأدب وهو صراع جعل الأدب تابعا للسياسة والساسة وجعل الأديب يتجاهل الواقع الخصب ويتنازل عنه مرغما لصاحب الرؤى الجديدة أي السياسي .
6- التعبير اللغوي: مشكلة التعبير باللغة الأجنبية الوافدة فمازال الكاتب خارج مجال لغتنا في أفريقيا يفكر كأفريقي ويكتب كأوربي إذا كان يستخدم لغة أوربية أو يشعر بالقلق لضآلة جمهوره إذا كان يكتب بلغة أفريقية مدونة وفي كلتا الحالتين يعاني من ضيق رقعة القراء الناتجة عن ارتفاع نسبة الأمية. (21)
7- إقليمية الأدب: كانت نظرية إقليمية الأدب من أخطر ما تناوله دراسات الأدب الحديث ودعت إليه المذاهب الوافدة وعلينا أن نفرق بين تقرير تأثير البيئة في الأدب وهذا مالا اعتراض عليه وبين القول بإقليمية الأدب وهذا شيء آخر إن واقع الأدب في الماضي القريب والبعيد يثبت أن هذه الآثار لا ترجع إلى قطر من الأقطار أو إقليم من الأقاليم فالمتنبئ مثلا ولد في الكوفة وعاش في بغداد وحلب ودمشق وآثاره لا تعتبر محصولا لأي إقليم من تلك الأقاليم وأثره لم يقتصر على إقليم ما بل شمل جميع الأقطار وغيره كثيرون على هذا النحو. (22)
مشكـــــلات الدارس:
إذا كان الأديب يعاني من مشكلات فإن دارس هذا الأدب يعاني أيضا من بعض المشكلات التي تتعلق بالموضوع أو تتعلق بالمنهج وهذه المشكلات في ثلاث على النحو التالي:
أولا : مشكلة الأدب الشفاهي
يقول الدكتور الدوري: “إن الحياة القبلية تتسم بالمحافظة على التقاليد وليس لديها إلا فكرة مشوشة محدودة عن الوقت، فالزمن لديها منقّط بحوادث الكبرى تتخذ عادة بدايات للتاريخ أو التوقيت، وحين تأتي حادثة مهمة يهمل ما قبلها ويؤرخ بها ، وكانت القبائل في بعض الأوقات والأماكن على صلة بثقافات أخرى، إلا أن اهتمامها اقتصر على شؤونها الخاصة.
ولم تترك الفترة الجاهلية أدبا مكتوبا، فهي فترة ثقافية شفوية، وما أن تراثها على العموم أدى إلى استمرار الاهتمام بالأيام والأنساب وإلى بقاء أسلوب في الرواية هو الأسلوب القصصي شبه التاريخي، إلا أنه يخلو من أية نظرة تاريخية (23).
وكان لسونجاتا شهرة في أقاصيص مال الشعبية، لقد كان رجلا عظيما بكل ما في هذه الكلمة من معنى، كان صانع قدر لأمته (24).
والصحيح هو أن الرواية الشفهبة هي باختصار تلك الذكريات المتعلقة بالماضي، لقد اكتسبت شهرة واسعة في حضارة معينة، أما الروايات غير المعروفة بشكل واسع فيمكن اعتبارها بحق كشهادة وإذا كانت ذات علاقة بأحداث وقعت منذ زمن قريب فهي تدخل ضمن مجال التاريخ الشفهي (25).
إن الرواية الشفهية لا تزال موضع جدل كمصدر تاريخي، وإن كان هذا الجدل يخف شيئا فشيئا (26).
أليست الرواية التاريخية من جهة أخرى ومن جهة نظر التأريخ الزمني والمنطق سابقة للكتابة ؟ ففي البدء كانت الكلمة ثم أن الرواية تقدم لنا أحيانا شواهد نابعة عن التجربة (27).
والواقع أننا عندما نتحدث عن التراث الأفريقي أو التاريخ الأفريقي فإننا نعني التراث الشفهي، ولا جدوى من أي محاولة للتغلغل في تاريخ أو وجدان الشعوب الأفريقية إن لم نعتمد على هذا التراث الذي بذلت في سبيل المحافظة عليه كل مقدرة وفن، فانتقل بكل مثابرة من فمّ إلى أذن، من معلم إلى مريد، خلال العصور (28).
هذا التراث لم يضع بعد، ولكنه يقر في ذاكرة آخر جيل من أجيال الحفظة الذين يمكن أن يقال عنهم: إنهم “ذاكرة أفريقية الحية” (29).
ويبقى أمامنا أن نعرف نوعين من التأريخ الشفهي: وهما التاريخ الشفهي والرواية الشفهية، وبالرغم من اختلاف هذين المصطلحين (حيث أن أحدهما هو ضرب من ضروب النشاط الإنساني والثاني نوع من المصادر) إلا أنهما يستعملان بشكل منتظم متبادل أي أن أحدهما يستعمل مكان الآخر ، وينطبق التأريخ الشفهي كما يستعمل في الوقت الحاضر على دراسة الماض القريب وذلك عن طريق استعمال التواريخ المدونة والمذكرات الشخصية حيث يتكلم الرواة عن تجاربهم الشخصية (30).
لا شك أن الأدب المكتوب باللغات الأوربية أو الأفريقية يشكل مساحة ضئيلة على خريطة التعبير الأدبي في أفريقيا خارج مجال العربية ولا شك أيضا أن هذه النسبة الضئيلة تعد أحدث وأقل شهرة من تلك المساحة العريضة التي يحتلها الأدب الشفاهي الذي لا يعرف مؤلفا محددا وتتناقله الشفاه من مكان إلى مكان ومن جيل إلى جيل وهو أدب عده البعض ركيزة للأدب الحديث المكتوب أشبه بالأدبين الإفريقي والروماني في كونهما ركيزة للأدب الأوربي الحديث.
وعلى الرغم من أن الأدب الشفاهي بدء جمعه على أيدي الأوربيين منذ نحو قرن إلا أن عملية البحث فيه ودراسته ما زالت في مرحلة مبكرة جدا وقد جاء على القارئ غير الأفريقي – الأوربي بصفة خاصة – حين من الدهر كان يقبل فيه على منتخبات هذا الأدب الشفوى إقبال جمهور السينما على أفلام الأدغال وطرزان وكان المعقبون على هذه المنتخبات في الصحف يحيونها ويصفونها بأنها تأخذ القارئ إلى عالم غريب مجهول.
هكذا أصبحت دراسة الأدب الشفاهي مشكلة أمام الدارس على الرغم من أنها دراسة واجبة وضرورية لفهم الأدب المكتوب نفسه .
ثانيا : مشكلة المراجع :
لا شك أن الأدب المكتوب حل هذه المشكلة حلا عمليا بما أتاحه للقارئ والدارس معا من فرص الاطلاع والبحث كما ساعدت البليوغرافيا من ناحية أخرى على حل المشكلة بما أتاحته من قوائم وفهارس منظمة باللغات الأوربية وكذلك ساعدت الترجمة على تيسير المراجع بالنسبة للغات الأوربية بصفة خاصة. ومن ذلك فإن جانبا هاما من هذا الأدب المكتوب بلغات أفريقية مازال بعيدا عن متناول الدارس غير المتخصص في هذه اللغات .
ولا شك أن الأدب الشفاهي غير المكتوب لم يجمع حتى اليوم بطريقة شاملة ومنظمة وهو أمر يملكه الأفريقيون أنفسهم غير أن المشكلة في النهاية مشكلة المراجع تظل عقبة حقيقية أمام الدارس.
ثالثا : مشكلة المنهج :
على الرغم من الوفرة النسبية في الأعمال الإبداعية للأفريقيين وعلى الرغم أيضا من الامتداد الزمني الطويل نسبيا لتاريخ هذه الإبداعات ومن وفرة المنتخبات التي جمعت أعمالا مختلفة من الأدب الشفاهي إلا أن حجم الدراسات التي عقدت حول الأدب الشفاهي والأدب المكتوب معا مازالت محدودة للغاية. ومازالت أيضا تعتمد اعتمادا كبيرا على المستفرقين.
ولقد مضى حين طويل من الدهر كان النمط السائد في دراسة الإبداع الأدبي فيه هو المنتخب أو كتاب المختارات الذي يجمع فيه محرره عددا من الأعمال الأدبية يقدم لها بمقدمة من عنده أو يعهد بها سواه مثلما فعل سنغور في (منتخب الشعر الزنجي والملاغاشي الجديد في اللغة الفرنسية) (1948) الذي كتب مقدمته جان بول سارتر أو ما فعله زميله داماس في منتخبه
(شعراء يكتبون بالفرنسية) (1947) أو ما فعله ماريو أندرادي في منتخبه (منتخب الشعر الزنجي بالبرتغالية) ( 1958) أو ما فعلته آن تيبل في كتابها (الأدب الأفريقي بالانجليزية) (1965) وغير ذلك من كتب كثيرة اتخذت شكل المختارات مع مقدمة وصفية أو تاريخية أو تحليلية.
ظل هذا النمط سائدا حتى منتصف الستينيات تقريبا حين استقرت أوضاع كثير من الدول الأفريقية وأنشئت دوريات أدبية رافقت ظهور الجامعات الجديدة وأقسام الأدب التي انتشرت في شرق القارة وغربها. وعندئذ بدأ في الظهور نمط آخر من الدراسة الشاملة المتأنية التي توخت التحليل والمقارنة للأدب المكتوب للغات الأوربية واتخذ هذا النمط صورتين أساسيتين: صورة المقال أو البحث الموجز وصورة الكتاب .
أما صورة المقال والبحث الموجز فقد تولت نثرها الدوريات أو منتخبات الدراسات النقدية مثل (الدراما في أفريقيا) وهو مجموعة من المقالات النقدية نشرت عام 1976م ضمن سلسلة (الأدب الأفريقي اليوم) التي تصدرها دارها ينمان الانجليزية أو المقالات التي تنشرها مجلة (الوجود الأفريقي). وهي تصدر بالفرنسية في باريس.
وأما صورة الكتاب الذي يخصص لدراسة ظاهرة الأدب الجديد في أفريقيا فهي أقل كما من الصورة السابقة ومن أمثلتها كتاب ( الأدب الأفريقي في القرن العشرين ) الذي ألفه أوسكار رونا لد داثورني ( 1976م) واستغرق عشر سنوات في وضع أصله المطول بعنوان (العقل الأسود: تاريخ الأدب الأفريقي)(31). .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أستاذ الأدب الأفريقي بكلية الآداب واللغات
والمدرسة العليا لإعداد المعلمين
باماكو – مالي

مفهوم سنكوفاا

مفهوم سنكوفاا
سنكوفاا هي كلمة اكان (غرب أفريقيا) تتكون من ثلاثة أجزاء: صان (“ريتين “) و قو (“كوو بااك”) و فا (“فيتش / اكستراك”). إنه رمز ومبدأ يعمل على تذكيرنا بأن الماضي “مورد” وليس مجرد “مرجع”.

تفسير مختلف

إنها ناضجة بالمعنى للأفارقة. أحد التفسيرات ، من بين العديد ، هو “العودة إلى الماضي واستعادتها”. آخر هو “العودة إلى المصدر”.

وبالمثل ، يمكن تفسير سنكوفاا على أنه أمر قضائي “للتعلم من الماضي” وأخيرًا على أنه “لن ننسى الماضي والمسار الذي صنعته عند المضي قدمًا.”
صانكوفا


سنكوفاا

الشكل البصري النموذجي هو طائر يقف أو يمشي إلى الأمام بينما يعود إلى الخلف برأسه في ريشه.
يقال أن الطائر يزيل شيئًا ما من ذيله ، أو يبحث في ريش الذيل ، أو يهيئ نفسه. هناك ما لا يقل عن خمسة معاني مرتبطة بهذا التمثيل من سنكوفاا
قراءة المزيد
التجسد داخل المجتمع الإفريقي
قوة سنكوفاا: تعرف على التاريخ
أولا ، يقترح قيمة التفكير في الماضي.
ثانيًا ، يقترح أيضًا شخصًا يتأمل بوعي ذاتي قبل المضي قدمًا في اتخاذ قرار.
ثالثًا ، يمثل تعريف الذات والهوية والرؤية. رابعاً ، إنه يمثل فهم المصير الشخصي والدعوة الجماعية. أخيرًا ، خامسًا ، يقال إن سانكوفا تمثل إعادة ملكية شيء منسي ، أو في غير مكانه ، أو مفقود.

وصف الطائر

بالإضافة إلى ذلك ، يبدو أن رأس الطائر يلتقط بيضة ، مما يشير أيضًا إلى أن المسار الذي قطعناه يحمل القدرة على فهم الحاضر ووعد المستقبل.
يصف عملية مستمرة ومبدأ وقيمة الانتعاش التاريخي والثقافي.
على الرغم من أن تقييم الماضي هو جزء من التقاليد والتراث الأفريقي العام ، فإن العودة إلى وادي النيل ، كجزء من عملية الانتعاش التاريخي ، له أهمية خاصة للأفارقة اليوم ، خاصة بعد تعرضهم للمحرقة وتحولاتها اللاحقة في أشكال أخرى من الظلم.
رمز سنكوفاا


رمز سنكوفاا
يرى العديد من الكتاب والقادة والمفكرين أن الانتعاش الثقافي والتاريخي ضروري للتنمية المستقبلية القائمة على السلامة الثقافية للأفارقة كشعب. يشير المصطلح إلى التعافي التاريخي وهو ناضج مع الاستعارات الجاهزة للفك.
في عصر يتم فيه إخبار المنحدرين من أصل أفريقي بأن ماضيهم في أحسن الأحوال لا صلة له بالحاضر وفي أسوأ الأحوال غير موجود ، لا يستحق المناقشة ، أو ليس له أي تأثير على الحاضر.
يخدم هذا المفهوم العميق الغرض المفيد لتذكير المنحدرين من أصل أفريقي بالتزامهم الأخلاقي بتذكر وتضحية تضحيات الماضي ، وعدد لا يحصى من الأرواح والأجداد الذين عملوا وعانوا بشكل هائل في المزارع ، حتى نتمكن من عيش الحياة التي نريدها و تستحق أن تعيش.

سنكوفاا كعملية ومبدأ لاستعادة وظائف التاريخ كتذكير بأن الماضي ليس مجرد مصدر مرجعي للأصول والتحف ، ولكنه مصدر للنماذج ، أي نماذج مثالية للفكر والعقل والأخلاق والممارسة.
الماضي ، إذن ، يقدم لنا نموذجًا للتميز ، في حين يوفر لنا التاريخ العديد من الدروس التي تعلم مفهومنا الذاتي الحالي وهويتنا الاجتماعية

“غرق أرض الأجداد”: في السودان يقاتل شعب قديم لوقف ثقافتهم وتراثهم من الاندثار

“غرق أرض الأجداد”: في السودان يقاتل شعب قديم لوقف ثقافتهم وتراثهم من الاندثار


بقلم د. أماري جاكسون –

28 فبراير 201809340

مواقع النوبة
أهرامات مروي النوبية في السودان (صورة غيتي) الائتمان: سورين فوركوي


تقع بلدة العمارة السودانية التي تجتاحها الرمال على بعد عدة ساعات شمال الخرطوم بالسيارة – على بعد 100 ميل جنوب الحدود المصرية. على الرغم من أن النصف الغربي ، عمارة غرب ، يظهر الآن على أنه امتداد مقفر من الصحراء مع نشاط قليل ، فقد كان الموقع ذات مرة جزيرة مقيدة بالنيل إلى مملكة كوش النوبية القديمة وكان بمثابة العاصمة الإدارية للنوبة العليا. وتحت الرمال التي لا نهاية لها والتي يبدو أنها تهيمن الآن على المنطقة تكمن بقايا استثنائية لهذا الشعب القديم ومجتمعاتهم وممارساتهم الثقافية واليومية.

على مر السنين ، من خلال الحفريات المتفرقة ، اكتشف علماء الآثار في شمال السودان آلاف القطع الأثرية ، بما في ذلك الأهرامات والمقابر المزخرفة والمباني الدائرية ذات الغرف الكبيرة والأرضيات المعبدة والفيلات ذات قطع الأرض التي يبلغ عمرها أكثر من 3000 عام. نظرًا للاهتمام الأخير بالمنطقة من قبل المتحف البريطاني واستخدامهم لتقنية المغناطيس المتقدمة لقياس أنماط الطاقة المنبثقة في المعالم تحت الأرض ، تم اكتشاف تلال دفن إضافية ومعابد حجرية وهياكل مشتركة وقواعد أهرامات تحت الرمال.

أفاد المتحف البريطاني كجزء من مشروع غرب العمارة البحثي: “كشف المسح المغناطيسي لعام 2008 عن الضاحية الغربية غير المعروفة حتى الآن ، مع سلسلة من الفيلات الكبيرة”. “تم حفر أحد هذه المباني في عام 2009 ، وتميزت الغرف بغرف واسعة النطاق لتصنيع الحبوب وطهي الخبز ، فضلاً عن المناطق الخاصة ذات الأرضيات المرصوفة بالطوب والجدران المطلية باللون الأبيض.”

ومع ذلك ، فإن ما تبقى من هذه الكنوز التاريخية المغمورة قد لا يستعيد النور. خططت الحكومة السودانية لبناء ثلاثة سدود كهرومائية في المنطقة في كجبار وشريك ودال لتوليد الكهرباء من وادي النيل ، وهو الجزء الوحيد من الأراضي الخصبة في شمال السودان. على الرغم من أن ثلثي السكان يفتقرون إلى الكهرباء ، إلا أن الخزانات الضخمة التي أنشأتها المشاريع ستحمل عواقب وخيمة ودائمة على المنطقة. سيخلق مشروع كجبار وحده خزانًا مساحته 110 كيلومترات مربعة أثناء غمر حوالي 90 قرية ، وتشريد أكثر من 10000 من السكان ، وغسل أكثر من 500 موقع أثري ، بما في ذلك الآلاف من النقوش الصخرية التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث إلى العصور الوسطى.

احتج سكان النوبة منذ فترة طويلة على هذه الخطط حيث بدأت الحكومة السودانية في جذب الشركات الصينية إلى اقتراح البناء منذ أكثر من عقد. في عام 2007 ، قتلت قوات الأمن الحكومية أربعة وجرحت عشرات من السكان احتجاجا سلميا على سد كجبار المقترح ، وهو عمل وقح انتقدته الأمم المتحدة بأنه “قوة مفرطة” مع “اعتقالات تعسفية وملاحقات قضائية لخنق احتجاجات المجتمع ضد سد كجبار”. في عام 2010 ، منحت الحكومة عقدًا مدته خمس سنوات بقيمة 705 ملايين دولار لبناء سد كاجبار لشركة سينوهيدرو الصينية ، وأكبر مقاول للطاقة الكهرومائية في العالم. ومع ذلك ، فقد المشروع زخمه بسبب مزيج من المقاومة الشعبية والسياسة والمال حتى أواخر عام 2015 ، عندما أقنع الرئيس السوداني عمر البشير المملكة العربية السعودية بتمويل بناء السدود الثلاثة )

يعتقد الكثير من السكان أنه إلى جانب الحصول على موارد معدنية إضافية مثل الذهب وخام الحديد ، فإن مشاريع السد هي طريقة البشير في تدمير التراث والثقافة النوبية والمعارضة من خلال النزوح و “التعريب” ، والانتشار المتعمد للثقافة واللغة العربية. والهوية والإسلام للسكان غير العرب. اتهمت المحكمة الجنائية الدولية الزعيم المثير للجدل في عام 2010 بثلاث تهم بالإبادة الجماعية في دارفور ، حيث اتهم بمحاولة القضاء على مجموعات عرقية غير عربية في المنطقة ، حيث مات مئات الآلاف وتشريد الملايين. في نفس العام ، قبل أسابيع فقط من الاستفتاء حيث اختار الجنوبيون الانفصال عن البلاد ، ألقى البشير خطابا في قرية القضارف الجنوبية الشرقية حيث أوضح ، “إذا انفصل جنوب السودان ، فسنغير الدستور. ستكون الشريعة والإسلام المصدر الرئيسي للدستور ، والإسلام هو الدين الرسمي واللغة العربية اللغة الرسمية “.

من جانبهم ، النوبيون ، وهم شعب ذو جذور قديمة في كل من مصر والسودان الحاليين ، لا يخططون للتخلي عن أرضهم أو ثقافتهم دون قتال جاد ، خاصة بالنظر إلى مقدار ما عانوه بالفعل من مشاريع البناء هذه. تم الانتهاء من مشروع سد مروي في السودان في عام 2009 ، مما أدى إلى زيادة الكهرباء في البلاد ، لكنه أدى إلى تشريد وإفقار أكثر من 50000 من السكان الأصليين من وادي النيل. لم يحصل الكثير من النازحين على الكهرباء أو التعويض الذي وعدت به حكومتهم. ولم تكن هذه هي المرة الأولى ، حيث ضاعت بالفعل مناطق نوبية كبيرة في مصر بسبب مشاريع مماثلة.

صرحت جمعية النوبيين ، وهي مجموعة تعارض المشروع ، في بيان صدر في نوفمبر 2015: “لن نسمح أبدًا بأي قوة على الأرض لطمس هويتنا وتدمير تراثنا وأمتنا”. “لن يلعب النوبيون دور الضحايا أبداً ، ولن يضحيوا أبداً للمرة الثانية لتكرار مأساة سد أسوان”.

أدى بناء السد العالي في أسوان في مصر منذ أكثر من نصف قرن إلى إغراق مئات المواقع الأثرية في حين نزح أكثر من 100.000 من السكان من منازلهم ، الكثير منهم من النوبيين.

“إذا كان بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي بمثابة تحذير ، إذا صح التعبير ، فستكون التداعيات رهيبة ، ليس فقط بسبب فقدان عدد لا يحصى من القطع الأثرية والمعابد والمقابر ، ولكن أيضًا وأكد أنطوني برودر ، مؤرخ ثقافي ومؤلف ومستشار تعليمي قام بالبحث في المواقع القديمة في شمال السودان عام 2015 ، بسبب تأثيره على البيئة والحياة البشرية. وقد سافر المحاضر الدولي الشهير إلى مصر 55 مرة وأجرى 23 بعثة أثرية. إلى المنطقة منذ عام 2009. يقوم برودر حاليًا بحفر مقابر سلالة 25 من النبلاء الكوشيين في مصر كأول أمريكي من أصل أفريقي يقوم بتمويل وتنسيق حفر أثري في البلاد.

وأشار برودر إلى العواقب الوخيمة والمستمرة في مصر ، بما في ذلك “تهجير جماعي لعشرات الآلاف من النوبيين من وطن أجدادهم” ، وهو ارتفاع منسوب المياه الجوفية التي تتسرب الآن إلى المياه وتذوب في العديد من الآثار الحجرية التي لا تقدر بثمن في البلاد ، والآثار البيئية الإضافية التي لوثت النيل ، وأعاقت الزراعة المحلية وارتبطت بزيادة معدلات الإصابة بسرطان البنكرياس. وكشف برودر: “لقد فقدت صديقين مصريين مقربين للغاية بسبب سرطان البنكرياس خلال السنوات الثماني الماضية” ، مشيراً إلى أن “نفس النوع من الأشياء سيحدث في السودان عندما تأتي هذه السدود الأخرى عبر الإنترنت”.

كتأكيد آخر للتاريخ على المحك ، أدى الجهد الدولي في الساعة الحادية عشرة الذي دفعته أسوان لإنقاذ أكبر عدد ممكن من القطع الأثرية إلى أحد الاكتشافات العظيمة في التاريخ الأثري. في عام 1962 ، كشف فريق بحثي بقيادة كيث سيل من المعهد النوبي للبعثة الشرقية بجامعة شيكاغو عن سلالة فرعونية في السودان سبقت الفترة الفرعونية الأولى في مصر. ومع ذلك ، دفن سيلي نتائجه غير العادية من قطسول (تاستي) التي تضمنت بدايات نظام ميدو متر للكتابة المقدسة الذي أطلق عليه اليونانيون فيما بعد “الهيروغليفية” ، وموقد بخور بعلامات فرعونية ، والتاج الملكي للجنوب المرسوم على رؤوس عشرات من الفراعنة قبل التوحيد والفراعنة الأولى لمصر القديمة (كيمت). ما يقرب من عقدين من الزمن ، سيؤكد هذا الاكتشاف أيضًا الأسس الإفريقية السوداء الموثقة جيدًا ونسب السلالات المصرية الفرعونية على الرغم من الحملات المستمرة والمثيرة للشفقة من قبل مؤسسة علم المصريات البيضاء والعربية للمطالبة بخلاف ذلك.

وأوضح برودر ، أنه خارج هذا الاكتشاف التاريخي ، فإن ما جعل الموقف أكثر أهمية هو أن المعهد الشرقي “اكتشف اكتشافات رفضت سيلي إطلاقها. فقط بعد وفاته في حادث سيارة ، قام رفيقه بروس ويليامز بتسليط الضوء على هذه المعلومات “. وأضاف برودر: “لولا وليامز ، لما عرفنا عن تاستي ، أقدم ملكية معروفة للإنسان ، مبخرة قسطول وغيرها من الأدلة التي أثبتت تأثير الكوشيين على حضارة زنجية (المصرية القديمة). . “

ومثل هذا التاريخ الثري بحاجة مرة أخرى إلى الإنقاذ. قال برودر: “عندما كنت في السودان قبل عامين ونصف ، وجدنا أنه تم بناء عدد من المواقع في الواقع خلال الأسرة الثامنة عشرة عندما كان المصريون يسيطرون على ذلك الجزء من النوبة ، ذلك الجزء من كوش”. ومع ذلك ، شدد على أن الثقافات الكيمتية والكوشية سجلت اعتقادهم المشترك بأن جبل البركل في شمال السودان كان موطن وموطن النيتيرو الرئيسي – الذي يُترجم بشكل فضفاض على أنه “آلهة” أو آلهة – آمين وجيهوتي وأوسار وأوسيت. لا تزال آثار معبد آمين مرئية في جبل البركل حتى اليوم. لذا ، اقترح برودر ، “من المنطقي أن أقدم المعابد لأمين وأوسار وأوسيت موجودة في كوش وإثيوبيا وربما لم يتم حفرها بعد”.

ومع ذلك ، حتى مع التهديدات الخطيرة والمستمرة لهذه المواقع التاريخية الثرية في السودان الحالي والثقافة النوبية القديمة التي تعكسها وتبجلها ، فإن تفاؤل برودر يعكس القول المأثور “الحقيقة التي سحقت على الأرض ستظهر مرة أخرى”.

وأصر برودر على أن “هناك الكثير من الأشياء التي لا يمكن إخفاؤها أبدًا” ، مشيرًا إلى أن هذا التاريخ القديم والوحي “بدأ في الظهور ببطء ، على الرغم من الجهود المتعمدة أو غير المقصودة من جانب الناس لتغطيته.”

الغزو العربي لشمال إفريقيا ( أرقام ودلائل

الغزو العربي لشمال إفريقيا ( أرقام ودلائل )

الطيب آيت حمودة

ارتأيت جمع المشتت من المعرفة ، وبناء فكرة مجملة على موضوع الغزو العربي لشمال إفريقيا ، قصد قراءته قراءة موضوعية وفق منظور أفقي وعمودي ، قد نصل من خلاله معا إلى استنتاجات تظفي على الموضوع أبعادا جديدة ، ولكي يتسنى ذلك لا بد من حصر القيم المعرفية وتجميعها في أفكار ، وبالأفكار نبني علائق وتعميمات وقد نصل في الأخير إلى استخلاص عبر نتوكأ عليها حينا ، أونسترشد بها مستقبلا لوزن مقدراتنا وقيمنا الذاتية التي تحتاج فعلا إلى تثمين وتقويم.

***أرقام مبهمة….. لكنها ناطقة : 1)

١- الإعتقاد الذي رسخه العربان ، ومن سايرهم من ذوي العرفان ، أن الفتح الإسلامي لبلاد المغرب تم سلما وبضربة واحدة قاصمة حاسمة، ومارسوا الطمس والإخفاء قدر الإمكان قصد التمكين لأنفسهم وذويهم، وكثيرا ما قالوا بأن الإسلام نشروه سلما بين الأمازيغ ، وما جاءوا إلا محررين وناشرين لديانة رحيمة تدعوا للإخاء والتسامح والمحبة ، وأثبت التاريخ عكس ذلك كله .

) ٢- استمرت عملة غزو إفريقية مدة طويلة قدرها المؤرخون بأزيد من سبعين سنة ( 70 سنة ) أي من 25 هجرية إلى غاية نهاية ولاية موسى بن نصير عام 95 للهجرة ، في حين أنها لم يزد غزو مصر عن عامين ، والشام عن سبع سنين ، فالغزو العربي للشام ومصر كان فاصلا في سنواته الأولى في حين تأخر عندنا لأسباب مختالفة كنا قد تعرضنا لبعضها خلال معالجة الغزوات الثمانية المرصدة .

٣- ) الغزوات العربية الإسلامية الثمانية لبلاد ( تمازغا). حدثت في عهد حكم ستة من الخلفاء ، راشدي واحد ( عثمان بن عفان)، وخمسة من خلفاء بني أمية ( معاوية بن أبي سفيان ، يزيد بن معاوية ، عبد الملك بن مروان ، الوليد بن عبد الملك ، سليمان بن عبد الملك ) ، وتتابع ثمانية من أمراء الجند سميت عادة الغزوات بأسمائهم ، هم ( عبد الله بن أبي سرح 27 للهجرة ، معاوية بن حديج 45 للهجرة ، عقبة بن نافع على فترتين 50 هجرية و62 هجرية ، أبا المهاجر دينار ، 55 هجرية ، زهير بن قيس البلوي 69 للهجرة ، حسان بن النعمان 74 للهجرة ، موسى بن نصير 85 للهجرة .

٤- ) وظف الغزاة عددا هائلا من الجند النظامي والمتطوعة ، ومن الفرسان الخيالة والمشاة ، قد تصل ترسانتهم الإجمالية إلى ما لا يكفيها العد ، والمؤرخ العربي يتلاعب غالبا بالأرقام ، فيجعل العدو دائما متفوق على العرب المسلمين من حيث العدد بعشر مرات غالبا ، ألف ضد عشرة الآف ، عشرة الآف ضد مائة ألف … فالأرقام غير مضبوطة والتواريخ لا تطابق فيما بينها غالبا ، وأكثر الغزوات تعدادا في جندها حسب المصادر ، غزوة حسان بن النعمان لغرض محو هزيمة زهير بن قيس البلوي ، والقضاء على مقاومة ديهيا ، بلغ تعدادها أزيد من أربعين ألفا من جند الشام ، وبمجرد نهاية الغزو يتبخر الجند عائدا إلى المشرق أو أنطابلس ، حتى القيروان لم تكن معسكرا حقيقيا إلا ما بعد حسان بن النعمان وهزمه لديهيا البترية ، فاستقرار جند العرب المسلمين بالقيروان خلال الحملتين الأخيرتين بدأ فعليا زمن حسان، وتطور في عهد ولاية موسى بن نصير خاصة بعد خلق قاعدة متقدمة بطانجة تولى القيادة فيها طارق بن زياد.

٥- )غادر الغزاة إفريقية وانسحبوا منها كلية ، خلال الغزوتان الأولى والثانية ، لأن قادة الغزوتين جاءوا للإرتزاق من مغانم افريقيا ، وأنساهم ذلك بُعد نشر الإسلام ، فمجرد ما ينتهي الإنتهاب ويتضخم المُجمّعُ من السبيي والمغانم العينية ، يزداد خوف العربان من هجمات مرتدة قد تضيعُ عليهم ما جمعوه ، فلهذا يسرعون الخطى للعودة بما أفاء الله عليهم من خيرات إفريقيا وأنعامها وأسلابها ، وتراجع العرب ثلاث مرات كرها ، بعد مقتل عقبة ، حيث فروا من القيروان باتجاه أنطابلس بليبيا ، ونفسه تكرر بعد مقتل زهير بن قيس البلوي على يد البزنطيين ، وكذا انهزام حسان بن النعمان الذي لا حقته ديهيا حتى حدود إفريقية الشرقية. ومن هنا يتضح بأن العرب المسلمين ارتدوا نحو الشرق خمس مرات ، فكانت القيروان بلا معنى إلى غاية زمن حسان في حملته الثانية ، وموسى بن نصير الذي استقر العرب المسلمون فيها بقوة ، أما قبلها فكانت المدينة مربضا للأهالي المسلمين بمختلف ألوانهم ونحلهم دون الجند .

٦- ) تبعية إفريقيا تأرجحت بين التبعية لوالي مصر ثلاث مرات ، ( عبد الله بن سعد ، ابن مخلد الأنصاري ، عمر بن عبد العزيز) وإلى الخلافة الأموية المباشرة حيث يتكفل الخليفة نفسه بتعيين وعزل أمراء الغزوات على إفريقية ، تعيين الخليفة معاوية بن ابي سفيان لمعاوية بن حديج ، و عقبة بن نافع في عهدته الأولى ، و تعيين الخليفة يزيد بن معاوية لعقبة ثانية بعد عزل أبي الهاجر دينار ، وعبد الملك بن مروان يعين زهير بن قيس البلوي ، ثم حسان بن النعمان

٧- ) كثيرا ما ساءت العلاقات بين والي مصر عبد العزيز بن مروان ، شقيق الخليفة عبد الملك ،وقادة الغزو في إفريقية ، فالوالي كان ينشد الهيمنة على هذه الولاية الجديدة لما تدره من منافع ، وهو ما أحدث تصادمات مع أمراء الغزو ، واتضح ذلك جليا في عهد زهير بن قيس البلوي ، وعهد حسان بن النعمان . بحيث أن الكثير من أنعام إفريقيا ومغانمها وسبيها يُسلب جزء مهم منه في مصر قبل وصوله إلى دار الخلافة في دمشق بجمركة مسبقة (حقوق المرور) ،ويذكر التاريخ أن حسان بن النعمان مرر القطع الفضية مخفية في قرب الماء ، لضمان وصولها وإيصالها لخليفته عبد الملك بن مروان .

😎 الغزوات العربية الموجهة لغزو شمال إفريقيا تباينت في أهدافها وإن تشابهت في أساليبها ، التي طبعها القهر والتقتيل والسبي والنهب لخيرات البلاد ، فالأولى منها كانت تبحث على المغانم على طريقة ( أسلب واهرب ) ، وأخرى انتقامية خالصة كالتي قادها زهير بن قيس البلوي للقضاء على آكسل قاتل عقبة بن نافع في تهودة ، أو حملتا حسان للقضاء على ديهيا البترية المقاومة الشهمة للوافدين باسم الإسلام والإسلام من أفعالهم بريء، أما الغزوتين الأخيرتين ففيهما نفحات مما يعرف في التاريخ بالغزو الإستيطاني ، أي التمكين للوافدين على حساب الأهالي المحليين .

٩- )أطول الغزوات زمنا ، وأكثرها تأثيرا هي الغزوة الأخيرة ( غزوة موسى بن نصير ) التي استمرت زهاء العشر سنوات ، (95/85) ، فهي فعلا غزوة التحكم في زمام الأمر ، وغزوة الإستقرار النهائي ، وإخضاع الأمازيغ للإمر الواقع ، وتجنيدهم كمرتزقة لخدمة أجندة الدولة الأموية العسكرية التوسعية في القضاء على جيوب المقومة الأمازيغية بالإخضاع القسري والترهيب والقتال ، أو أسلوب الرهن في حالات الخضوع وطلب الصفح ، لضمان الهدوء وعدم التفكير في التمرد على الأوضاع .

١٠- ) الغزوات العربية لشمال افريقيا كانت تصادم عسكري ، فلا أثر فيه للحضارة والدين ، فكل ماكان هو غزو وسلب ونهب وقتل ثم تراجع عن المكان دون أثر يذكر ، فلا تأثير ولا تأثر ، فالعلامات الدالة على نشر الإسلام غائبة تماما إلا ماندر ( غزوة أبا المهاجر دينار ) ولا ذكرلها في المصادر والمراجع المعتمدة ، فالجهد كله موجه للقتل والقتال والمغانم والسبي ، فلا فقهاء ، ولا دعوة صريحة ، ولا لقاءات سلمية حميمية بين المسلمين والكفار لإفهامهم فحوى هذا الدين الجديد .

مدلولات لها معنى ….. وبلا عاطفة.

إن هذه الأرقام المرصدة ، والمقارنات المعقودة ، قد تصل بنا إلى دلائل مستفزة ، قد لا يقبلها بعضنا لانغراس قناعات في وجدانه يصعب انمحاؤها أو التنكر لها، ولو هي من سقيم الفكر ، ونحن لسنا هنا للإنتقاص من عظمة الإسلام ولا من تعاليمه المتسامحة الرحيمة ، وإنما الغرض تبيان الخطأ البشري وسعيه الدؤووب لجعل الدين خاضعا له ، خادما طيعا طائعا لمساعيه الدنيوية ولو هي دنيئة ، وقراءتُنا للفعل لن تقبل من الكثيرين لأنها شذت عن قراءات سابقة مطبلة ومؤيدة ، جعلت من المدنس مقدسا ، ومن المقدس مدنسا ، فكل من خالف المنهج ولو بالدليل والبرهان يعد شاذا وناقص دين ، كما أن أقوالنا لا يجب أن تحسب بأنها ضد الأجناس ،وإنما هي موجهة للأفعال التي قام بها البشر الذي لا عصمة له ، وكثيرا ما أحاط الناس أنفسهم بسياج قدسي كاذب لحماية أنفسهم من زلات الزمان ، وهو ما سنستخلصه من الأرقام الصماء المتحولة إلى ناطقة .

المشرق والمغرب .. تصادم أم تفاعل ؟

استقراء التفاعلات القائمة بين مجتمعين مشرقي يحمل دينا جديدا بأبعاد عقدية واجتماعية وانسانية وحضارية ، ووسيلته هي الجهاد الهجومي بأسلوبه القتالي الدموي شعاره مستخلص من القرآن بفهم نكوصي وتأويل فاسد لقوله تعالى في الآية 29 من سورة التوبة : [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدي وهم صاغرون ]. وآيات أخريات شبيهة كالخامسة من سورة التوبة القائلة [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ]، ولا غرو أن هاتين الآيتين وأمثالهما نزلتا لعلاج أوضاع آنية في زمنها ومكانها ، وهي مرصدة للجهاد الدفاعي ضد كفار قريش الذين اعتدوا على المسلمين وقهروا الإسلام في بدايات ظهوره وانتشاره ، ولا يمكن التذرع بهما لقهر الأمم الأخرى البعيدة عن محيط إرهاصات ظهور الإسلام وتفاعلاته المتسنجة داخل شبه جزيرة العرب ، فالأمم البعيدة كما هو الشأن بالنسبة للأمازيغ ، إيصال الإسلام إليها يحتاج إلى جهاد حضاري ، وثقافي ، وعاطفي ، تتغلب فيه القدوة والمثل الأعلى ، فهو جهاد شاق صعب المنال لكنه مضمون الفوائد ، غير أن الغزاة أساءوا التقدير، وأولوا آيات الرحمن حسب طبائعم وبدويتهم ، وانتهجوا أساليب إسالة الدم بما يشيب له الولدان ، و هو ما أورث المجتمع المغاربي ردات وتسنجات لا زلنا نعيش آثارها إلى يومنا هذا ، وهو الذي كان تواقا للحرية ، ميالا لقبول الدين الجديد منذ صولات بن وزمار المغراوي الزناتي الذي كلفه الخليفة عثمان بن عفان بتولى نشر الإسلام بين قومه، لو عرف العرب المسلمون الغزاة كيفية إيصاله لهم ؟؟

مفاهيم خاطئة …. بدلالات عكسية .

مفاهيم الفتح والغزو عند بعض العربان تستخدم بالمقلوب ،[ فالفتح] بالتعبير البسيط هي عملية ايصال الإسلام لغيرنا بالطرق السلمية فلا إكراه ولا ترهيب ، ولا قتل ، ولا حجز ، ولا دماء تراق ، كل الأمر يتم عن طريق الإقناع والحجة ، والجدال بالتي هي أحسن ، أو عن طريق الإقتداء والتقدير والإعجاب بصفات تظهر في تعاملات الداعية ، وهو ما كان في انتشار الإسلام في أقاصي آسيا من الملايو إلى جاوة وسومطرة وأجزاء أخرى من الفليبين . أما[ الغزو] فهو ايصال الإسلام الى ذوينا أو غيرنا بأساليب الإكراه والقتال ، وقد يصل حد القتل ، وما يرافق ذلك من تعد مقرف على النفس البشرية إذلالا وتصغيرا واحتقارا واستعباد ا تحت قناع العبودية والسبي وحتى الجزية فهم يقدمونها صاغرون . الإسلام وصل إلى أجدادنا في شمال افريقيا على مدار سبعين سنة من الزمن ، استعملت فيه القوة ، وخضع من خضع ، وقاوم من قاوم، وسالت أودية من الدماء عبر أزيد من ثمان غزوات ، سقط من الجانبين الكثير من الأنفس البشرية لا نعلم هل هي في الجنة أم النار ؟ فهل ما وقع فعلا ينطبق عليه تسمية [الفتح ] ؟ أم أن المقصد هو تخفيف من صدمة [الغزو] وترقيقها ، أوتحسين لصورته ؟ القاريء الحصيف والمؤرخ النزيه يسمى الأسماء بمسمياتها مهما كانت قاسية ومستهجنة ، فحروب الرسول سميت غزوات ، وحروبهم في شمال إفريقيا أطلقوا عليها الفتح الإسلامي ؟، فالمؤرخ الجزائري مبارك الميلي صاحب كتاب تاريخ الجزائر القديم والحديث يذكر الفعل بالغزو العربي لشمال إفريقيا ، تلك حقيقة شئنا أم أبينا .

غزو الأعراب لشمال إفريقيا فعل سياسي وليس ديني .

المتتبع لسلسلة تموجات الغزو يكتشف بأن وراء الفعل سياسة دنيوية ، فالغزاة كانوا معينين في الغالب من خلفاء أو ولاة سياسيين لا يحملون من الإسلام إلا الشعار، فدولة بني أمية كلها بخلفائها وأمرائها وقادتها ( باستثناء عهد عمر بن عبد العزيز )كانت دولة دنيوية همها التوسع وكسب المنافع الدنيوية والجاه ، ولم تجعل نشر الإسلام في أجندتها إلا عرضا ، وأمراء الجند حريصون على تلبية أطماع دار الخلافة من نفائس البلاد المتوسع عليها ، لأنها بقاءهم في مناصبهم مرهون بما يرسلونه بعد أن ينهبوه من أهاليه ، ولهذا لا يمكن تجريم الإسلام باسم هؤلاء الذين أساءوا للإسلام أكثر مما نفعوه ، فعندما تسلب الحقوق من أصحابها ، ويجبر الأمازيغي على بيع أبنائه ، لتسديد الجزية لينعم المشرقي برغد العيش ، وتوزع الدنانير الذهبية بينهم بالقفاف والصاع ، فذاك يدعوا إلى التأمل والتفكير للبحث عن مكمن الخطأ ، هل في الإسلام نفسه أم في المسلم الذي لم يسعفه مخه فهم تأويل آيات الرحمن بما يليق ، خاصة وأنها نزلت بلغتهم وبلسان عربي مبين .

التاريخ سجل الزمن … الحقائق فيه هي المقدسة .

التاريخ لا يعير كبير اهتمام للمقدس الديني ، فالإمام الطبري رغم ورعه وتقواه ، ذكر في كتابه ( تاريخ الرسل والملوك ) حقائق تاريخية عن المسلمين يندى لها الجبين ، ولا يمكننا القول أنه ناقص دين ، فالأحداث دونت وروجت في الكتب ، فالعارف والمطلع مدرك لذلك ، أما المستنكر والمستهجن عن جهالة وجهل ، والذي يلتجأ أحيانا إلى السب ورمي الناس بتهم باطلة فذاك مرده أنه ناقص علم بما قيل ، فالحادثة الواحدة قد تنتابها تفسيرات متنوعة بتنوع المفسرين لها ، لكن الحادثة تبقى كما هي دون تغيير .

تمزق المجتمع الأمازيغي …. بين مؤمن وكافر .

بدخول العرب المسلمين عدوة المغرب المعروف آنذاك باسم (إفريقية) ، تشتت المجتمع المغاربي ، بين مسلم كافر ، فالمسلم اتصف بصفات العرب ولبس لباسهم ، وتجند في صفوفهم لضرب إخوانه في الوطن ، ومهما كانوا فهم من الموالي العجم ، فهذا مولى عقبة ، وذاك مولى زهير ، وآخر مولى حسان ، والمولى في العرف العربي دونية و تبعية معنوية ، فكل ما يفعلونه من خير ينسب لسيدهم ، فطارق بن زياد مولى موسى بن نصير ، فبالمفهوم العروبي غزو الأندلس ينسب لموسى بن نصير العربي ، وليس لطارق بن زياد الأمازيغي ، فطارق ذراع لوليه ، وفي حالة الإساءة أو الفشل أو الخسران ، فإن تلك الإساءة واللوم تحسب على المولى وليس على سيده ، أما الباقي من الأمازيغ فهم غير مؤمنين يجوز فيهم القتل والإسترقاق والإستعباد ، فلا خيار سوى أن تكون مثلهم وطوع بنانهم ، وإلا فستطبق عليك آية السيف بأقسى صورها ، ولا يقبل العرب الندية أبدا وإنما يقبلون الدونية والركع السجود، وبذلك استبعدت القيم الوطنية تاركة مكانها للقيم الدينية ، فأصبح مقياس الإيمان والكفر هو ديدن المجتمع ، وتسارعت أقوامنا للبحث في متنفس لها في أرومة العرب ، فعُبدت أسماؤهم وحُمدت تشبها بالمنتصرين ، وكثير منهم ادعى النسب الشريف على شاكلة أبو مسلم الخرساني وابن تومرت ماضيا ، والقذافي حاليا .

جوهر الغزو … نشر الإسلام أم الغنيمة و نشر العربان .

كل ما أفقهه أن المسلمين مطالبون بنشر الإسلام بالطرق المنصوص عليها شرعا داخل بلاد العرب وخارجها ، وبالطرق السلمية ، ويبدوا أن هذا السلم عمل شاق ومتعب لا فائدة ترتجى منه ، فعمدوا إلى امتشاق السيوف حنينا لماضيهم البدوي وغزواتهم فيما بينهم ، فزحفوا على الجوار فانتصروا ، والإنتصار مشجع على الإستمرار ، وبالإنتصار تدفقت جراء الغنيمة سيول من الأموال ، قيل أن الثراء المغنوم أدى ببعضهم شراء الجارية بوزنها ذهبا ؟ فيذكر المؤرخ العربي أن عبد الله بن سعد في غزوته لأفريقيا عام 27 للهجرة صالحه الأمازيغ على مغادرة بلادهم دون رجعة ، بذهب وزنه قدر بثلاث مائة قنطار ، فكان سهم الفارس العربي منها 15 كلغ ذهبا خالصا والجندي الماشي أخذ مايقارب 5 كلغ ( راجع معلومات الغزوة الأولى 27 للهجرة )، فيبدوا أن العرب المسلمين عندما وصلت جيوشهم مشارف إفريقية بهتوا حائرين ، وقد يكونوا وضعهم شبيها بما أورده الشاعر العراقي إليا أبو ماضي قائلا : جئت لا أعلم من أ ين ؟ ولكني أتيت ، ولقد أبصرت طريقا قدامي فمشيت، وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت ، كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري ؟؟؟. فكانت أفعالهم تخالف معتقدهم ، ففي الأول غزو ونهب وسلب ، ثم رجوع بلا فعل ينبؤ بأنهم جاءوا لتغيير معتقدات فاسدة ، ونشر بديل لها بين جموع البشر ، لأن استراتيجية الفعل الأول تختلف حتما عن استراتيجية الفعل الثاني ، فلوا قصدوا نشر الإسلام لكانت مقدمتهم جموع الدعاة والفقهاء وأهل الخير ، ولكانت أياديهم تحمل المصاحف العثمانية لتوزيعها على الناس بعد ايمانهم وتعليمهم ، ولركبوا الناقة بدل الحصان ، ولأرسلوا دعاتهم على عجل لكل بقاع إفريقية يعرفون بدينهم ….. غير أن السيف سبق العذل، أو سبق السيف العذل كما يقول المثل العربي . فقد أغوتهم الدنيا بطرائفها فاستحوذوا على البلاد وجلبوا إليها في حملات متتابعة اليمنية والقيسية ، فاستبدلوا نهج نشر الإسلام بمنهج جديد هو نشر العربان في شمال إفريقيا ، ما دام هناك عبادٌ لهم قابلية الإستعباد حسب رأي مالك بني نبي .

الحقائق المغيبة … سلاح لإصلاح المعوج .

كثيرا ما يقال بأن النبش في التاريخ مدعاة للفتنة ، وأنه عفا الله عم سلف ، وأن من الحقائق ما يجب إخفاؤه عمد ا، حتى لا يصاب المجتمع بصدمة ونكسة ، تقديري أن الأخطاء وسوء النية يجب كشفهما ، لأن التاريخ بحدين ، وهو لا يرحم ، فما أخفي قد بان واتضح ، والهدف من تبيانها وكشف المستور منها أو عرضها بطرق مغايرة هو اثبات بأن النظر بعين واحدة عمل قاصر ، وأن كشف الأخطاء وإدراك نتائجها يبعث على تجنب الوقوع في نفس الخطأ ، فتغييب الرأي الأمازيغي في كتابة تاريخه مجلبة للضرر ، وتقصير للنظر ، فلولا ابن خلدون لما كان لنا تاريخ ، وإن كان فهو بتصور غيرنا لا تصورنا ، فالأسبان لهم مؤرخون أفذاذ صاغوا التاريخ الأندلسي بعقليتهم لا بعقلية العربان ، وكان مسلمهم ( ابن القوطية ) نسبة إلى القوط مقارع ومصدر مهم لرؤية رأي الأسبان فيما وقع في بلادهم ، إلا نحن ، إمعية مفرطة ، وببغائية مقلدة ، ولو قلنا فإن أقوالنا تصطدم بجدار صد من ذوينا مؤدلج منذ 14 قرنا ، يجعلنا من الكفرة الفجرة ، ويعجبني قول ابن حزم مغتاظا من الشرق وهو يقول( أنا الشمس في جو العلـوم مـنـيرة ، ولكن عيبي أن مطلعي الـغـرب )، فالمشرق والمغرب صراع قديم جديد ، وما نذكره ليس رأيا شخصيا مستقلا ، وإنما هو نابع من قرءات عدة ومن مصادر موثوقة مشرقية إسلامية عربية اللسان والهوى لا تغريب فيها ، لكنها بمنظور مغاربي ، نازع لإبراز الذات المغيبة ، وكشف الطموسات المقترفة التي استعملت فيها كل أساليب الدس والخداع والنفاق ، في تغليب قوم على أقوام بوجه لا حق فيه .

مفصل القول أن حركية الغزو العربي الإسلامي لشمال أفريقيا بتعدد غزواتها الثمانية ، وطول مدتها ( 70 سنة) ، لا يمكن أن تكون فتحا بقدر ما كانت غزو مبينا ، وكل الشواهد دالة على سوء التقدير في فتحها على لسان مؤرخين كبار ، واتضحت مدى ارتجالية الفعل ومدى فداحة الأخطاء المرتكبة المتكررة على الدوام ، فالأخطاء التي ارتكبها الغزاة في الحملة الأولى تكررت تباعا في الغزوات الموالية ، ولم تشذ عنها سوى حملة أبا المهاجر دينار نسبيا، التي كانت متميزة في عملها على نشر الإسلام على أوسع نطاق بين قبائل البرانس ، وهو ما يدعونا إلى طرح سؤال صريح هو : هل الأخطاء المرتكبة أيام الغزو العربي لشمال إفريقيا هي من تعاليم القرآن ؟؟ ، أم أنها من نسج الفقهاء بتأويل فاسد لآيات الجهاد بمرجعية عربية جاهلية ؟؟ أم أن قادة الغزو لم يكونوا في مستوى ايصال الإسلام إلى لأمم الأخرى دون تشويه لأهدافه ومراميه ؟؟

فالخطأ موجود لا محالة ، لكن تحديد المخطيء يحتاج إلى معرفة وإدراك وشجاعة أكبر ، فالأمم الغريبة تزن الإسلام بأفعالنا وليس بأقوالنا ونوايانا ، فهم حاليا يحكمون على الإسلام من خلال أفعال المسلمين في الصومال وأفغانستان والسودان وجنايات الطالبان وشباب الإسلام وبوكو حرام .

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ